نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للصحافي مات باي قال فيه إنه كثيرا ما يقال إن حماية الحريات الأساسية تكون في غاية الأهمية عندما يصعب تحقيقها. وتزداد أهميتها بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أشخاص قد نعتبر نظرتهم للعالم بغيضة أو حتى مهددة.
وأضاف كاتب المقال: “ولهذا السبب شعرت بخيبة أمل تجاه رابطة مكافحة التشهير وزعيمها، جوناثان غرينبلات، الذي أعرفه منذ عقود. تعتقد رابطة مكافحة التشهير أنها تحمي اليهود الأمريكيين بالتزامها الصمت خلال حملة إدارة ترامب الوحشية ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين. الأمر ليس كذلك، ومن يملك فهما للتاريخ يدرك ذلك”.
وأشار باي إلى أنه عندما اعتقلت سلطات الهجرة الشهر الماضي محمود خليل، أحد قادة الاحتجاجات الطلابية في جامعة كولومبيا، أصدرت رابطة مكافحة التشهير بيانا قالت فيه إنها تدعم “الجهود الجريئة”، التي يبذلها ترامب لقمع معاداة السامية في الحرم الجامعي. وأشار البيان إلى ضرورة اتباع الإجراءات القانونية الواجبة – رغم أن هذه الإجراءات، كما اتضح، تضمنت ترحيل خليل خارج الولاية قبل أن يحصل حتى على جلسة استماع.
وذكر أنه تبع ذلك المزيد من الاعتقالات. في جامعة جورج تاون، تعرّض بدر خان سوري، وهو زميل ما بعد الدكتوراه من أصول هندية، للاختطاف من منزله قرابة منتصف الليل على يد عناصر ملثمين. ويُرجَّح أن يكون السبب وراء ذلك هو كون زوجته، وهي مواطنة أمريكية، ابنة شخصية سياسية فلسطينية. في المقابل، تزعم وزارة الخارجية أن سوري كان يروّج لدعاية مؤيدة لحماس.
وفي الأسبوع الماضي، اختطف عناصر ملثمون روميساء أوزتيرك، وهي باحثة تركية حاصلة على منحة فولبرايت وطالبة دكتوراه في جامعة تافتس، من أحد شوارع إحدى ضواحي بوسطن. وعلى حد علم الجميع، كانت جريمة أوزتورك هي التوقيع على مقال رأي في صحيفة تافتس ديلي الطلابية اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
ولفت الكاتب إلى أنه لم يصدر عن رابطة مكافحة التشهير أي رد فعل رسمي على كل ذلك.
وأشار إلى أن ما جرى لطالبة جامعة تافتس ترك أثره الكبير عليه، وبخاصة أنها مسجلة في فيديو مروع. وكان يجب أن تؤثر على غرينبلات الذي نشأ والكاتب في نفس المدينة بولاية كونيتيكت، وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتداخل عملهما كمحررين للصحيفة الأسبوعية بجامعة تافتس.
وأوضح أن غرينبلات كان محررا لمقالات الرأي، ورغم النقاشات الحادة بينهما حول الآراء التحريرية للصحيفة، لم يكن هناك شك قط في أن نشر الآراء المسيئة وتسهيل النقاشات داخل الحرم الجامعي كانت جزءا من عملنا.
وأشار إلى أن غرينبلات انتقد معاداة السامية في جدل جامعي شمل أمة الإسلام في عام 1992، بعد تخرج الكاتب. في تلك الحالة، كما ذكرت صحيفة “فوروارد” العام الماضي، دافع بحزم عن حق المتحدث المُسيء في عرض قضيته.
وقال: “أنا متأكد من أن غرينبلات يتذكر الحي الذي اختطفت فيه أوزتيرك في سومرفيل، ماساتشوستس، بوضوح مثلي. ويعلم أن مقالها، الذي كتبته مع عدد من الطلاب الآخرين، كان ضمن حدود النقاش الجامعي الاعتيادي. ويعلم أن العديد من مقالات الرأي التي ينشرها طلاب جامعة تافتس تثير الفتنة، لكن لا يفترض أن تؤدي إلى سحب تأشيرة الطالب وإلقائه في مركز احتجاز في لويزيانا”.
وأكد أن غرينبلات على دراية بكل هذه التطورات، ومع ذلك، لم تتخذ رابطة مكافحة التشهير أي موقف حتى الآن. بل قدّمت موافقة حذرة باسم اليهود الأمريكيين، في وقت تنزلق فيه البلاد نحو نزعة قومية خارجة عن القانون.
وأشار إلى ما وصفه بازدواجية المعايير في الجامعات، حيث يُسمح لجميع الجماعات بالتعبير عن مواقفها، باستثناء اليهود، وفقًا لزعمه. لكنه شدد على أن علاج هذه الازدواجية لا يكون بالانضمام إلى صفوف المجموعات المحمية التي ترفض أي تحدٍّ لرؤيتها للعالم، وكأن جوهر الحرم الجامعي لا يقوم أساسًا على مثل هذه النقاشات. بل يكمن الحل، برأيه، في الدفاع بقوة عن حق الجميع في حرية التعبير، حتى وإن كان جارحًا، طالما أنه لا يصل إلى حدّ التهديد بالعنف.
وقال: “إن الدفاع علنا عن الطلاب اليهود الذين يشعرون بأن أصواتهم مكمّمة في الحرم الجامعي، بينما يتم في الوقت نفسه تأييد أو تجاهل اعتقال المهاجرين بسبب آرائهم المخالفة، ليس مجرد تصرف غير أمريكي؛ بل إنه يُشكّل أيضا إهانة للقيمة اليهودية الجوهرية للنقاش الفكري، ويعكس افتقارا مؤلمًا للفهم التاريخي”.
وتساءل الكاتب إن كان هناك لحظة تاريخية استفاد فيها اليهود في أي مكان من مزيج من القومية المتفشية والقمع، مشيرا إلى أن البحث عن مثل تلك اللحظة سيطول.
وأوضح أن هذه هي مشكلته الأساسية مع تصريحات غرينبلات ورابطة مكافحة التشهير، أو بالأحرى، مع صمتهما حتى الآن. فلا يمكن لأي جهة أن تدّعي أنها منظمة حقوق مدنية في الولايات المتحدة اليوم – فضلًا عن كونها منظمة تدافع عن أقلية تعرّضت للاضطهاد الوحشي في جميع أنحاء العالم – بينما تلتزم الصمت حيال الترحيل القاسي وغير القانوني للأجانب لمجرد أن آراؤهم لا تتماشى مع السائد. أو بالأحرى، يمكنها أن تفعل ذلك، ولكن لا ينبغي لأحد أن يأخذها على محمل الجد عندما تتذمر من التهديدات التي تطال حرية التعبير.
وشدد على أن الفكرة الأمريكية تمر بلحظة وجودية حاسمة، موجهًا خطابه إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، ومؤكدًا أن “أمريكا ليست مجرد مكان، بل فكرة”. وأوضح أن كبرى الشركات القانونية تستسلم لليأس، وأن أكثر المؤسسات الإعلامية شهرة باتت تمالئ الرئيس. وأضاف أن أمريكا استنفدت كل احتياطاتها، محذرا من أن اليهود الأمريكيين لا ينبغي لهم الشعور بالرضا لمجرد أن سهام القومية البيضاء لم تصبهم بعد.
لفت الكاتب إلى بيان منظمة “جيه ستريت”، وهي جماعة أخرى تدافع عن حقوق اليهود الأمريكيين، الذي صدر الأسبوع الماضي، وجاء فيه: “يبدو أن الإدارة عازمة على تدمير كل ما جعل هذا البلد موطنًا آمنًا ومرحّبًا باليهود الأمريكيين لأجيال”. وأعرب عن تأييده لهذا الرأي، مشددًا على أن رابطة مكافحة التشهير ينبغي أن تشاركه هذا الموقف أيضًا.
المصدر: القدس العربي
واشنطن بوست: تنمّر ترامب على مؤيدي فلسطين لا يحمي اليهود.. وصمت رابطة مكافحة التشهير يقوّض مصداقيتها