فيما يستعد الناخبون الإسرائيليون للتوجه إلى صناديق الاقتراع الثلاثاء المقبل، تبدو المنطقة بأكملها وقد دخلت حملة انتخابية يدفع أغلب ضحاياها أثمانها رغم أنهم لا يملكون حق المشاركة فيها.
يعود شبح المجاعة إلى قطاع غزة، للمرة الثالثة، منذ بدء الحرب في تشرين أول/ أكتوبر 2023، ويتحول موسم قطف الزيتون في غزة إلى موسم اعتداءات على الأرض وأصحابها. تتصاعد، في الوقت نفسه المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية في محافظة السويداء السورية، فيما تتواتر بشكل يومي عمليات التوغّل والاعتداءات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، ويلوّح بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، بحرب جديدة على إيران.
لا تخضع هذه «الجبهات» الثلاث لمنطق واحد، ففي فلسطين تتواصل الحرب بأشكال مختلفة، وفي سوريا ترفع إسرائيل أجواء التوتر الذي يهدد بمواجهة، فيما تبقى إيران ساحة تهديدات تصطدم بحسابات الحليف الأمريكي، رغم إعلان نتنياهو أنه لن يطلب ضوءا أخضر لضربها من ترامب. يجري «النفخ» في هذه الملفّات فيما تحتدم معارك الانتخابات وتكثّفها قابلية توظيف القوة والتهديد بالحرب في الصراع على السلطة في إسرائيل.
إضافة إلى استمرار القيود الإسرائيلية على دخول الغذاء والوقود وعشرات السلع الأخرى إلى غزة، تفاقمت أزمة الجوع مع تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته بسبب نقص التمويل، بما يهدد 1,4 مليون فلسطيني يعانون من انعدام حاد للأمن الغذائي. وفي الضفة، يكشف استهداف المزارعين وأشجار الزيتون عن سياسة تتجاوز الاعتداءات الموسمية إلى تقويض مقومات البقاء الفلسطيني وتوسيع الاستيطان ومصادرة المزيد من الأراضي، وهناك خطط حذّرت منها «مصادر أمنية إسرائيلية»، حسب صحيفة «هآرتس»، بتصعيد هؤلاء لإجرامهم بعد الانتخابات، حتى لو خسر نتنياهو السلطة بقصد فرض وقائع استيطانية يصعب على أي حكومة بديلة تغييرها.
أما في السويداء، فقد تحولت قضية حماية الدروز السوريين إلى ورقة في التنافس على أصوات الدروز الإسرائيليين. استبق نتنياهو التصعيد الراهن في اجتماع مع دروز الجولان زعم فيه إنه اتصل بالرئيس السوري أحمد الشرع وطلب منه وقف المعارك التي اشتعلت في السويداء في تموز/يوليو 2025. لا يقتصر خطر التصعيد الراهن على احتمال تدخل عسكري إسرائيلي مباشر فحسب، بل يشمل إمكان اندلاع مواجهة لا ترغب فيها الحكومة السورية، كما لا ترغب فيها نسبة وازنة من الدروز السوريين. تخلق التحركات العسكرية والتحصينات، ورفع منسوب الشائعات والتحريض، شبكة من الخوف يصبح فيها أي اشتباك محدود كافيا لإشعال الجبهة ومنح إسرائيل ذريعة جديدة لضرب الجيش السوري. يأتي ذلك رغم التوجّه الأمريكي المعلن نحو تمكين مساعي التهدئة مع دمشق.
تبدو إيران الجبهة الأكثر وضوحا في توظيف التهديدات انتخابيات، والأشد تعقيدا عسكريا. فنتنياهو يعلن أن إسقاط النظام الإيراني أصبح هدفا صريحا، ويتحدى ترامب بالقول إنه لن يطلب موافقته على ضرب إيران. لكن التقارير عن إحباط واشنطن هجوما إسرائيليا واسعا كان مقررا في العاشر من الشهر الجاري، والخلافات بين نتنياهو وقيادة الجيش بشأن ضرورته وتوقيته، تكشف حدود القرار الإسرائيلي.
لا يعني الاعتراض الأمريكي رفضا للضربة على إيران، بل يرتبط بدوره بحسابات انتخابات الكونغرس المقبلة ومخاطر التصعيد الإقليمي المتشابكة، وهي حسابات قد تتغير بعد الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، فيما يراهن نتنياهو على أن تهديداته لإيران ستكون وسيلة للتأثير على تشكيل الحكومة الإسرائيلية حتى لو خسر الانتخابات.
الاستخدام الانتخابي للحرب، بهذا المعنى، لا يشترط وقوعها، لكنه يزيد احتمالات اندلاعها، وقد يطلب تفاعلات يمكن ان تفلت من سيطرة مفتعليها. كما أن تبدل الحكومة الإسرائيلية لن ينهي تلقائيا السياسات التي جعلت القوة العسكرية والاستيطان والتدخل في شؤون البلدان المجاورة أدوات إسرائيلية ثابتة للهيمنة الإقليمية.
المشكلة إذن ليست فقط في احتمال إشعال نتنياهو حربا للفوز بالانتخابات، بل في أن إسرائيل، على اختلاف معسكراتها السياسية، حوّلت الحرب والتوسع المتواصل في أراضي الفلسطينيين والبلدان المجاورة إلى سياسة دائمة. لقد تحوّل إضعاف الآخرين وتهميشهم وخلخلة أركان مقوّماتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية يساوي قوة إسرائيل، وهي معادلة لا يمكن التعايش معها وتجعل الأوضاع قابلة للانفجار دائما.
رأي القدس
انتخابات نتنياهو من تجويع غزة إلى تهديدات سوريا وإيران!