عندما أراد الإسرائيليون تقليده وسام الكنيست أواخر فبراير/شباط الماضي، ظهر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي متأثرا ومسرورا إزاء اللحظة التي تبيَّن لاحقا أنها كانت تتويجا لجهود جبارة تمت بعيدا عن الأنظار.
مودي الذي يفخر بأنه وُلد يوم اعترفت الهند بقيام إسرائيل على أرض عربية مغتصبة، ظهر منذ أعوام ينافس الأوروبيين والأمريكيين في الإخلاص للصهيونية.
ولما نفر كثيرون من إسرائيل ردا على إمعانها في إبادة سكان غزة، قرر مودي أن يزداد قربا، فحصل على الحب والمباركة من نتنياهو وسموتريتش وآخرين.
لقد أبرم مودي اتفاقات تجارية هائلة مع حكومة نتنياهو غطت مختلف جوانب التعاون وتجاوزت مليارات الدولارات.
السلاح والأيديولوجيا والأساطير
لكن قداسة مودي في الأراضي المحتلة لها سر آخر، فلم تنشأ من اتفاقيات العمالة والنقل وصفقات الغذاء والدواء، وإنما هي توليفة من الأيديولوجيا والأساطير، وفق تسريبات عززتها الأرقام والوثائق.
ففي تقرير حقوقي جديد، تكشّف أن الهند أخذت على عاتقها تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر التي تفتك بالمستضعفين الفلسطينيين في غزة والضفة.
التقرير الذي أنجزته منظمة العفو الدولية حمل عنوان “صُنع في الهند: إمداد إسرائيل بالأسلحة والذخيرة”، كاشفا عن شراكة وثيقة ومربحة مع جيش الاحتلال.
ووفق هذه الأرقام أصبحت الهند مساهما كبيرا في سلاسل التوريد التي تدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية.
لقد حلل محققو العفو الدولية ما لا يقل عن 2596 شحنة من الأسلحة والذخائر والقطع والمكونات أُرسلت من الهند إلى إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وهذا التاريخ مهم جدا لأنه يغطي الإبادة الإسرائيلية في غزة التي أدت إلى استشهاد أكثر من 73 ألف فلسطيني معظمهم نساء وأطفال، إلى جانب تشريد وتجويع كل سكان القطاع.
في تلك الفترة أوقفت إسبانيا تصدير السلاح إلى إسرائيل، واختارت دول أخرى مثل فرنسا فرض قيود تحد من وصول القنابل والذخائر إليها.
لكن الهند تكفلت بتعويض النقص، فأرسلت إلى إسرائيل مئات الآلاف من قطع الأسلحة والذخائر المتفجرة ومكونات المركبات العسكرية، وفق التقرير الحقوقي الجديد.
ويبدو أن توشيح مودي في الكنيست في فبراير/شباط الماضي لا يمكن فصله عن هذه الجهود التي استمرت أكثر من عامين.
قال مودي حينئذ “وُلدت في اليوم الذي اعترفت فيه الهند بدولة إسرائيل، وأنا سعيد جدا بوجودي هنا اليوم، خاصة أن الهند تقف إلى جانب إسرائيل في هذه اللحظة، وستظل كذلك في المستقبل”.
ولكن كيف تم توريد السلاح؟
تم هذا الإمداد عبر شركات تملكها الدولة أو تسيطر عليها مباشرة، مع “وجود قصور هيكلي خطير في الإطار الوطني المنظم لصادرات السلاح”.
وتحدث التقرير عن غياب اشتراطات واضحة لبذل العناية الواجبة بشأن حقوق الإنسان، ونقص شديد في الشفافية يجعل الرقابة والمساءلة على هذه الصادرات محدودة. كما ذكّر بأن الهند لم توقع أو تنضم إلى معاهدة تجارة الأسلحة.
وحذرت العفو الدولية من أن استمرار الهند في الترخيص لنقل الأسلحة والذخائر والقطع إلى إسرائيل، رغم أوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير مؤقتة على خلفية خطر الإبادة الجماعية، يمثل انتهاكا لالتزامها بمنع الإبادة الجماعية وضمان احترام اتفاقيات جنيف.
ودعا التقرير الحكومة الهندية والشركات الخاضعة لولايتها إلى وقف جميع عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل فورا.
وفي ضوء أوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية التي أقرت بوجود خطر معقول لوقوع إبادة جماعية في غزة، شددت المنظمة الحقوقية على أنه لا يمكن للسلطات الهندية أن تزعم أنها تجهل أن استمرار ترخيص نقل السلاح إلى إسرائيل ينطوي على “خطر بالغ” بالإسهام في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
ولا يخجل مودي من الاعتداد بصداقته مع نتنياهو الذي يتفادى المرور من أجواء دول كثيرة خوفا من اعتقاله وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.
استمرت الزيارة يومين، وشهدت توقيع اتفاقيات مشتركة تُقدَّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، و”تكريما تاريخيا غير مسبوق”.
البكاء والتلمود والدم
وأثناء مغادرة مودي عائدا إلى الهند، خاطبه نتنياهو قائلا “كل الإسرائيليين بكوا تأثرا من كلمتك أمام الكنيست. الجميع تأثروا عندنا من كلماتك الحميمة. أنت تعيد إلينا الأخوة اليهودية الهندية”.
هذه الكلمة التي تحدث عنها نتنياهو تضمنت تعزية في قتلى إسرائيل في هجوم طوفان الأقصى الذي شنته المقاومة الفلسطينية على قواعد ومستوطنات الاحتلال في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال مودي “نحن نشعر بألمكم، ونشارككم أحزانكم. الهند تقف إلى جانب إسرائيل بثبات وبقناعة راسخة في هذه اللحظة وما بعد. لا يمكن لأي قضية أن تبرر قتل المدنيين”.
ويربط خبراء توجه إسرائيل إلى الهند بسياسة جديدة قائمة على “تعدد الأحلاف” بديلا عن الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة، مع تراجع الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، وصعود تيارات سياسية باتت ترى في تل أبيب عبئا إستراتيجيا لا حليفا ثابتا.
لكن بعض الباحثين يرون جوهر التقارب بين الهند وإسرائيل في عهد مودي ليس أمنيا فحسب، بل أيديولوجيا أيضا.
وينتمي مودي إلى حزب بهاراتيا جاناتا الذي يستند إلى فلسفة “الهندوتفا” الساعية إلى ترسيخ هوية هندوسية للدولة، بوصفها “وطنا للهندوس”.
ويقارن محللون هذا التصور برؤية إسرائيل لنفسها وطنا قوميا لليهود.
ومن بين هؤلاء أزاد عيسى، مؤلف كتاب “الوطنان المعاديان: التحالف الجديد بين الهند وإسرائيل” الصادر عام 2023.
يرى أزاد عيسى أن العلاقة بين البلدين في عهد مودي هي “رابطة بين أيديولوجيتين تعدان نفسيهما مشروعين حضاريين، وتنظران إلى المسلمين بوصفهم تهديدا ديموغرافيا وأمنيا”.
وبحسب هذا الطرح، فإن التقارب بين الهند وإسرائيل لم يعد محكوما بالبراغماتية وحدها، بل يستند إلى سردية قومية مشتركة.
وظهر هذا المنحى جليا في خطبة مودي أمام الكنيست، عندما قال إن علاقة بلاده بإسرائيل مكتوبة بالدم، ربما إصرارا على رفض الامتثال لأي معايير أو معاهدات قد تعرقل إمدادها بالسلاح.
وشدد الهندوسي المتطرف على أن الهند وإسرائيل تمتلكان علاقات قديمة جدا، وأن التلمود يشير إلى الهند ويذكر الممرات البحرية التي تربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي.
ولم يقف عند هذا الحد، بل أضاف “الجميع يعلم أن إسرائيل هي أرض الآباء، وأن الهند هي الأرض الأم، والروابط التي تجمعنا مكتوبة بالدماء والتضحيات”.
المصدر: الجزيرة
2596 شحنة.. السر الذي جعل مودي مقدسا في إسرائيل | أخبار | الجزيرة نت