نجاح محمد علي
تشير المعطيات المتراكمة في الحلقات السياسية والأمنية والإعلامية الواردة، إلى أن إيران تواجه اليوم أخطر مشروع استراتيجي مشترك بين الولايات المتحدة والعدو الصهيوني منذ انتصار الثورة الإسلامية. لكنّ ما يميز هذه المرحلة هو أن العدو، بعد إخفاقه العسكري والسياسي، بات يركز على الداخل الإيراني، معتبرًا أن المعركة الحاسمة ستُحسم داخل حدود إيران، لا في السماء فوق يافا أو القواعد الأميركية في الخليج الفارسي.
أولًا: ملامح العدوان المركّب
1. تهديدات عسكرية متزامنة مع قرارات دولية:
التهديد المستمر حتى مع وقف إطلاق النار، باستخدام القوة، وقرار مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يأتيان بمعزل عن بعضهما، بل يُستخدمان كجزء من لعبة نفسية وتكتيكية تهدف لفرض سلم تحميلي على طهران، قد يقود في النهاية إلى تفكيك تدريجي لاستقلال القرار الإيراني.
2. العدوان الإعلامي الموازي:
البرامج تكشف بوضوح دور “غرفة الحرب الناعمة” التابعة للاستخبارات الصهيونية في توجيه الرأي العام، وإثارة الفوضى، وتوظيف الأدوات الناعمة لتغذية الانقسام الداخلي، خصوصًا عبر تغلغل العناصر المعادية في منصات التواصل ووسائل الإعلام الغربية الفارسية.
3. المخطط الصهيوني ـ الأميركي لتفكيك إيران من الداخل:
استنادًا إلى ما طرحه خبراء في غرف التفكير الصهيونية والأمريكية، هناك تصور تفصيلي لسيناريو “السلام التفكيكي” الذي يبدأ بإضعاف الداخل الإيراني، وتهيئة بيئة مناسبة لفرض نظام جديد يخدم الأمن القومي الصهيوني والأميركي لعقود.
📌 التحليل: حين تنقلب المعادلة… الدرس الإيراني من ساحة غزة
في الوقت الذي تتبادل فيه الإدارات الغربية والدوائر الاستخبارية اتهامات علنية بشأن فشل الضربات العسكرية على المنشآت الحيوية الإيرانية، يكشف الميدان في ساحة أخرى قريبة — غزة — أن العالم دخل مرحلة جديدة من التوازنات.
ما يجري اليوم هو هزيمة إستراتيجية مزدوجة:
1. انكشاف عسكري – استخباري:
تقارير استخباراتية أميركية تؤكد محدودية تأثير الضربات ضد إيران، رغم ما أعلنه مسؤولون سابقون وحاليون في واشنطن عن “التدمير الكامل”. هذا التضارب بين السياسة والمخابرات ليس تفصيلاً، بل هو إعلان فشل صريح يعكس عجز المنظومة العسكرية عن فرض وقائع استراتيجية على طهران.
2. اهتزاز الثقة داخل محور العدو:
يظهر ذلك في تصريحات ترامب المتوترة، والتباكي على زعيم كيان الاحتلال، والارتباك بشأن محاكمته، وحتى في محاولات تقديم “خطط إنقاذ” لجنوده وسط جبهات الاستنزاف.
3. فشل السيطرة في الميدان:
ما قاله الجيش الأردني عن تعامله مع أكثر من 150 طائرة مسيّرة وصاروخًا، يوضح حجم الاشتباك الإقليمي الذي تجاوز جغرافيا فلسطين، ويؤكد أن المقاومة باتت تتقن استخدام أدوات الردع العابر للحدود. بينما تتوالى الكوابيس على مراكز القرار الأمني، لا تملك القوى الكبرى سوى الدعوة إلى تهدئة مشروطة بمكاسب سياسية.
4. نموذج غزة: مختبر الردع الجماهيري
في قطاع صغير محاصر، أثبتت المقاومة أنها قادرة على تحويل الفارق في الإمكانيات إلى نقطة ضعف للعدو. جندي الاحتلال هناك ليس رمزًا للقوة، بل عنوانٌ للهشاشة. والكمائن المصورة، كما عبّر أبو عبيدة، أصبحت وثائق ناطقة تُدرّس في فنون مقاومة القوة.
5. المعضلة الأميركية: كيف نفاوض إيران دون الاعتراف بالهزيمة؟
في ظل فشل التأثير العسكري وفاعلية الردع الإيراني، تدرس واشنطن اليوم تقديم حزمة مغرية لطهران، تشمل دعمًا لتطوير الطاقة النووية السلمية، وتخفيف العقوبات. هذا التحول، مهما أُخفي خلف لغة المصلحة، ما هو إلا اعتراف صريح بفشل المشروع الصدامي، وإعادة تموضع قسري بعد خسائر معنوية واستراتيجية.
📌 الرسائل التي يجب أن تستخلصها طهران:
▪️ العدو يفاوض من موقع ضعف وليس توازن
كل ما يقدّمه الغرب اليوم ليس “حسن نية”، بل محاولة لتأجيل الانهيار الكامل في صورة الكيان المتداعي، وإعادة تدوير مشروعه تحت عناوين خادعة. أي قبول بالتفاوض المشروط الآن يعني منحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، لا أكثر.
▪️ الردع الحقيقي يصنعه الميدان لا الخطاب
غزة أحرجت العالم بصور بطولية من داخل المدرعات، وبلقطات لجنود منهارين تحت نيران الفقراء. إيران، بما تملكه من أدوات، قادرة على صياغة توازن أوسع، لا بالاستعراض، بل بالفعالية الميدانية المركزة والمقاسة.
▪️ لا تعويل على العواصم، بل على الجبهات
التجربة أكدت أن الرهان على المفاوضات لا يحسم شيئًا. أما الميدان، فهو الذي يرسم خرائط جديدة، ويصوغ موازين القوة. طهران مدعوة اليوم لتثبيت هذا المنهج، وترجمة النجاحات الإقليمية إلى تحصين داخلي وتنمية إستراتيجية للردع.
📌 حوافز ترامب… توسلات ما بعد الهزيمة
ما كشفته تقارير شبكة CNN وغيرها عن اقتراح البيت الأبيض حزمة حوافز واسعة لإيران، ليس مجرد مقترح دبلوماسي عابر، بل هو رسالة سياسية واضحة: واشنطن لم تعد تملك أدوات الضغط التقليدية، ولا ترى بديلاً عن الرضوخ الناعم بعد فشل العدوان الصلب.
📌 فحوى هذه الحوافز:
• دعم أميركي رسمي لتطوير البرنامج النووي المدني الإيراني، بميزانية تتجاوز 30 مليار دولار، في سابقة نادرة في تاريخ الصراع.
• تخفيف ممنهج للعقوبات الاقتصادية التي كانت تُعدّ العمود الفقري لاستراتيجية “الضغط الأقصى”.
• امتيازات إضافية لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، دون شروط سابقة.
🎯 تفسير هذه التوسلات من موقع القوة الإيرانية:
1. من منطق الإنذار إلى منطق الإغراء
واشنطن التي كانت تُهدد “بالمحو الكامل”، صارت اليوم تعرض المال والدعم التقني، وهذا بحد ذاته انتصار لإيران، لأنها لم تغيّر موقفها أو شروطها، بل أجبرت الطرف الآخر على تغيير نبرته.
2. هزيمة خطاب الحرب الشاملة
حزمة ترامب تُظهر أن بلاده غير مستعدة لخوض حرب، بل تريد مخرجًا مشرفًا من فشلها العسكري، وتحاول “شراء الوقت” قبل الانتخابات عبر تلميع صورة فشلها كصفقة دبلوماسية.
3. شرعنة الخيار النووي السلمي الإيراني
حين تعترف واشنطن علنًا بأحقية إيران في برنامج نووي مدني، فإنها تُسقط بيد العدو وكل دعاية “نزع التهديد النووي”، وتمنح طهران ورقة جديدة لمراكمة الشرعية والتفوق العلمي.
4. التوسل لا يُقدَّم إلا للمنتصرين
في منطق العلاقات الدولية، لا يُقدَّم عرضٌ بالحوافز إلا لمن لا يمكن إخضاعه بالقوة. ما يعني ببساطة: إيران انتصرت، فطلبوا وُدّها.
📌 خلاصة استراتيجية:
كلما اشتد طوق النار، تُفاجئ إيران خصومها بقدرتها على قلب الموازين دون تنازلات. واليوم، حين تتحدث واشنطن عن الحوافز، فهي تُقرُّ بأنها الطرف الذي فقد المبادرة، وبدأ يتوسّل “هدنة مشروطة”.
لكنّ إيران، بما راكمته من قوة الردع، وشرعية المواجهة، ومرونة التفاوض المدروسة، باتت تكتب شروط المرحلة، لا فقط على الأرض… بل على الطاولة.
المصدر: صوت العراق
صوت العراق | التحليل الاستراتيجي: “تقسيم إيران… الرد يبدأ من الداخل”