You are currently viewing تحليل: الدعم الأميركي للكيان وغياب المساءلة يعمّقان الأزمة في غزة

تحليل: الدعم الأميركي للكيان وغياب المساءلة يعمّقان الأزمة في غزة

مر أكثر من عام على بدء ما يُسمى “وقف إطلاق النار” في غزة، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، دون أن يحقق الاتفاق أو خطة السلام الأميركية المفترضة المؤلفة من 20 نقطة تقدما يُذكر نحو وقف الإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل في القطاع.

وبدلا من وقف الحرب وبدء إعادة الإعمار، ترسّخ واقع خطير مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمعظم قطاع غزة، وتشديده الحصار، في ظل تراجع منظومة القانون الدولي، ما يمثّل تهديدا مباشرا لحياة الفلسطينيين، ويعزز المخاوف من سعي إسرائيل إلى تهجير سكان القطاع قسرا ثم ضمه، بحسب المحلل الأميركي المتخصص في السياسة الخارجية، ألكسندر لونغلوا.

ويقول لونغلوا في تحليل نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية، إن الحكومة الأميركية ترسم صورة مختلفة، إذ وصفت في بيان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار المزعوم ما تحقق بأنه “تقدم”، و “اختراق تاريخي… أسفر عن نتائج” استثنائية. وتتوافق هذه اللغة إلى حد كبير مع تصريحات شخصيات بارزة في إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومحيطها، وكذلك مع تصريحات مسؤولين مرتبطين بما يسمى “مجلس السلام”، وهو الكيان الذي قيل إنه أنشئ للإشراف على إعادة إعمار غزة بعد الحرب.

ويعتقد لونغلوا، المحرر البارز في منظمة “الديمقراطية في العالم العربي الآن (DAWN)” أن “هذه العقلية تحديدا هي التي تمثل اليوم أكبر تهديد للفلسطينيين في غزة… فبدلا من إنهاء العنف، قتلت إسرائيل 1,505 فلسطينيين وأصابت 5,332 منذ إعلان وقف إطلاق النار”.

ويضاف ذلك إلى “نحو 250 ألف ضحية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولا تزال إسرائيل تقصف أهدافا في أنحاء القطاع، كما نفّذت عمليات اغتيال محددة استهدفت مسؤولين بحماس، في انتهاك مباشر لشروط وقف إطلاق النار”.

وكذلك “واصلت إسرائيل هدم أجزاء من غزة التي تحتلها مباشرة، ومحت مدنا رئيسية من الخريطة، مثل رفح في جنوب القطاع، في عملية تمثل أحد أشكال ’إبادة المدن’، وأزالت أيضا رفات عدد لا يُحصى من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب”.

ورغم سماح إسرائيل بدخول مزيد من المساعدات إلى القطاع، لا تزال هذه الزيادة محدودة للغاية في أفضل الأحوال. وقد أسهمت في تحسين مؤشرات الأمن الغذائي، بحيث انتقلت الأوضاع من المجاعة إلى مستوى الأزمة أو ما هو أسوأ لنحو 1,2 مليون فلسطيني، بحسب “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”.

التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي: ثلثا أهالي غزة قد يتعرضون للجوع الشديد بحلول نهاية العام
على صلة
التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي: ثلثا أهالي غزة قد يتعرضون للجوع الشديد بحلول نهاية العام
ويرى لونغلوا الذي يعمل رئيس تحرير لمجلة “الديمقراطية في المنفى” (Democracy in Exile) التابعة لمنظمة (DAWN) أن القيود الإسرائيلية على المعابر الحدودية لغزة تمثّل عنصرا أساسيا في الحصار على القطاع، وتدعم الجهود الرامية إلى جعل الحياة غير قابلة للاستمرار أمام الفلسطينيين، ” فإسرائيل تمنع بصورة متكررة دخول السلع الأساسية إلى غزة، بما في ذلك الوقود والإمدادات الطبية والأجهزة المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة ومواد البناء”.

وعلاوة على ذلك، لا تزال إسرائيل ترفض السماح بإجلاء أعداد كبيرة من المرضى الفلسطينيين المصابين بجروح أو إعاقات لتلقي العلاج بالخارج، رغم بقاء أكثر من 21 ألفا على قوائم الانتظار، ووفاة أكثر من ألفين في أثناء انتظار دورهم للسفر للعلاج.

ودأبت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الكبرى ومعظم المنظمات الحقوقية البارزة على إدانة السياسات الإسرائيلية في غزة منذ اندلاع الحرب في 2023. وتصف منظمات تحظى بالاحترام، وخبراء بارزون متخصصون ما يحدث بأنه “إبادة جماعية”.

وأصدرت محكمة العدل الدولية حكما أوليا في كانون الثاني/ يناير 2024، خلصت فيها إلى أن الفلسطينيين يواجهون خطرا حقيقيا بوقوع أضرار لا يمكن تداركها، وأن الأفعال الإسرائيلية في القطاع قد تنتهك حقوق الفلسطينيين وحمايتهم من الإبادة الجماعية.

وبعد مرور ثلاث سنوات على بدء الإبادة الجماعية، وعام على وقف إطلاق النار “يتردد صدى الحكم بوصفه تحذيرا لم يُؤخذ به، سواء من جانب إدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، أو إدارة ترامب الحالية”.

ويشدد لونغلوا على أن “التواطؤ في واشنطن، وإلى حد كبير في العواصم الأوروبية، من خلال تقديم المساعدة والدعم لإسرائيل في ارتكاب جرائمها، يلطخ ما يُسمّى ’الديمقراطية الليبرالية’ بوصمة مخزية ومستهجنة، رغم ادعائها تقدير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية الأساسية”.

والواقع أن الولايات المتحدة، في ظل الإدارتين الرئاسيتين المتعاقبتين، وبمساندة حكومات أوروبية عديدة “أسهمت بصورة مباشرة، ومن دون اعتذار، في تسهيل الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، فقد باعت واشنطن لإسرائيل أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات، تسببت في مقتل نساء وأطفال ومسنين فلسطينيين”.

ويحذر لونغلوا أنه من المرجح أن يهدف “مجلس السلام”، التابع لترامب، إلى “مساعدة إسرائيل على تنفيذ تطهير عرقي في غزة عبر سلب الفلسطينيين أراضيهم تحت ذريعة ’التنمية’ و’أمن إسرائيل’”.

وبحسب لونغلوا، وفرت واشنطن غطاء دبلوماسيا لإسرائيل في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن الدولي، وحذت دول أوروبا حذوها، إلى حد كبير، إذ اكتفت ببيانات فاترة تعرب فيها عن “الأسف” و”القلق”، فيما تتجنب إثارة غضب راعيها الأميركي خشية فقدان الدعم في أوكرانيا؛ وبذلك تختار هذه الحكومات وقادتها تغليب السلطة والسياسة على حياة البشر.

ويؤكد لونغلوا أن العقوبات التي فرضتها واشنطن يوم 9 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي على المحكمة الجنائية الدولية، بسبب إصدارها مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين من بينهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تبرهن هذا التوجه.

ويندرج ضمن ذلك أيضا الضغوط التي تمارسها واشنطن على الدول الأعضاء لحملها على “تفكيك” المحكمة، ويؤكد لونغلوا كذلك أن هذه الإجراءات تعكس سياسة أوسع نطاقا تهدف إلى تقويض سيادة القانون، دعما لعودة حقبة قديمة يسود فيها منطق “القوة تصنع الحق”.

ومن خلال تبني هذا النهج الأيديولوجي الضار، “تصر واشنطن وحلفاؤها على المضي في الجرائم المرتبطة بغزة وغيرها من مناطق العالم، من أفغانستان وإيران إلى الصومال واليمن”.

ويخلص المحلل لونغلوا إلى أن “هذا الواقع، واستمرار الممارسات الإسرائيلية، يفسر للأسف لماذا يُرجّح أن يتواصل الوضع القائم في غزة، فالعالم اليوم لا يعطي الأولوية لحقوق الإنسان على حساب استعراض القوة الغاشمة، وهو ما يعكس الموت الفعلي لما يسمى ’النظام القائم على القواعد’، الذي كان يصب في الأصل في مصلحة الدول الأكثر ثراء ونفوذا”.

ورغم كل ذلك، يرى لونغلوا أنه لا يزال هناك أمل في أن تنشأ من بين أنقاض السنوات القليلة الماضية ملامح عالم أفضل، “فقد بات الناس في أنحاء العالم يرفضون بصورة متزايدة النزعات الاستبدادية والإجرامية لدى عدد محدود من الدول التي أتاحت ارتكاب هذه الجرائم”.

وإلى جانب ذلك، “يتزايد الدعم للقضية الفلسطينية، ويتنامى الاعتراف بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ورفضها. كذلك تشهد الحسابات السياسية المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني تغيرات فعلية. ومع هذا التحول، يتعزز الأمل في أن تتيح العملية الانتخابية مسارا نحو تغيير إيجابي يحقق العدالة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قُتلوا باسم نهج سياسي بغيض لا ينبغي رفضه فحسب، بل يجب أيضا ألا يُنسى”.

وفي ختام التحليل، يؤكد لونغلوا أن هذا التحول “لن يأتي بالسرعة الكافية لإنصاف من فقدوا حياتهم، لكنه لا يزال قادرا على إنقاذ مستقبل الفلسطينيين في غزة وفي سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذين يستحقون السلام والعدالة وتقرير المصير”.

أما في الوقت الراهن فإنه “من المرجّح أن يستمر الوضع القائم في غزة، ما يجعل مواصلة جهود منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية ضروريا للدعوة إلى إنهاء الإبادة الجماعية، وممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل من جانب واشنطن لضمان وضع حد لها”.

عرب48

تحليل: الدعم الأميركي لإسرائيل وغياب المساءلة يعمّقان الأزمة في غزة

شارك المقالة