أظهرت تطورات اقتصادية، وعدد من التقارير الصادرة خلال الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يلمس بصورة أوضح التداعيات المتراكمة للحروب التي خاضتها إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وعلى الرغم من قدرة التحمل التي أظهرها الاقتصاد حتى الآن، فإن ذلك لا يعني قدرته على مواصلة تحمّل هذه الأعباء من دون كلفة متزايدة أو آثار سلبية على المدى المتوسط والمدى الطويل.
وتكتسب هذه التداعيات أهمية أكبر في ظل تحولات اقتصادية وديمغرافية أعمق يشهدها الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليان، من شأنها أن تحدّ من قدرته على الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، وعلى توفير الموارد المالية والاقتصادية اللازمة لتمويل الأعباء الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع استمرار الاحتلال والاستيطان.
اقتطاعات واسعة لتمويل الاحتياجات الأمنية
شهدت ميزانية الأمن الإسرائيلية ارتفاعًا حادًّا منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقد بلغت الميزانية الأصلية الصافية لوزارة الأمن قبل الحرب نحو 63 مليار شيكل في عام 2023، ثم ارتفعت تدريجيًّا خلال سنوات الحرب إلى أن تجاوزت 142 مليار شيكل في ميزانية 2026، بعد إضافة أكثر من 30 مليار شيكل لتغطية الاحتياجات الأمنية الجديدة، وبذلك أصبحت الميزانية أكثر من ضعف مستواها قبل الحرب، كذلك ارتفع العبء الأمني على الاقتصاد من نحو 4.2% من الناتج المحلي في عام 2022 إلى مستويات تجاوزت 8% خلال الحرب.
ونجحت الحكومة خلال سنوات الحرب في تمويل الارتفاع الحاد في النفقات الأمنية عبر مزيج من زيادة العجز والدين العام، وتوسيع الاقتراض، وإعادة توزيع بنود في الموازنة، واقتطاع موارد من الإنفاق المدني. وكان واضحًا منذ البداية أن كلفة هذه الزيادة لن تقتصر على سنة مالية واحدة، بل ستنعكس تدريجيًّا على الموازنة العامة، ومستوى الخدمات المدنية، وحجم العبء المالي الذي سيتحمله الاقتصاد في السنوات المقبلة.
وطالب الجيش في الأشهر الأخيرة بتخصيص ميزانيات إضافية لتمويل شراء معدات وأسلحة قال إنها ضرورية وعاجلة، من ضمنها تمويل لاستكمال صفقة شراء 12 مروحية أباتشي من الولايات المتحدة، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو مليار دولار. غير أنه بعد حل الكنيست واقتراب موعد الانتخابات، أصبح توسيع إطار العجز مجددًا أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب تعديل الأطر المالية التي أُقرت في القانون؛ لذلك اتجهت الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل من داخل الموازنة القائمة، عبر إعادة تخصيص بنود واقتطاع موارد من وزارات وبرامج مدنية.
كانت الخطوة الأولى التي أقرتها الحكومة لتوفير احتياجات الجيش اقتطاع نحو مليار شيكل من الخطة متعددة السنوات، للتطوير الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع العربي وتحويلها إلى الاحتياجات الأمنية، ويمتد هذا الاقتطاع على الأعوام 2027–2029. وبذلك تكون الحكومة قد اقتطعت من الميزانية المخصصة للمجتمع العربي خلال الأشهر الأخيرة نحو 1.5 مليار شيكل، بعد أن قررت في تموز/ يوليو 2026 اقتطاع نحو 497 مليون شيكل من الخطة 550 لتطوير المجتمع العربي، وتحويلها إلى الشرطة وجهاز الأمن العام تحت حجة تمويل مكافحة الجريمة.
ولم يكن مبلغ مليار شيكل المقتطع من الميزانيات المخصصة للمجتمع العربي كافيًا لتغطية مطالب المؤسسة الأمنية، لذلك أقرت الحكومة اقتطاعًا عرَضيًّا إضافيًّا بنسبة 4.9% من عدد كبير من بنود الوزارات المدنية بقيمة نحو 2.6 مليار شيكل. وشملت الاقتطاعات وزارات التعليم والصحة والرفاه والمواصلات، إلى جانب برامج مخصصة لإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب. واللافت أن الأموال الائتلافية لم تُدرج ضمن هذا الاقتطاع، ومنها مخصصات للمجتمع الحريدي وميزانيات لتمويل الاستيطان في الضفة الغربية.
وهذا يعني أن تمويل الزيادة في ميزانية الأمن بدأ ينعكس مباشرة على موارد خُصصت أصلًا للإنفاق والخدمات المدنية. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في السنوات المقبلة، في ظل الارتفاع الكبير في المخصصات الأمنية، ولا سيما إذا استؤنفت الحرب على إيران بعد الانتخابات.
وفي هذه الحالة، قد تتسع التداعيات السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي، بالتوازي مع تطورات اقتصادية وديمغرافية أخرى قد تحدّ من قدرة الاقتصاد على توليد موارد وإيرادات إضافية، وتزيد من صعوبة تمويل الإنفاق الأمني المرتفع من دون تقليص الخدمات المدنية، أو زيادة الضرائب والعجز والدين العام.
البطالة تطال “جوهرة” الاقتصاد الإسرائيلي
أشار تقرير “نبض سوق العمل” لشهر أيلول/ سبتمبر، الذي نشرته مصلحة التشغيل الإسرائيلية في 18 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى تحوّل لافت في سوق العمل، مع ارتفاع حاد في البطالة لدى العاملين في البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، وكذلك في الإدارة والمبيعات والتسويق؛ وهي قطاعات كانت تُعد حتى وقت قريب من أكثر قطاعات الاقتصاد قوة واستقرارًا.
ورغم انخفاض إجمالي عدد طالبي العمل في أيلول/ سبتمبر بنسبة 6.1% إلى 162 ألفًا، مقارنة بـ172.5 ألفًا في آب/ أغسطس، يكشف تحليل تركيبة البطالة أن عدد العاطلين عن العمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات ارتفع بنسبة 59.3% مقارنة بأيلول/ سبتمبر 2023، أي بزيادة 3,743 شخصًا، وشكّل هذا القطاع وحده 28.4% من الزيادة الإجمالية. كما ارتفع عدد العاطلين عن العمل في فرع مديري الإدارة والمبيعات والتسويق بنسبة 29.6%، أي 3,022 شخصًا، ويُفسّر المجالان معًا 51.3% من الزيادة الصافية في عدد طالبي إعانات البطالة.
ويتزامن ذلك مع تراجع الطلب على أصحاب المهارات العالية، إذ انخفض عدد الوظائف الشاغرة لمطوري البرمجيات بنسبة 9%، وللمهندسين في مجالات الحاسوب والكهرباء والهندسة الصناعية والإدارية بنسبة 7%، كما تراجع إجمالي الوظائف الشاغرة في تكنولوجيا المعلومات من نحو 10,200 في بداية العام إلى قرابة 9,500 وظيفة.
وتشير المعطيات كذلك إلى تغيّر اجتماعي في تركيبة طالبي العمل، إذ ارتفعت نسبة أصحاب المهن الأكاديمية من 23% إلى 26%، ونسبة طالبي العمل من البلدات المصنفة في العناقيد الاجتماعية–الاقتصادية 8–10 من 17.5% إلى 21.7% مقارنة بأيلول/ سبتمبر 2023. وفي المقابل، انخفض عدد طالبي مخصصات ضمان الدخل، الذين ينتمون غالبًا إلى الفئات الأضعف اقتصاديًّا، من 48 ألفًا إلى 33.3 ألفًا.
ويوضح التقرير أن الصعوبات في قطاع البرمجيات لا تقتصر على العاملين المبتدئين، بل تطال أيضًا أصحاب الخبرة. فقد ارتفعت نسبة من لديهم خمس سنوات خبرة فأكثر بين طالبي العمل في البرمجة من نحو 44% عام 2019 إلى 52% في الربع الثالث من 2026، فيما انخفضت نسبة أصحاب الخبرة التي تقل عن ثلاث سنوات من نحو 37% إلى 23%، وقد يشير ذلك إلى تحول بنيوي في طبيعة الطلب على العاملين وفي المهارات المطلوبة في القطاع.
وتعزو مصلحة التشغيل هذه الاتجاهات إلى تباطؤ الهايتك، وتقليص الوظائف الإدارية والمكتبية، وبدايات تأثير الذكاء الاصطناعي، مع تجنب استخلاص نتائج قاطعة، إلا أن المعطيات تشير إلى تركز الضغوط في قطاعات اقتصاد المعرفة والبرمجيات والإدارة، بما يشمل أصحاب الخبرة.
ولا يعني ذلك أن الطلب على العمال المهرة اختفى، فما تزال الصناعات الأمنية والعسكرية إلى جانب قطاعات تكنولوجية أخرى تستوعب أعدادًا كبيرة من العاملين، إلا أن هذا الطلب لا يبدو كافيًا لاستيعاب كامل العرض المتزايد من أصحاب المهارات والخبرات.
وإذا استمر هذا الاتجاه واتسع، فقد تتجاوز آثاره سوق العمل نفسه لتنعكس على الاقتصاد الكلي، عبر تراجع الاستهلاك والطلب على السكن، وإبطاء النمو والحد من إيرادات الضرائب. ويكتسب ذلك أهمية إضافية في وقت يرتفع فيه العجز والدين العام، وفي ظل تحولات ديمغرافية طويلة الأمد قد تزيد الضغوط على سوق العمل والمالية العامة.
المجتمع الحريدي عبء متزايد على الاقتصاد
نشر موقع “واينت” في 15 تشرين الأول/ أكتوبر تقريرًا موسعًا حول التداعيات الاقتصادية المتوقعة لاستمرار انخفاض مشاركة المجتمع الحريدي، وخصوصًا الرجال، في سوق العمل، بالتوازي مع ضعف مستويات الإنتاجية والتعليم الأساسي وعدم المشاركة الواسعة في الخدمة العسكرية.
ووفقًا لدراسات وتقديرات صادرة عن وزارة المالية، وبنك إسرائيل، والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية ومؤسسات اقتصادية أخرى، تواجه إسرائيل تحولًا ديمغرافيًّا قد تكون له آثار بعيدة المدى على النمو والمالية العامة. وتشير التقديرات إلى أن الكلفة الاقتصادية السنوية لهذه الاتجاهات قد تصل بحلول عام 2050 إلى نحو 250 مليار شيكل نتيجة تباطؤ النمو، وارتفاع مدفوعات المخصصات والامتيازات، إضافة إلى الأعباء الناتجة عن استمرار الاعتماد الواسع على قوات الاحتياط في حال بقيت نسبة تجنيد الحريديم منخفضة.
ويبرز العامل الديمغرافي بوصفه عنصرًا مركزيًّا في هذه التوقعات. فقد بلغ عدد الحريديم في إسرائيل في نهاية عام 2025 نحو 1.45 مليون شخص، أي 14.3% من السكان، ويتوقع أن ترتفع نسبتهم إلى نحو 16% عام 2030، وأن يشكّل من هم دون سن العشرين نحو ربع هذه الفئة العمرية. ووفقًا لتوقعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قد يتجاوز عدد الحريديم عدد السكان العرب عام 2043، وأن يشكلوا نحو 22% من مجمل السكان عام 2045، ونحو 32% بحلول 2065.
وتكمن المشكلة الاقتصادية الأساسية في أن هذا النمو السكاني لا يرافقه ارتفاع مماثل في المشاركة في سوق العمل. فقد استقرت نسبة تشغيل الرجال الحريديم خلال العقد الأخير عند نحو 52%، مقابل أكثر من 80% لدى النساء الحريديات. كما يبلغ متوسط دخل العامل الحريدي نحو 56% فقط من متوسط دخل العامل اليهودي غير الحريدي، نتيجة طبيعة الوظائف ومستوى التأهيل والتعليم.
ويقدّر التقرير أن عدم اندماج الحريديم بصورة أوسع في التعليم العالي وسوق العمل قد يؤدي إلى خسارة سنوية في الناتج بنحو 160 مليار شيكل بحلول 2050، أي ما لا يقل عن 10% من الناتج المحتمل. كما تشير تقديرات معهد أبحاث الأمن القومي إلى ضرر مالي تراكمي بنحو 240 مليار شيكل بين 2035 و2045، يشمل خسائر في الناتج، ومدفوعات تحويلات اجتماعية، وتكاليف أمنية إضافية.
وتظهر الفجوة أيضًا على مستوى الأسر، فبحسب بيانات وزارة المالية والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تساهم الأسرة اليهودية غير الحريدية بنحو 6,614 شيكل صافيًا شهريًّا في خزينة الدولة، في حين تسجل الأسرة الحريدية عجزًا صافيًا يقارب 4,137 شيكل شهريًّا، مقابل نحو 1,027 شيكل للأسرة العربية.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد تضطر الدولة مستقبلًا إلى تقليص الخدمات العامة ورفع الضرائب. وتقدّر وزارة المالية أن سد الفجوة قد يتطلب رفع ضريبة القيمة المضافة من 18% إلى 22% على الأقل، إلى جانب زيادة ضريبة الدخل وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم والرفاه والبنية التحتية. وتتمثل المخاطرة الأساسية، وفقًا للتقرير، في أن تزداد نسبة السكان المعتمدين على الدعم الحكومي بوتيرة أسرع من نمو قاعدة العاملين ودافعي الضرائب، ما يضعف قدرة الدولة على تمويل خدماتها والحفاظ على مستويات النمو الحالية.
سيناريوهات اقتصادية مقلقة
تكشف التطورات الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة عن ضغوط متراكمة قد تحدّ من قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواصلة النمو، وتمويل الأعباء الأمنية بالمستويات الحالية. فقد أصبحت زيادة الإنفاق العسكري تنعكس مباشرة على الميزانيات المدنية والخدمات العامة، بما فيها مجالات تسهم بدورها في رفع الإنتاجية وتعزيز النمو على المدى الطويل.
ويتزامن ذلك مع مؤشرات تباطؤ في بعض قطاعات الاقتصاد الحديث، ولا سيما الهايتك والبرمجيات، ومع تحولات ديمغرافية قد تقلص مستقبلًا نسبة العاملين ودافعي الضرائب، إضافة إلى استمرار الهجرة إلى الخارج، التي تتركز، وفق معطيات تناولناها سابقًا، بين فئات من الطبقة الوسطى وأصحاب التعليم العالي. وإذا استمرت هذه الاتجاهات فقد تتراجع قدرة الاقتصاد على إنتاج الموارد اللازمة لتمويل الارتفاع الكبير في الاحتياجات الأمنية، إلى جانب تكاليف الاحتلال والاستيطان والحروب.
وكان يفترض أن تشكل هذه المؤشرات مجتمعة إشارة تحذير جدية لصنّاع القرار، إلا أن السياسات الحالية لا تعكس حتى الآن تحولًا جوهريًّا في ترتيب الأولويات. إذ تستمر الحكومة في تمويل بنود ائتلافية مرتبطة بالمجتمع الحريدي والاستيطان، بالتوازي مع الاستجابة للزيادات التي تطالب بها المؤسسة الأمنية. وفي غياب مراجعة لهذه الأولويات قد تنتقل الضغوط الحالية من كونها كلفة مؤقتة للحرب، إلى تحديات بنيوية تمس قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على النمو وتمويل التزاماته على المدى البعيد.
عرب48