عبد الباري عطوان
أثار رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاقتراح الذي تقدم به نظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش حضوره فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة العديد من علامات الاستفهام عن أسباب هذا الرفض، وتأجيل المفاوضات الى ما بعد الانتخابات النصفية الامريكية في تشرين ثاني (نوفمبر) المقبل.
فالمبادرة الإيرانية التي تنص بنودها على وقف الاعمال العدوانية لمدة أسبوع على جميع الجبهات بما فيها لبنان يتلوها فتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية، تتضمن تطبيق النقاط نفسها التي وردت في مذكرة التفاهم الامريكية الإيرانية بعد مباحثات اسلام اباد، وأبرزها رفع الحصار عن جميع الموانئ الإيرانية، والافراج عن أصول إيرانية مجمدة بقيمة 12 مليار دولار، ورفع جميع العقوبات عن النفط الإيراني.
حتى يؤكد الرئيس بزشكيان مصداقية هذه المبادرة، وجدية السلطات الإيرانية في الالتزام بتنفيذ جميع بنودها، أكد ان السيد مجتبى خامنئي قائد الثورة والمرشد الأعلى وافق عليها، وصدرت بالتنسيق الكامل معه.
***
التفسير الاوضح، وربما الأكثر منطقية لهذا الرفض للمبادرة من قبل الرئيس ترامب “الحرود” هو غضبه الشديد جدا من جراء “اللكمة القوية” التي وجهها له الرئيس الإيراني عندما رفض عرضه بعقد لقاء قمة يتمخض عن اتفاق بوقف الحرب، يُظهر ترامب “كرجل سلام” يساعد في استعادة جزء اكبر من شعبيته المنهارة، وبما يؤدي الى انقاذ حزبه الجمهوري من الهزيمة والحفاظ على اغلبيته في الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب.
ترامب كان يراهن، ويضع كل بيضه في سلة الرئيس الايراني ولقاء القمة معه، ولهذا تراجع عن قراره بعدم منحه والوفد الإيراني المرافق له تأشيرات الدخول الى الولايات المتحدة، أسوة بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، والهدف هو حدوث هذا اللقاء ليكون السلم للنزول من شجرة الحرب العالية جدا في ايران التي خسرتها ادارته حتما بفشلها في تحقيق أي من أهدافها، وخاصة تغيير النظام وتدمير البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.
ما لا يعرفه الرئيس ترامب الذي تجمع الأغلبية السياسية الامريكية على غبائه، وتهوره، وخضوعه للهيمنة الصهيونية ومخططاتها، ان الرئيس الإيراني ليس صاحب القرار المطلق في بلاده، وان هناك “مؤسسة” عليا بقيادة المرشد الأعلى تدير البلاد، وتتحكم بسياساته وقراراته، وتضم القيادات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
المؤسسة الإيرانية العليا لم تعط الضوء الاخضر للرئيس بزشكيان للاجتماع بالرئيس ترامب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لعدة أسباب، الأول، شنه العدوان على ايران بقرار صهيوني، وفرضه الحصار العسكري والاقتصادي لتجويع اكثر من 95 مليون إيراني، والاهم من كل ذلك اغتيال السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وباني ايران الحديثة ومثبت ومعزز نظامها، وانجازاتها العسكرية والنووية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ماذا سيفعل ترامب في الأسابيع الخمسة المقبلة حتى اجراء الانتخابات النصفية خاصة في ملف الحرب الإيرانية، فالصمت وعدم التوصل الى اتفاق ينهي الحرب، او الحسم العسكري وتحقيق النصر يعني استمرار تدهور شعبيته، وخسارة الانتخابات بالتالي، وربما إخراجه من السلطة ومحاكمته بتهم متعددة، سياسية واخلاقية.
اتفاق سلام يعني تقديم تنازلات لإيران والخضوع لمعظم، او جميع شروطها، وأبرزها تعزيز النظام بعد فشل اسقاطه بالقوة العسكرية، والاعتراف بسيطرتها وسيادتها على مضيق هرمز الذي نشر خرائط له على منصته الإعلامية “ثروت سوشال” تحمل اسمه، أي “خليج ترامب”، ولكنه في الوقت نفسه، يمكن التوصل الى اتفاق يوفر له ذريعة الادعاء بإعلان النصر، وتحقيق الأهداف الامريكية.
من الواضح ان فرص التوصل الى اتفاق لإنهاء الحرب الإيرانية يتراجع لمصلحة الخيار العسكري، ومن المرجح ان يلجأ اليه الرئيس ترامب في الأسابيع المقبلة باعتباره الخيار الوحيد المتبقي له، ولكنه خيار خطر وغير مضمون النتائج بالنظر الى سبعة أشهر من اللجوء اليه، واعطائه نتائج عكسية تماما بعد صمود ايران، وازدياد نظامها قوة، والاحتفاظ ببرنامجها النووي، وصناعتها في مجال الصواريخ والمسيّرات وتعزيزها.
***
الأمر المؤكد ان المؤسسة الإيرانية العقائدية الحاكمة وصلت الى قناعة راسخة، بأن فرص لجوء ايران الى الخيار العسكري مجددا هو الأكثر ترجيحا، ولهذا صعدت من مستوى استعداداتها، وهددت بالتوسيع الجغرافي للحرب، أي ضرب حاملات الطائرات والسفن الحربية الامريكية ليس في بحر العرب والبحر الأحمر فقط، وانما في المحيط الهندي أيضا، واختراق كل الخطوط الحمر التي التزمت بها منذ بدء الحرب بمساعدة الحلفاء في الصين وروسيا، سواء بأسلحة جديدة او بمساعدة الأقمار الصناعية، او الاثنين معا.
رفض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الاجتماع بالرئيس ترامب واهانته واذلاله امام العالم بأسره قد يكون نقطة حاسمة في الحرب على ايران، لطابعها الاستفزازي المدروس بعناية من قبل المؤسسة الإيرانية الحاكمة، وبعد نظرها، وادارتها “الدهائية” بعيدة النظر للحرب، في المجالات الثلاثة: العسكرية والسياسية والاقتصادية.. والأيام بيننا.
رأي اليوم