عبد الباري عطوان
خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في افتتاح الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يكشف انه مريض نفسيا وعضويا بمرض اسمه ايران، وهو المرض نفسه الذي يعاني منه أيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد كانت حربه الإيرانية الفاشلة في تحقيق أي من أهدافها هي الموضوع الوحيد في هذا الخطاب، الذي جرى التركيز عليه وتجاهل جميع القضايا العالمية الأخرى تقريبا، بما في ذلك الحرب الاوكرانية، والاوضاع الاقتصادية العالمية، وحالة الغليان في الداخل الأمريكي التي تجسدت أخطر فصولها في معركته مع أجهزة الاعلام الامريكية التي قاطعته وبيته الأبيض للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي.
ترامب يتخبط في تصرفاته واقواله وهذيانه من جراء هذا المرض الي بات مزمنا، ويستعصي على العلاج، وتنعكس اعراضه في تناقض خطاباته وتصريحاته، ففي الوقت الذي كان يستجدي فيه لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ويمنحه “فيزا” الدخول الى الولايات المتحدة في اللحظات الأخيرة، بعد قراره بسحبها، يشن في خطابه هجوما شرسا على إيران ويتهمها بدعم الإرهاب في العالم، ويقوم وفده في الأمم المتحدة بالانسحاب من الجلسة اثناء خطاب الرئيس الإيراني بتعليمات منه في تناقض غير مسبوق، وفي “محاكاة” لوفد دولة الاحتلال الإسرائيلي.
***
فكيف يتوسل ترامب اللقاء مع نظيره الإيراني، ويتهمه ودولته بدعم الإرهاب في العالم، ليأتيه الرد فوريا، أولا، برفض التجاوب مع هذا التوسل، وثانيا، برد الرئيس الإيراني الصاع صاعين، ورد التهمة اليه ودولته بالصوت والصورة وتقديم إحصاء شامل لكل الجرائم الإرهابية الامريكية والإسرائيلية ابتداء من حرب الإبادة في قطاع غزة، والمجازر التي ارتكبها الطرفان، أي الأمريكي والإسرائيلي في ايران، وأبرزها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وافراد من اسرته، واكثر من 150 تلميذا وتلميذه في مدينة ميناب الإيرانية الجنوبية، وقصف صالة رياضية اثناء حفل زفاف وقتل واصابة من فيها في بلدة “كوهستك” بمنطقة “سيريك” جنوب ايران.
الرد الإيراني الميداني الاقوى على هذه الغطرسة الامريكية وحماقات الرئيس ترامب السياسية والعسكرية فد نرى ترجمته في جبهات القتال في الأيام القليلة المقبلة، وهناك مؤشران رئيسيان يؤكدان هذه الحقائق:
الأول: تصريحات يحيى رحيم صفوي مستشار المرشد الاعلى السيد مجتبى خامنئي الذي حذر فيها من ان أي هجمات تشنها امريكا على ايران في الأيام المقبلة قد تؤدي الى توسيع جغرافي للحرب، لا يقتصر على مضيق هرمز وجواره، وانما الى المحيط الهندي، مثلما تمددت هذه الحرب الى البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج الإسلامي ومحيطه وبحر العرب، وهذا يعني ان القواعد والسفن وحاملات الطائرات الامريكية ستكون أهدافا مشروعة للقصف بالصواريخ الباليستية الحديثة المتطورة، سواء تلك الفرط صوت، او المزودة بالرؤوس الانشطارية.
الثاني: التصريحات التي وردت على لسان الجنرال محسن رضائي أمين عام مجلس الامن القومي الإيراني، التي وردت في مقابلة مع احدى القنوات التلفزيونية الإيرانية، وأبرزها أحداث الدولة الإيرانية تغييرات استراتيجية في سياساتها الدفاعية والدبلوماسية، وعدم العودة الى المفاوضات الا بعد بدء التنفيذ الأمريكي العملي لما جرى الاتفاق عليه، واي دولة تدخل في حرب حظر الطائرات الإيرانية، او الحرب الاقتصادية ستعتبر عدوا، وسيتم التعاطي معها وفق هذا التصنيف.
وسخر الجنرال رضائي الذي كان يتحدث وهو يرتدي البزة العسكرية، من أمريكا ورئيسها عندما قال “أمريكا كانت تخطط لتدمير ايران في هذه الحرب لكنها عمليا حولتها الى رابع قوة في العالم”، ودخلت التاريخ العسكري كأول دولة تسقط دفاعاتها الجوية طائرات الشبح (اف 35)، و”اواكس” المتطورة جدا في أمور التجسس والرقابة الرصد، والاهم من ذلك ان العالم كله لم يعد ينظر الى أمريكا كقوة عظمى، يمكن الثقة فيها، والاعتماد على حمايتها، وختم تصريحاته المهمة والخطيرة في الوقت نفسه بتحذير الدول المجاورة لإيران من ان أي وقف للرحلات والطائرات الجوية الإيرانية لن تتمكن مطاراتها من العمل.
***
ما تقدم من تحذيرات واستعدادات من قبل صقور النظام الإيراني، هو خريطة الطريق السياسية والعسكرية للمرحلة المقبلة على صعيد مواجهة أي تصعيد للعدوان الأمريكي تطبيقا لتهديدات ترامب بإبادة الشعب الإيراني التي وردت على لسانه قبل أيام في حال لم يتم التوصل الى اتفاق وفق الشروط الامريكية وأبرزها إعادة فتح مضيق هرمز.
علمتنا الأشهر السبعة الأخيرة من عمر العدوان الثنائي الأمريكي الإسرائيلي ان ايران تقول وتفعل، ولهذا صمدت والحقت الهزيمة تلو الأخرى بالمعتدين، وهي الهزيمة التي يقر بها الخبراء العسكريون والاستراتيجيون الأمريكيون، والاهم من ذلك ان كبار الجنرالات في “سنتكوم” أي القيادة المركزية الأعلى للجيش الأمريكي، باتوا يطالبون ليس بالانسحاب من هرمز ومحيطها فقط، وانما من كل المنطقة تقليصا للخسائر.
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي بدأ يوم الثلاثاء الماضي، سيدخل التاريخ لفضح حماقات ترامب، وتصرفاته كمهرج ومريض مرتبك وفاقد للوعي، وعزل دولة الاحتلال الإسرائيلي، ورئيس وزرائها نتنياهو كمصدر للإرهاب والابادة “كبعير أجرب”، وكل الحروب الحالية، وما يترتب عليها من أزمات وعدم استقرار في العالم بأسره.. والأيام بيننا.
رأي اليوم