لم يكن الشهيد القائد، السيد الأمة حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، في الحسابات الغربية، رجلًا يمكن أن يمرّ على هامش المشهد.
لأكثر من ثلاثة عقود، ظلّ اسمه حاضراً في التقارير السياسية والأمنية، وفي دوائر القرار الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، وفي كل قراءة تتصل بلبنان أو بالصراع مع “إسرائيل” أو بامتداداته الإقليمية.
كان خصماً معلناً للغرب، وقائداً لحزبٍ صنّفته الولايات المتحدة “منظمة إرهابية” وفرضت على قيادته العقوبات، فيما حظرته بريطانيا بكامل أجنحته. لكنه، في الوقت نفسه، كان لاعباً لا يمكن إسقاطه من أي حساب جدّي للبنان والمنطقة. فالرجل الذي سعى الغرب إلى تطويق نفوذه، كان هو نفسه جزءاً من المعادلة التي اضطر إلى قراءتها والتعامل معها.
في مرآة خصومه، كان السيد نصر الله خصماً لا يمكن تجاهله، كلما اشتد الخلاف معه ازداد حضوره في حساباتهم.
خطاباتٌ تحت الرصد
لم تكن خطابات السيد نصر الله، مجرّد مواد إعلامية تُبث ثم تنتهي. كانت رسائل سياسية وأمنية تُقرأ في توقيتها ومضمونها وسقفها، وتُقاس عليها احتمالات التصعيد والتهدئة.
في حزيران/يونيو 2024، مثلًا، تعاملت “رويترز” مع خطاب للسيد نصر الله باعتباره تطوراً ذا دلالات إقليمية، فنقلت تحذيراته لـ”إسرائيل” وقبرص، وربطت كلامه مباشرة بمخاوف اتساع المواجهة إلى حرب شاملة. وأشارت في التقرير نفسه إلى تحرك المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين بين “إسرائيل” ولبنان للدفع باتجاه احتواء التصعيد.
لم يكن ذلك استثناءً. طوال سنوات، كانت خطابات السيد نصر الله تظهر في صلب التغطية الغربية كلما ارتفع منسوب التوتر على الجبهة مع “إسرائيل”، لا باعتبارها تصريحات محلية فحسب، بل باعتبارها مؤشرات يمكن أن تساعد في قراءة مسار مواجهة تتجاوز حدود لبنان.
وفي قراءة أكثر مؤسساتية، وصف مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) السيد نصر الله، بعد استشهاده، بأنه كان لأكثر من 3 عقود الشخصية الأبرز في السياسة اللبنانية والإقليمية، وأنه نجح في تحويل حزب الله إلى قوة سياسية وعسكرية ذات وزن كبير في لبنان والمنطقة.
أي أن السيّد لم يكن حاضراً فقط في الإعلام الغربي، بل في الدراسات التي تحاول تفسير بنية القوة في غرب آسيا.
من مراقبة الخطاب إلى قراءة صاحب القرار
أهمية السيد نصر الله بالنسبة إلى خصومه لم تأتِ من حضوره الخطابي وحده، بل من موقعه داخل بنية حزب الله.
فوزارة الخزانة الأميركية، في قرار العقوبات الصادر عام 2018، لم تقدّمه بوصفه مجرد متحدث باسم الحزب، بل باعتباره أمينه العام ورئيس مجلس الشورى، وصاحب السلطة العليا فيه، والقائد المباشر لجهازه العسكري والأمني وفق التوصيف الأميركي.
كما أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت قد فرضت عليه عقوبات في وقتٍ سابق، منذ عام 1995.
ولهذا لم يكن التعامل مع السيد نصر الله قائماً على الخطاب وحده. فالأجهزة والمؤسسات التي كانت ترى حزب الله تهديداً لمصالحها لم تكن تكتفي بانتظار ما سيقوله، بل بَنَت، على مدى سنوات، منظومة واسعة من المتابعة السياسية والأمنية والمالية للحزب وقيادته.
وفي الجانب الإسرائيلي، تكشف “رويترز” بوضوح حجم هذا الرصد. ففي تحقيق نشرته بعد استشهاد السيد نصر الله في أيلول/سبتمبر 2024، نقلت عن مصدر مطلع أن “إسرائيل” أمضت نحو عشرين عاماً في تركيز جهودها الاستخبارية على حزب الله، وأن العملية التي استهدفت السيد نصر الله جاءت في نهاية مسار طويل من الاختراق والمتابعة.
كان حضوره، إذاً، يُرصد في الخطاب، ويُبحث في غرف التحليل، ويُلاحق على مستوى المعلومات.
خصمٌ سياسي… وحصارٌ مالي
في مواجهة السيد نصر الله وحزب الله، لم يستخدم الغرب أداة واحدة. كانت هناك السياسة، والعقوبات، والتصنيفات القانونية، ومحاولات عزل الحزب عن محيطه الدولي.
في الـ 16 من أيار/مايو 2018، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، بالتنسيق مع دول خليجية، فرض عقوبات على أعضاء مجلس شورى حزب الله، وفي مقدمتهم السيد نصر الله. وقالت الوزارة في هذا السياق، إن الإجراءات استهدفت القيادة العليا للحزب وشبكاته، واعتبرت أن الفصل بين جناحيه السياسي والعسكري “تمييز زائف”، بحسب الموقف الأميركي.
ثم جاء القرار البريطاني في عام 2019 بحظر حزب الله بكامل أجنحته. وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية يومها أن لندن لم تعد ترى إمكانية للتمييز بين الجناح العسكري والجناح السياسي، وأن عضوية الحزب أو الدعوة إلى دعمه أصبحت جريمة بموجب “قانون الإرهاب” البريطاني.
هكذا انتقلت المواجهة إلى سياسة ضغط متعددة الأدوات: عقوبات على القيادة، استهداف لشبكات التمويل، قيود قانونية، ومحاولات للحد من قدرة الحزب على الحركة دولياً.
اللاعب الذي لم يستطع أحد تجاهله
وفي قراءة أميركية لحضوره، يصف مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) السيد نصر الله بأنه كان، على مدى أكثر من 3 عقود، شخصية محورية في السياسة اللبنانية والإقليمية، ويربط عهده بتحول حزب الله إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل لبنان والمنطقة.
فحتى في المؤسسات الأميركية التي تنظر إلى حزب الله بوصفه خصماً، ظلّ السيد نصر الله حاضراً بوصفه فاعلاً لا يمكن تجاوزه في أي قراءة جدية للمشهد اللبناني أو الإقليمي.
لم يكن الغرب مضطراً إلى الاتفاق معه كي يضعه في حساباته، بل كان يقرأ مواقفه، ويتابع خياراته، ويقدّر انعكاسها على توازنات لبنان والمنطقة.
من الميدان إلى طاولة الحساب
لم يكن ثقل السيد نصر الله يُقاس فقط بما يقوله، بل بما مثّله حزب الله على الأرض من قدرةٍ على التأثير في مسار الأحداث.
فالقوة التي تراكمت حول الحزب بقيادة السيد نصر الله جعلت الأخير يتجاوز حدود القيادة التنظيمية، ليصبح جزءاً من معادلات أوسع تتصل بلبنان وأمن الحدود مع “إسرائيل” وتوازنات المنطقة.
لهذا، فإن قراءة الغرب للسيد نصر الله لم تكن منفصلة عن قراءة الحزب كقوة فاعلة على الأرض، فمجلس العلاقات الخارجية الأميركي يربط بوضوح بين قيادته الطويلة وبين تحوّل حزب الله إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في لبنان والمنطقة.
استنهاض الوعي
في التقييمات الاستراتيجية الغربية، لم يكن السيد حسن نصر الله مجرد قائد في ميزان القوى التقليدي، بل خصماً ارتبط اسمه بمواجهة مشاريع إعادة رسم المنطقة وتفتيتها، وبمواجهة المشروع الإسرائيلي ميدانياً وفكرياً.
كما لم تكن قوته، بالنسبة إلى خصومه، محصورة بالسلاح، بل امتدت إلى قدرته على صناعة الوعي واستنهاض الشعوب، وتحويل المقاومة من مواجهة عسكرية إلى خطاب سياسي وفكري عابر للحدود.
“السيد الدائم”
غاب السيد نصر الله عن المشهد، لكن غيابه لم يُنهِ حضوره. بعد عامين، لا يزال اسمه حاضراً في قراءة مرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة.
فالرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في قلب المشهد ترك أثراً يتجاوز لحظة الغياب.
ولعلّ المفارقة الأوضح أن خصماً سعت عواصم إلى محاصرته سياسياً ومالياً، ظلّ حاضراً في حساباتها حتى بعد رحيله.
فالسيد نصر الله لم يكن مجرد اسم في مرحلة عابرة، كان جزءاً من زمنٍ كامل، ولذلك بقيت أسئلته مفتوحة بعده، وبقيت آثاره حاضرة في المشهد.
الميادين
السيد نصر الله في حسابات الغرب.. خصمٌ لا يمكن تجاهله | الميادين