You are currently viewing خمسمئة مصبّ في شرايين العراق… دجلة يحمل النفايات إلى صنابير البيوت

خمسمئة مصبّ في شرايين العراق… دجلة يحمل النفايات إلى صنابير البيوت

على امتداد نحو ألف وأربعمئة كيلومتر يعبرها نهر دجلة داخل الأراضي العراقية، من الحدود الشمالية حتى مصبّه في الجنوب، يتحول المجرى الذي غذّى أقدم الحضارات إلى ممر مفتوح للمخلفات، بعد أن سجّلت جهات رسمية ومنظمات بيئية أكثر من خمسمئة مصدر تلوث دائم تفرّغ حمولتها في النهر وفي الفرات مباشرة أو عبر فروعهما، في وقت تعتمد فيه ملايين الأسر على المياه نفسها للشرب.

المشكلة لم تعد شحّة في الكمية بحسب خبراء المياه، بل تحوّل في النوعية. فمع تراجع الإطلاقات القادمة من دول المنبع وانخفاض المناسيب، فقد النهر جزءاً كبيراً من قدرته الطبيعية على التخفيف، فارتفعت تراكيز الملوثات والأملاح في الحجم المائي المتبقي.

وتقول وزارة الموارد المائية إن مصادر التلوث تتوزع على مؤسسات تابعة لوزارات الصحة والنفط والصناعة وأمانة بغداد ودوائر المجاري، وهو توزيع يعقّد المساءلة ويجعل كل جهة تحيل المسؤولية إلى غيرها.

مياه الصرف الصحي غير المعالجة تتقدم القائمة. شبكات المجاري في مدن كبرى تصبّ حمولتها العضوية والبكتيرية في النهر بسبب نقص محطات المعالجة وضعف كفاءة القائم منها، وتنضم إليها مخلفات صناعية من معامل الجلود والزيوت والمنظفات ومحطات الطاقة، ومخلفات نفطية تحمل دهوناً وبارافينات ومشتقات ثقيلة، فضلاً عن نفايات طبية تُرمى من مستشفيات ومراكز صحية أقيمت على الضفاف. وفي الأرياف تدفع المبازل والجريان الزراعي بقايا الأسمدة والمبيدات إلى المجرى، فترتفع النترات والفوسفور كلما انخفض التدفق.

في العاصمة وحدها، يرصد مرصد العراق الأخضر ثلاثاً وعشرين بؤرة تلوث حادة تتمثل بأنابيب ومصبّات تطلق مياه الصرف الثقيلة والمخلفات الطبية دون معالجة. ويصف باحثون بيئيون نهر ديالى بأنه “خط التغذية الأكبر” للملوثات باتجاه دجلة، إذ ينقل كميات هائلة من مياه المجاري الكيميائية والعضوية والمخلفات الصناعية القادمة من محطات تصريف الرصافة.

وتظهر مفارقة لافتة في توقيت موجات التلوث الحادة، إذ تتزامن مع الإطلاقات المائية الكبيرة لا مع انحسارها. وقال معاون مدير هيئة تشغيل مشاريع الري والبزل غزوان السهلاني إن ارتفاع مناسيب سدّي دربندخان وحمرين بفعل الأمطار في دول المنبع وداخل العراق دفع كتلة الملوثات المستقرة في ديالى نحو دجلة، فتصل إلى مآخذ المحطات في موجة مركزة. وتلجأ الوزارة في هذه الحالات إلى زيادة الإطلاقات من سد سامراء وسدة الكوت وفروعها لتخفيف التركيز وتسريع مرور الموجة، مع إبلاغ دوائر الماء والحكومات المحلية سلفاً لتأمين خزين احتياطي.

الأخطر تقنياً أن ما يصل إلى المآخذ لم يبقَ ملوثات تقليدية. فقد رُصدت مركبات كيميائية مركزة يصعب التخلص منها بالمعالجة الاعتيادية، منها ثنائي الفينيل متعدد الكلور المعروف اختصاراً بـ PCBs والفثالات ومنها DEHP، وهي مركبات ترتبط في الأدبيات الصحية بأمراض مزمنة واضطرابات في الغدد. وسلسلة المعالجة السائدة في محطات التصفية العراقية، القائمة على الترويب والترسيب والترشيح ثم التعقيم بالكلور، لم تُصمم أصلاً لإزالة هذا النوع من الملوثات الدقيقة، ما يعني أن المياه قد تخرج مطابقة للفحوص البكتيرية الروتينية وهي محمّلة بما لا يقيسه الفحص.

يضاف إلى ذلك أن الرقابة على المحطات نفسها ظلت محدودة. فلا تُنشر جداول قياس مختبرية دورية لتراكيز الأوكسجين الحيوي المستهلك والكيميائي المستهلك والمعادن الثقيلة والعدد البكتيري عند المآخذ ومخارج المحطات، وتكتفي الجهات المعنية في الغالب بتصريحات عامة، وهو ما يجعل تقييم كفاءة التصفية مستنداً إلى الرصد الميداني للمنظمات البيئية أكثر من استناده إلى بيانات رسمية معلنة.

جغرافياً تتفاوت الأضرار. البصرة في أسفل الحوض هي الأكثر تضرراً، تصلها المياه محمّلة بملوثات المحافظات الشمالية، بينما يتقدم “اللسان الملحي” من شط العرب فيرفع التملّح إلى مستويات تجعل المياه في حالات تصل إلى المنازل خاماً تقريباً. وبغداد، بكتلتها السكانية الأضخم واعتمادها الأكبر على دجلة للشرب، تجمع بين ضغط السحب وانتشار المصبّات العشوائية. وفي واسط وميسان تستقر ترسبات ملوثات بغداد وديالى مع تأثير المبازل الزراعية، أما ذي قار فتتجمع فيها ملوثات الحوض السفلي داخل الأهوار والشبكات الفرعية.

الأثر الصحي مسجّل ومتكرر. إسهالات بكتيرية والتهاب الكبد الوبائي من النمط أ والتهابات جلدية وحوادث تسمم جماعي، وأبرزت أزمة البصرة عام ألفين وثمانية عشر حجم المخاطر عندما نُقل عشرات الآلاف إلى المستشفيات بأعراض ارتبطت بالمياه، وتحولت الأزمة إلى وقود للاحتجاجات في العامين التاليين. أما التعرض المطوّل للمعادن الثقيلة والمواد السامة فيربطه أطباء بزيادة في السرطانات وأمراض الكبد والكلى، وهي حصيلة لا تظهر في موجة واحدة بل تتراكم على سنوات. واقتصادياً تراجعت الثروة السمكية وانخفضت إنتاجية المحاصيل بسبب الملوحة، وتدهور التنوع الحيوي في الأهوار.

على مستوى المعالجة، تعلن أمانة بغداد عن مشروع لإنشاء سبع عشرة وحدة مدمجة لمعالجة المياه العادمة، دخلت خمس منها الخدمة حتى الآن والبقية قيد التنفيذ، وتستهدف بالأساس مناطق جنوب العاصمة، بحسب المتحدث باسم الأمانة محمد الربيعي. وثمة مشروع في منطقة البوعيثة جنوب بغداد بمنحة يابانية وتمويل من البنك الدولي بكلفة تقارب ثلاثمئة مليار دينار لإقامة محطة نموذجية بتقنيات حديثة، مع توجه إلى إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والمساحات الخضراء داخل مشروع الحزام الأخضر. لكن وزارة الموارد المائية تعيد العقبة الأساسية إلى محدودية التخصيصات المالية التي أخّرت إنشاء وتطوير محطات معالجة الصرف الصحي، فيما تقول إنها أقامت دعاوى قضائية وخاطبت الجهات المخالفة دون أن يتوقف التصريف.

 

المسلة

https://almasalah.com/archives/141070

 

شارك المقالة