كانت الأشهر الستة الأخيرة استثنائية في فوضويتها في المنطقة، فمنذ إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 شباط/ فبراير، واجهت دول عديدة في المنطقة هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعدها العسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة وبنيتها التحتية لقطاع الطاقة، ومحطات تحلية المياه. واضطرت مطاراتها ومصافي النفط فيها إلى تعليق أنشطتها مرات عديدة، كما توقفت موانئها الرئيسية عن العمل في بعض الأحيان نتيجة للهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز.
ومنذ نيسان/ أبريل الماضي تحولت الحرب الأميركية الإيرانية إلى ما يشبه حرب استنزاف، إذ يسعى كل طرف لاستنزاف موارد الطرف الآخر وإضعاف عزيمته. وفي الوقت نفسه، اتسع نطاق الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران بقدر كبير بانضمام حلفاء طهران إليها، بدءا من الحوثيين في اليمن وحتى المليشيات المسلحة في العراق، وصولا إلى تعرض ميناء دمياط في مصر لهجوم مجهول بطائرة مسيرة.
وفي تحليل مشترك نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، تقول المحللة المتخصصة في “الشؤون الجيوساسية بالشرق الأوسط” في خدمة “بلومبرغ إيكونوميكس” للتحليلات، دينا إسفندياري، ومحللة شؤون الدفاع في “بلومبرغ إيكونوميكس” والباحثة الزميلة في مركز الأمن الأميركي الجديد، بيكا واسر، ورئيس قسم الأسواق الناشئة في “بلومبرغ إيكونوميكس” والباحث الزميل في “مبادرة الشرق الأوسط” بكلية هارفارد كيندي، زياد داوود، إن الضرر الذي لحق بالخليج والمنطقة نتيجة الصراع الأميركي الإيراني سيتجاوز بكثير البنية التحتية لدول المنطقة، كما سيؤدي استمرار الصراع إلى تعميق الانقسامات فيها، في حين ستتضرر بعض الاقتصادات أكثر من غيرها، مما يهدد استقرار الأوضاع السياسية في دول الخليج المعروفة باستقرارها.
ورغم أن هناك تدابير عديدة يمكن لحكومات المنطقة اتخاذها لمواجهة هذه التحديات، فإنه لا يوجد أي تدبير دون تداعيات، بما يعني أن كل الخيارات المتاحة أمامها إما سيئة وإما ليست جيدة تماما على حد وصف الخبراء الثلاثة. لذا سيتعين على دول المنطقة إعادة النظر في علاقاتها مع العالم الأوسع، والأهم من ذلك، مع بعضها البعض للبقاء في عصر يزداد فيه الاضطراب.
والحقيقة أن الخلافات بين دول المنطقة مستمرة منذ عقود، فهي تختلف على سبيل المثال حول الموقف من إسرائيل والإسلام السياسي وسياسة إنتاج النفط. لكن الحرب الحالية عمقت هذه الخلافات وخلقت خلافات جديدة، كما أن إدارة الحرب نفسها تثير خلافات واضحة بينها.
وفي الوقت نفسه، بدأ الصراع الأميركي الإيراني يبعد دول الخليج عن الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود الضامن الرئيسي لأمنها. فعندما عاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، اعتقدت العديد من حكومات الخليج أن علاقتها مع واشنطن ستتحسن بعد 4 سنوات مضطربة في عهد إدارة سلفه جو بايدن. وبذلت هذه الدول جهودا حثيثة لاستمالة ترامب في ولايته الثانية، بما في ذلك تعهدها باستثمار تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة، وزيادة إنتاج النفط، وعقد صفقات استثمارية مع عائلة الرئيس الأميركي نفسه.
لكن ترامب شنّ حربين على إيران، مفضلا رغبة إسرائيل في إضعاف الجمهورية الإسلامية على رغبة الدول العربية في الاستقرار وحاجتها إليه، وقد أظهر هذا للمنطقة أنه لا يمكن لها الوثوق بواشنطن.
تقرير: دول الخليج تشعر بـ”غدر” الولايات المتحدة بعد شنّها حربا تهدّد بقاءها
على صلة
تقرير: دول الخليج تشعر بـ”غدر” الولايات المتحدة بعد شنّها حربا تهدّد بقاءها
والواقع يقول إن دول المنطقة تشعر منذ سنوات بالقلق من الاعتماد على الولايات المتحدة، لذا سعت إلى تنويع شراكاتها الأمنية منذ الربيع العربي عام 2011. وفي مطلع الشهر الحالي، على سبيل المثال، أبرمت المملكة العربية السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا. كما تشتري حكومات المنطقة المزيد من الأسلحة من شركات في أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا، وحتى أوكرانيا. ولا تزال دول الخليج تتطلع إلى الصين وروسيا لإقامة شراكات سياسية واقتصادية، وهي مهتمة بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين على وجه الخصوص.
ورغم ذلك، فإن أي تحول لدول الخليج بعيدا عن الولايات المتحدة سيكون محدودا، إذ لا يوجد شريك أمني بديل على الأقل في الوقت الراهن. فالصين مترددة في استخدام قوتها الاقتصادية لتقديم مساعدات عسكرية لأي دولة، وروسيا غارقة في حربها ضد أوكرانيا، وأوروبا تكافح من أجل التنسيق في القضايا الدفاعية.
كما أن دول الخليج غير راضية عن دعم الصين وروسيا لإيران في الحرب مع الولايات المتحدة، من خلال تزويد طهران بمواد يمكنها استخدامها لإعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية، ومساعدتها على تحسين دقة استهدافها. ورغم أن القواعد الأميركية قد تجعل الدول المضيفة أهدافا لهجمات معادية، فإن حكومات المنطقة لا تزال ترغب في استمرار الوجود العسكري الأميركي في دولها.
لكن على عكس المحاولات السابقة لتنويع العلاقات، سيكون لهذا التحول المحدود عن واشنطن أثر أكبر، وسيركز هذا التحول على تلبية احتياجات دول المنطقة أكثر من تركيزه على التحوط ضد السياسات الأميركية التي لا تروق لها، وقد يكون ذلك كافيا لتقليص نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
وقد تتواصل بعض الجهات الفاعلة الإقليمية بقدر أكبر مع إيران، عارضة عليها ضمان مصالحها مقابل التزامها بالتخلي عن السياسات التي تمثل تهديدا لها، خاصة إذا لم تستطع واشنطن حمايتها، بل وربما تزيد واشنطن من انعدام أمن دول الخليج من خلال أعمالها العدوانية، من وجهة نظرها، فقد تحتاج دول الخليج إلى الحوار مع طهران، لا سيما بعد فشل سنوات من سياسة الاحتواء. لكن الحرب الأميركية الإيرانية، ولا سيما استهداف إيران المباشر لدول الخليج، تجعل هذا النهج صعبا، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر إلحاحا.
وفي الوقت نفسه لا يمكن للمنطقة، بطبيعة الحال، الاعتماد كليا على القوى الأجنبية لحماية نفسها من الاضطرابات طويلة الأمد. فسوف ستحتاج دولها أيضا إلى تعزيز دفاعاتها، بدءا بتطوير أنظمة دفاع جوي أفضل، وقدرات مضادة للطائرات المسيّرة.
ومع ذلك، فإن الانقسامات السياسية المتزايدة بين دول المنطقة قد تجعل التعاون بينها في النواحي الدفاعية صعبا. فعلى سبيل المثال، قد تتردد دول المنطقة في زيادة دمج شبكات دفاعها الجوي والصاروخي، أو تحسين أنظمة الإنذار المبكر للهجمات المحتملة، نظرا إلى ما يتطلبه ذلك من تبادل المعلومات الاستخباراتية والحساسة.
وإذا استمرت معاناة دول المنطقة في تصدير النفط والغاز الطبيعي المسال نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز الذي تمر منه خمس إمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب الأميركية ضدها، قد تواجه الدول اضطرابات سياسية داخلية. ويتضح هذا جليا لدى الدول الأكثر اعتمادا على النفط، مثل العراق، الذي سيجد صعوبة في سداد فاتورة الأجور العامة الضخمة دون عائدات النفط والغاز، وينطبق الأمر نفسه على البحرين، التي تعد من بين الدول الأكثر مديونية في العالم.
وتدرك الدول العربية هذه المخاطر بلا شك، وتتخذ خطوات لتجنبها. فبعضها، على سبيل المثال، سيستثمر في خطوط أنابيب تتجاوز نقاط الاختناق في المنطقة. لكن فكرة خطوط الأنابيب الإقليمية أثبتت تعقيدها في الماضي، مما أدى إلى توتر العلاقات بين دول، من بينها العراق وتركيا، وقطر والسعودية، كما أن هذه البنية التحتية لا تزال عرضة للهجمات أو التخريب.
لذلك، من المرجح اتفاق حكومات المنطقة على حل واحد، وهو بناء مستودعات نفطية في الخارج. وهذه الآلية بسيطة، فعندما يكون مضيق هرمز مفتوحا يمكن للدول نقل الإمدادات بسرعة وملء المستودعات الخارجية، ما يمكّن الدول المستوردة من السحب من هذه المستودعات عند إغلاق المضيق، وهو نظام سيفيد الجميع، لكنه في الوقت ذاته ينطوي أيضا على تكلفة إضافية، ويبقى عرضة لعمليات التخريب والاستهداف.
وعلى الرغم من كل هذه التحديات، يشير التاريخ إلى أن المنطقة قادرة على تجاوز الصراع الأميركي الإيراني، وربما حتى تجنب آثاره المدمرة طويلة الأمد. فهذه ليست أول حرب تخوضها المنطقة في ظروف صعبة، إذ قد تعافت من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات في ثمانينيات القرن الماضي، وصمدت أمام غزو العراق للكويت عام 1990، وغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وفي الكثير من هذه الحالات وجد العديد من الفاعلين في المنطقة حلولا مبتكرة تحت الضغط.
ويتعين على المنطقة اليوم التفكير فيما يواجهها من تحديات، وستحتاج إلى ابتكار سبل جديدة للحفاظ على ثرواتها، والسعي نحو مزيد من الاكتفاء الذاتي، وتنويع مصادر حماية أمنها بل وامتلاك أدوات هذا الأمن.
كما تحتاج إلى آلية جديدة تساعد الدول على إدارة خلافاتها، والاتحاد في مواجهة التهديدات المشتركة، وهذا هو السبيل الوحيد أمام المنطقة لتجاوز هذا الصراع والصمود في وجه الصراعات القادمة، بعد أن اتضح أن كل الخيارات المتاحة أمامها بعد أن تصمت مدافع الحرب بين أميركا وإيران ليست جيدة.
عرب48
حرب أميركا وإيران تكشف حاجة دول المنطقة إلى تعاون إقليمي أوسع