يُواصِل المستوى السياسيّ والأمنيّ الإسرائيليّ متابعة تبعات وإسقاطات (اتفاق مكّة) على الوضع الإستراتيجيّ في المنطقة، ولا تُخفي تل أبيب مخاوفها من أنّ الحلف التركيّ-الباكستانيّ-السعوديّ، الذي تمّ التوقيع عليه قبل عدّة أسابيع، يهدف إلى الحدّ من التوسّع الصهيونيّ ومواصلة شنّ الحروب ضدّ العرب والمُسلمين.
ولكن بالمُقابِل، فإنّ الدول المُوقّعة على الاتفاق، باكستان، تركيّا والسعوديّة، لا تخفي علاقاتها الحميميّة مع واشنطن، التي تعمل دون كللٍ أوْ مللٍ على محاصرة إيران أكثر ممّا هي محاصرةً، وبالتالي لن تسمح للدول التي تدور في فلكها رمي طوق نجاةٍ للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران عبر اتفاقٍ التفافيٍّ يتجاوز معارضة واشنطن، لأنّ خطوةً من هذا القبيل، إذا خرجت إلى حيّز التنفيذ ستُشكِّل ضربةً صعبةً للسياسة الأمريكيّة القاضية ببسط نفوذها في المنطقة وتقسيم الكعكة وفق مصالحها، ومصالحها فقط.
وفي هذا السياق يهتمّ الإعلام العبريّ بتصريحات مهدي رحيمي، رئيس وكالة الأنباء الرسميّة للبرلمان الإيرانيّ، في مقابلة مع فضائية (الميادين)، المُصنفّة إسرائيليًا بأنّها تدعم إيران وحزب الله، حيثُ أشار إلى أنّ طهران تدرس مقترحًا للانضمام إلى (اتفاقية مكّة للدفاع المشترك)، الموقعة بين السعوديّة وباكستان وتركيّا، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ إيران تدعم منذ فترةٍ طويلةٍ فكرة إنشاء “مظلّةٍ أمنيّةٍ إقليميّةٍ”. إلّا أنّ الدول الثلاث الموقعة لم تؤكِّد حتى الآن وجود مثل هذا المقترح، فيما تلتزم وزارة الخارجيّة الإيرانيّة الصمت.
وتأتي هذه التصريحات وسط محادثاتٍ مكثفةٍ بين إيران وباكستان، بالتزامن مع زيارة لرئيس أركان الجيش الباكستانيّ، عاصم منير، إلى طهران. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن احتمال انضمام سوريّة إلى التحالف، وعن ترشيح مصر أيضًا، وسط تضاربٍ بشأن الموقف السعوديّ من القاهرة.
وجاء تأسيس الاتفاقية بعد سلسلةٍ من التطورات الإقليميّة، أبرزها توقيع اتفاقٍ دفاعيّ سعوديّ-باكستانيّ عقب الهجوم الإسرائيليّ على قطر، إلى جانب التعاون العسكريّ المتنامي بين تركيّا وباكستان.
وتؤكِّد الدول الثلاث أنّ تحالفها ليس موجهًا ضدّ إيران، فيما أشارت تصريحاتٍ مرتبطةٍ بالاتفاق إلى إسرائيل باعتبارها أحد مصادر التهديد الإقليميّ. كما وصف السفير الأمريكيّ في أنقرة، توم برّاك، التحالف بأنّه تعبير عن “رغبةٍ طبيعيّةٍ” لقوى المنطقة في التعاون، وليس تحالفًا مناهضًا لإيران.
لكن احتمال انضمام طهران يطرح معضلةً كبيرةً للسعودية، التي تعرضت خلال السنوات الماضية لهجماتٍ من إيران وحلفائها من جماعة (أنصار الله)، وتُواجِه ضغوطًا أمنية من جهتيْ مضيق هرمز والبحر الأحمر. كما أنّ تفاصيل الاتفاق الدفاعيّ لم تُنشر كاملةً، ما يجعل من الصعب تحديد الالتزامات التي قد تترتب على السعوديّة في حال أصبحت إيران طرفًا فيه.
ورأت المستشرقة الصهيونيّة، كسانيا سيبتلوفا، في مقالٍ نشرته في صحيفة (هآرتس) العبريّة أنّ تحقق هذا السيناريو سيمنح “اتفاق مكة” معنىً مختلفًا جذريًا. فمنذ اندلاع الحرب، سعت إيران إلى إظهار أنّ دول المنطقة لا تستطيع الاعتماد بصورةٍ كاملةٍ على الحماية العسكريّة الأمريكيّة، وأنّ المظلة الأمنيّة التي تُوفّرها واشنطن لم تمنع تعرض القواعد الأمريكيّة والبنية التحتية الحيوية في الخليج العربيّ للهجمات.
وتابعت المستشرقة: “حتى إذا كان التحالف يستهدف ردع مصادر تهديدٍ متعددةٍ، فإنّ انضمام إيران إليه سيكون خطوةً استثنائيّةً. فالدول المؤسسة تتمتع بعلاقاتٍ وثيقةٍ مع الولايات المتحدة وإدارة ترامب، التي تسعى إلى إنهاء الحرب، لكنّها لا تريد في الوقت نفسه تقديم تنازلاتٍ تُضعف مكانتها أوْ مكانة حلفائها”.
كما أنّ احتمال تخلّي إيران عن وكلائها الإقليميين أوْ تقليص نفوذها العسكري وبرنامجها النوويّ يبدو، في نظر الكاتبة، ضعيفًا للغاية.
ولفت المستشرقة سيبتلوفا إلى أنّ قبول إيران في التحالف قد يمنحها مكاسب كبيرةً: إعادة تأهيل علاقاتها مع جيرانها الخليجيين، وضمانات أمنية، وربما تثبيت وضع النظام الإيراني. وفي المقابل، قد يمثل ذلك ضربةً إضافيةً للنفوذ الأمريكيّ في المنطقة، بينما يمكن أنْ تستفيد الصين من تقارب أطرافٍ ترتبط معها بعلاقاتٍ وثيقةٍ.
مع ذلك، حذّرت الكاتبة من التعامل مع الخبر باعتباره حقيقةً مؤكّدةً. فمن المحتمل أنْ يكون الحديث عن الانضمام مجرد مناورةً إيرانيّةً لاختبار ردود الفعل قبل زيارة رئيس الأركان الباكستانيّ، أوْ محاولةً لصناعة ديناميكيّةٍ سياسيّةٍ جديدةٍ. وقد يعكس أيضًا قلق طهران من التحالف الناشئ ورغبتها في الإيحاء بأنّها مرحبٌ بها داخله.
وبالتالي، فإنّ السؤال الأهّم ليس ما إذا كانت إيران ستنضم إلى “اتفاق مكة” فحسب، بل ما إذا كانت هذه التصريحات تمثل بداية تحوّلٍ في بنية الأمن الإقليميّ، أمْ مجرّد مناورةً سياسيّةً إيرانيّةً لاختبار حدود التحالف الجديد ومواقف السعوديّة وباكستان وتركيّا وواشنطن.
رأي اليوم