مقدّمة المُترجم:
يكتب مارك لينش (Marc Lynch)، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن ومدير معهد الشرق الأوسط للدراسات فيها، من موقع أكاديمي أميركي ليبرالي يُقِرُّ بإخفاقات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. يُفكِّك المقال بعناية منظومةَ التحالفات الأميركية في الشرق الأوسط ويُقِرُّ، على نحو لافت لكاتب من داخل المؤسسة الأميركية، بأنَّ هذا النظام لم يجلب لشعوب المنطقة سوى “العنف واليأس والحرمان”، وأنَّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والحرب التدميرية على قطاع غزّة قد أسقطتا معًا ما تبقّى من شرعية هذا النظام الإقليمي. غير أنَّ نقد الكاتب يتوقف عند حدود “إعادة صياغة” الهيمنة الأميركية لا تفكيكها: فهو يتحدَّث عن “شراكة أمنية” جديدة بدل الاعتراف بأنَّ الوجود العسكري الأميركي نفسه، وشبكة القواعد التي أقامتها واشنطن في الخليج، هما جوهر المشكلة لا حلٌّ ممكن لها. كما أنَّ المقال، حين يتناول العلاقة الأميركية الإسرائيلية، يتحدَّث عن “إعادة ضبط” هذه العلاقة عبر ضغط دبلوماسي، متجنِّبًا وصف ما ترتكبه إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية إلا لِمامًا، ومكتفيًا بالإشارة إلى “تدمير قطاع غزة” و”ضمّ الضفة الغربية الزاحف” كسياسات يمكن لواشنطن أن “تُقنِع” إسرائيل بالتراجع عنها بالحوار، لا أن تُلزمها بوقفها.
* ملاحظة: كل هوامش المقالة من المُترجم.
المقالة:
لقد انتهى الشرق الأوسط الأميركي. فالنظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 بات واحدًا من الضحايا الكثيرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فإخفاق الولايات المتحدة وإسرائيل في اقتلاع النظام في طهران قد كشف إفلاس عقود من العقوبات والعنف. كما أنَّ عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، أو إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، قد قوَّض على نحو قاتل الصفقةَ الأمنية الجوهرية التي بررت شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة. وقد أنهى الموقف الإسرائيلي المتزايد التهديد، وتخلّي إسرائيل عن أيِّ تظاهر بالاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، مهمةَ واشنطن الممتدة منذ عقود لجمع حلفائها العرب وإسرائيل في شراكة أمنية دائمة.
كان الهدف الأساسي للولايات المتحدة طوال ثلاثة عقود ونصف هو تكبيل حلفائها المتباينين بنظام يقوم على حماية إسرائيل مع احتواء العراق وإيران أولًا، ثم إيران وحلفاءها من الفاعلين دون الدولة لاحقًا. ولم تكن حرب الرئيس دونالد ترامب انحرافًا عن هذه الاستراتيجية، بل بلغت بها منتهاها المنطقي، إذ سعت إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعةً واحدة. وكما فعل القادة الأميركيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت إسرائيل في حروبها ضد حزب الله وحماس، بالَغ مهندسو هذه الحرب في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وقلَّلوا من قدرة الخصوم على التكيُّف، وسلَّموا جدلًا بأنَّ الحلفاء سيصطفّون خلفهم، وتجاهلوا بقسوة أرواح الناس العاديين. لم تكن مغامرة واشنطن شذوذًا عن القاعدة بقدر ما كانت التعبير الأقصى عن الرذيلة الكامنة في استراتيجيتها الشرق أوسطية.
قد لا يبدو للوهلة الأولى أنَّ للحرب أثرًا يُذكر في التحالفات التي يقوم عليها النظام الأميركي. فمع حرب غير حاسمة وإيران خارجة منها أكثر تمكُّنًا، قد تُسارع دول الخليج إلى زيادة مشترياتها من السلاح ومطالبها بضمانات أمنية متجدِّدة، ما يخلق وَهْمَ الاستمرارية. لكنَّ النظام القديم يُفسح المجال في الواقع لشيء جديد. وتُستذكر أزمة السويس عام 1956 اليوم بوصفها النَّفَس الأخير للقوة الإمبراطورية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، لكنَّ الأمر استغرق سنوات ليبلغ تلك النهاية الحتمية. ولن تختفي الهيمنة الأميركية فورًا هي الأخرى، لكنَّ الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأميركية وغايتها قد تجاوزت نقطة اللاعودة. وقد غيَّرت بالفعل مكاشفات الحرب على إيران، والحرب الإسرائيلية على غزة قبلها، حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها. ولن تُرمِّم جولةٌ أخرى من القتال، أو انتخاب رئيس أميركي مختلف، هذا الصدع.
تَعِد السنوات المقبلة بمزيد من الشقاق. فإسرائيل وإيران تتقاسمان مصلحةً في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة وسائل تُذكر لكبح أي منهما. وتأمل إسرائيل في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك عبر ضمِّ أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض إرادتها بالقوة عبر مساحات شاسعة من المنطقة. وبافتراض ألا ينهار النظام الإيراني في القريب العاجل، وهو أمرٌ يبدو مستبعدًا جدًّا، فإنَّ طهران المتشجِّعة ستأمل في الدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه عبر إغراق واشنطن في ذلك النوع من الصراعات “الرمادية”[1] اللامتناهية وغير المحدودة الحدود التي طالما ازدهرت فيها.
لكن إذا كانت الولايات المتحدة على استعداد أخيرًا للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فإنَّ انهيار نظام ما قد يبقى فرصةً لبناء نظام جديد وأفضل. صحيحٌ أنَّ الظروف أبعد ما تكون عن المثالية. فرغم أنَّ معظم قادة المنطقة وشعوبها يتوقون بشدة إلى هدنة من الضربات العسكرية والاضطراب الاقتصادي، فإنَّهم أيضًا يُكِنُّون استياءً عميقًا لواشنطن لجرِّهم إلى هذه الكارثة. لكنَّ التخلي عن سياسة دعم الحكام المستبدين، والإفلات من العقاب لصالح الحلفاء، والاحتواء المُعسكَر للأعداء، قد يُمكِّن الولايات المتحدة من الانخراط مع المنطقة بطريقة أكثر صحّةً، طريقة قد تُثمر في نهاية المطاف الاستقرار الدائم الذي طالما ادَّعت واشنطن أنَّها تريده.
تصدُّعات في الأساس
كانت طموحات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، طوال عقود عديدة بعد الحرب العالمية الثانية، محكومةً بتنافسها العالمي مع الاتحاد السوفياتي، وهو ما منح واشنطن اهتمامًا مبالغًا فيه بسياسات المنطقة، لكنَّه جعلها حذرةً من التدخل العسكري السافر. أمَّا النظام الحالي في الشرق الأوسط، الذي أرسته إدارة جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج 1990-1991، فقد تحدَّدت ملامحه بالهيمنة الأميركية. وإذ وُوجهت واشنطن بفرصة تاريخية لتأمين سيطرة لا تُنازَع على منطقة طالما كانت محلَّ تنازع، جعلت نفسها لا غنى عنها عبر إقامة قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. ودعمها العسكري والسياسي كان الضمانة التي استند إليها بقاء كلِّ نظام تقريبًا في المنطقة.
ولإضفاء الشرعية على دورها بوصفه أكثر من مجرد هيمنة افتراسيّة، أطلقت واشنطن عملية السلام العربية الإسرائيلية أملًا في دمج حلفائها العرب وإسرائيل في إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقةً منقسمةً بين كتلة بقيادة أميركية تضمُّ إسرائيل وتركيا وتقريبًا كلَّ دولة عربية، وكتلة معارضة أقلَّ تنظيمًا تضمُّ إيران وسورية في عهد الأسد، وفاعلين من غير الدول مثل حماس وحزب الله والحوثيين. وقد ظلَّ هذا البناء ثابتًا على نحو لافت عبر ثلاثة عقود من التحوُّلات الدرامية في السياسة العالمية والإقليمية والأميركية.
وفَّر هذا النظام، في الرواية الأميركية، قدرًا من الاستقرار مع حماية مصالح أميركية جوهرية كتجارة النفط، وأمن إسرائيل، ومكافحة الإرهاب. وقد كان ذلك صحيحًا من نواح عدة. فإسرائيل لم تواجه تهديدًا على مستوى الدول ولم تخض حربًا ضد نِد لها منذ عام 1973، وهو ما ربما دفعها إلى الاستهانة بتحدي مهاجمة إيران. وتعاونت الدول العربية مع إسرائيل ضدَّ أعدائها المشتركين رغم غياب حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتدفَّق النفط في معظم الأحيان بأسعار معقولة. ولم تتحدَّ أيُّ قوة عُظمى منافسة الهيمنة الأميركية جدّيًّا، ولا حتى الصين، التي اكتفت بالجلوس جانبًا والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها توفير الولايات المتحدة للأمن.
بالنسبة إلى واشنطن، بدت الفوائد الاستراتيجية المتحقِّقة من هذا النظام مبرِّرةً لتكاليف الحروب اللازمة لإدامته. لكنَّ الثمن كان أعلى بكثير لمن يعيشون في المنطقة. فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية دخول إسرائيل في حروب صغيرة عديدة ضدَّ جيرانها الأضعف بكثير، وانهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بالكامل، وهجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ثم شروع إسرائيل بعد ذلك في تدمير قطاع غزّة. وفي العراق، ألحقت الولايات المتحدة اثني عشر عامًا من العقوبات القاسية، والقصف المتقطِّع، وجهود فاشلة لتغيير النظام ومنع الانتشار النووي، أعقبها الغزو والاحتلال الكارثيان عام 2003، كلُّ ذلك بكلفة إنسانية هائلة. وتحت الوصاية الأميركية، دمَّرت حروبٌ كارثية كلًّا من لبنان وليبيا والسودان وسورية واليمن.
استند النظام الإقليمي إلى ضمانات أمنية أميركية لا للدول العربية فحسب، بل، وهذا هو الأهم، للحكام المستبدين الجالسين على رأسها. وكان إبقاء التطلعات الديمقراطية بعيدةً بقدرِ أهمية الحماية من الهجوم العسكري الإيراني لهذه الصفقة. ولوهلة قصيرة خلال انتفاضات 2010-2011 العربية، بدا الزخم نحو التغيير غير قابل للإيقاف، لكنَّ النظام صمد رغم كل ذلك. فقد احتفظت جلُّ الأنظمة داخل منظومة التحالف الأميركي بالسلطة؛ بل شدَّد معظمها قبضته في أعقاب الاحتجاجات. وشجَّع الدعم الأميركي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية تلك الأنظمة على انتهاج مخططات خصخصة غذَّت فساد النخبة، بينما أفقرت غالبية السكان. وشجَّعت حملة واشنطن ضدَّ الإرهاب حلفاءها على تبنّي أشكال تدخُّلية من المراقبة وقمع المعارضة المحتملة باسم الأمن. ورغم ازدهار دول الخليج النفطية الثرية وشرائح ضئيلة من النخب العربية داخل هذا النظام، فإنَّ النظام الأميركي لم يعنِ لمعظم الناس سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب كلِّ مؤشر اقتصادي وسياسي وتنموي تقريبًا، كان أداء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأميركية أسوأ بكثير من أيِّ منطقة أخرى.
ومن المفارقات أنَّ الضمانات الأمنية الأميركية شجَّعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن السياسية. فمعظمهم شعر بالأمان من الغزو أو الهجوم الخارجي، ما خلق خطرًا أخلاقيًّا: إذ استطاعوا متابعة مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية الخاصة دون خشية من عواقب حقيقية. وانشغال واشنطن بسياساتها الداخلية، وغفلتها عن تعقيدات المنطقة، ومخاوفها المبالغ فيها من التقدُّم الصيني والروسي، كلُّ ذلك جعل من الولايات المتحدة هدفًا سهلًا للقوى المحلية المتلاعبة. ونتيجةً لذلك، أخفقت مرارًا عبر العقود في كبح إسرائيل بشكل فعلي أو منع الحلفاء العرب من تبنّي سياسات تقوِّض الأهداف الأميركية المُعلَنة. فقد تجاهل أولئك الحلفاء المزعومون الانتقادات الموجَّهة إلى تدخُّلاتهم المدمِّرة في ليبيا والسودان وسورية واليمن. وعارض جلُّهم فعليًّا الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي أملت إدارة أوباما أن يساعد على استقرار المنطقة. وفي عام 2017، قوَّض الحصار المفروض على قطر بقيادة الإمارات العربية المتحدة والسعودية الجبهةَ الموحَّدة ضدَّ إيران التي تطلَّبتها حملة “الضغط الأقصى”[2] التي أطلقها ترامب.
دفعت انتفاضات 2010-2011 الحكومات العربية نحو أشكال جديدة من التدخُّلية، ويعود ذلك جزئيًّا إلى فقدانها الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الاستجابة لما اعتبرته تهديدات مُلِحَّة ورغبتها في ذلك. فالحلفاء المستبدون الذين كانوا يخشون بالفعل انقلابات محتملةً وانتفاضات شعبية باتوا يرونها اليوم واقعًا وشيكًا، وهم يواجهون تحدّيات من الجماعات الشيعية المدعومة من إيران، والحركات الإسلامية والجهادية، والناشطين الديمقراطيين الليبراليين الشباب. وإذ راقبت هذه الأنظمة الانتشار السريع للاحتجاجات، أدركت أنَّ التهديد في الداخل قد ينشأ من أيِّ مكان، حتى من خارج حدودها. وحين شهدت الإطاحة بحسني مبارك في مصر عام 2011، خلصت إلى أنَّها لا تستطيع التعويل على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. وإذا أرادت ضمان بقائها، فسيكون عليها أن تخرج بنفسها لاحتواء الخطر. غير أنَّ تدخُّلاتها أسفرت مرارًا عن نتائج مدمِّرة، ما ساهم في انقلاب عسكري في مصر وفي عدة حروب أهلية.
شجَّع هذا النظام إيران وإسرائيل أيضًا على انتهاج سياسات مزعزعة للاستقرار، وإن كان كلٌّ منهما بطريقة مختلفة. فقد أخذ النظام الإيراني العداء الخارجي أمرًا مُسلَّمًا به وصمَّم استراتيجية بقائه تبعًا لذلك. ولم تقلق الحكومات الإيرانية كثيرًا من العقوباتِ الأميركية والدولية التي أفقرت الشعب، بينما قوَّت من نفوذ المطلعين على النظام المسيطرين على الأسواق السوداء. وعلى مدى عقود، جمَّعت إيران وسلَّحت شبكةً من الحلفاء من غير الدول ازدهرت في خِضَمِّ خراب الحروب الأميركية والإسرائيلية والسعودية. وإذ قُطع عنها الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية الأميركية والأوروبية، استثمرت إيران في الإنتاج منخفض الكلفة، فطوَّرت طائرات مسيَّرةً وصواريخ باليستية رخيصة يمكنها مواجهة أنظمة خصومها المتطوِّرة تقنيًّا باهظة الثمن. وكقادة معظم بلدان المنطقة، سارع قادة إيران إلى سحق الاحتجاجات، خشية أن تكون يدٌ أجنبيةٌ خفيةٌ وراء ما كان في الحقيقة انفجارات حقيقيةً للسخط الشعبي.
أمَّا إسرائيل، من جانبها، فقد تمتَّعت بأمتن الضمانات الأمنية الأميركية على الإطلاق. ورغم أنَّها ديمقراطية، على الأقل بالنسبة إلى مواطنيها اليهود، فإنَّ رؤساء وزرائها كثيرًا ما وقعوا في فخ يشبه ذلك الذي وقع فيه حلفاء الولايات المتحدة المستبدون. فتفوُّق إسرائيل العسكري وثقتها بالدعم الأميركي مكَّنا قادتها من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة وصدِّ التهديدات السياسية الداخلية على حساب معالجة القضية الفلسطينية جدّيًّا أو تخفيف حدة عدم الاستقرار الإقليمي. لكن حين حطَّمت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ذلك الرضا، كان ردُّ إسرائيل التصعيد العسكري الشامل. فأظهرت إفراطًا متزايدًا في استخدام القوة عبر المنطقة ورسَّخت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، بل وفي أجزاء من لبنان وسورية.
من أسباب صمود النظام الأميركي طويلًا أنَّ الصفقات الأمنية التي يقوم عليها لم تُختبر يومًا اختبارًا حقيقيًّا. فقادة المنطقة اشتكوا بلا انقطاع من شعورهم بالتخلي عنهم، لكنَّهم لم يتصرَّفوا يومًا وكأنَّ التخلي احتمالٌ جدّي. ولسنوات، لم تكن الحرب بين الدول تهديدًا بارزًا هي الأخرى. فقد قصفت إسرائيل غزة ولبنان بتواتر ما، لكنَّ أيَّ دولة عربية متحالفة مع الولايات المتحدة لم تكن قلقةً أكثر من اللازم من هجوم إسرائيلي. وكانت إيران تلوح أكبر بين همومها، لكنَّ حتى هجومًا إيرانيًّا مباشرًا بدا مستبعدًا جدًّا. والهجمات غير المباشرة عبر وكلاء إيران لم تزد سوى ترسيخ القناعة الأساسية بأنَّ الهيمنة العسكرية الأميركية من الوضوح والقوة بحيث لن تجرؤ إيران على تحدّيها. وبدأت هذه الثقة تتزعزع عام 2019، حين لم تردَّ الولايات المتحدة على هجوم استهدف مصافي النفط السعودية نُسب إلى إيران، ومجدَّدًا حين أصابت هجمات الطائرات المسيَّرة الحوثية الإمارات عام 2022. وبقي الهيكل الأمني الإقليمي متماسكًا، لكنَّ التصدُّعات بدأت بالظهور.
كانت الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، تسعى إلى مأسسة نظامها الشرق أوسطي عبر التوسُّط لتعاون عسكري وسياسي علني بين حلفائها العرب وإسرائيل. ولم يكن هذا الهدف جديدًا، فتشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أميركية كان هدفًا لكلِّ إدارة أميركية منذ عام 1991. لكنَّ ترامب حادَ عن أسلافه في دفعه قُدُمًا دون ربط خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي بإحراز تقدُّم في القضية الفلسطينية. ففي عام 2020، توسَّطت إدارته في الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل والبحرين والإمارات في البداية. ثم انضمَّ المغرب سريعًا، ووقَّع السودان اتفاقًا أوليًّا لم يُفعَّل رسميًّا بعد. لكن حين حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالانضمام، أساءت تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، والتنافس المتصاعد بين الرياض وأبو ظبي. وأخفقت في رؤية العداء الشعبي المتنامي للتطبيع، أو في توقُّع الكارثة الوشيكة في غزة.
الضربة المزدوجة
لقد اهتزَّ النظام الإقليمي الأميركي من قبل، بما في ذلك أثناء غزو العراق الكارثي عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، لكنَّه أعاد تشكيل نفسه دومًا. وكان صانعو السياسة الأميركيون محاصَرين بالبنية التي صمَّموها بقدر ما كانت القوى الإقليمية المندرجة فيها. فكلُّ رئيس منذ بيل كلينتون تولّى منصبه متعهِّدًا بتقليص التورُّط الأميركي في الشرق الأوسط، وكلُّ رئيس وجد نفسه مسحوبًا مجدَّدًا إلى السياسات والحروب نفسها.
قد تبدو الأزمة المزدوجة، تدمير إسرائيل لقطاع غزّة والحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران، مجرَّد حلقة أخرى في هذه الدورة. لكنَّ هذين الحدثين، في الحقيقة، وجَّها معًا ضربةً قاضيةً للشرق الأوسط الأميركي. فالدعم الأميركي لعدوان إسرائيل على قطاع غزَّة، وبخاصة في عهد الرئيس جو بايدن، محا ما تبقّى من سلطة أخلاقية يمكن للولايات المتحدة الادِّعاء بها. وفضيحة ترامب في إيران حطَّمت وَهْمَ القدرة العسكرية الأميركية المطلقة. وقد أظهر كلا الحدثين للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي داخل النظام الإقليمي، وتضاؤل عوائد الضمانات الأمنية الأميركية.
أخفق المسؤولون الأميركيون في عهدي بايدن وترامب في إدراك الآثار الزلزالية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة. فقد تشاركوا رأيًا مفاده أنَّ آراء قادة المنطقة هي وحدها المهمة، وأنَّ هؤلاء القادة قد نسوا الفلسطينيين منذ أمد بعيد، وأنَّهم متحمِّسون لعلاقات أوثق مع إسرائيل أقوى ولضمانات أمنية أميركية أقوى تُقدَّم كحوافز. ولم يُجسِّد هذا القصورَ في الرؤية شيءٌ أفضل من سعي بايدن الدونكيشوتي إلى التوسُّط لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية حتى بعد أن جعل ارتفاع حصيلة القتلى في قطاع غزّة مثل هذا التعاون سامًّا سياسيًّا لدى الجماهير العربية التي تطمح الرياض إلى قيادتها.
وقد خلق إصرار واشنطن الدؤوب على دفع التعاون العربي مع إسرائيل مزيدًا من الانقسامات. فالإمارات، بوصفها إحدى أوَّل دولتين وقَّعتا الاتفاقيات الإبراهيمية، واصلت العمل مع إسرائيل في أثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزّة، وبينما شنَّت إسرائيل ضربات عسكرية في العراق ولبنان وسورية واليمن، بل وحتى قطر. وخلال الحرب مع إيران، وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، نسَّقت الإمارات مع إسرائيل والولايات المتحدة لشنِّ ضربات على أهداف إيرانية. أمَّا السعودية، فقد راقبت التقارب الإماراتي الإسرائيلي بقلق. وكانت الرياض وأبو ظبي على خلاف بالفعل حول سورية، إذ تدعم السعودية النظام في مرحلة ما بعد الأسد، بينما تشاطر الإمارات إسرائيل عداءها له، وحول اليمن، حيث كانت السعودية قد طردت لتوِّها وكلاء إماراتيين. واشتكت السعودية من أنَّ الإمارات تروِّج لحركات انفصالية تقوِّض الاستقرار الإقليمي، ورأت على نطاق أوسع أنَّ شراكةً بين إسرائيل والإمارات تهديدٌ لقيادتها الإقليمية. وقد عقَّد هذا الشرخ كثيرًا أيَّ فرصة كانت قد تُتاح لواشنطن لحشد ثقل المنطقة خلف حملتها لهزيمة إيران.
وإذا كانت حرب غزة قد ألقت بظلال الشكِّ على مستقبل القيادة الإقليمية الأميركية، فإنَّ الحرب مع إيران كانت تأكيدًا على نهاية النظام. فقد غضب قادة الخليج لأنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب دون استشارتهم، رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي خضمِّ مفاوضات برعاية عُمانية مع إيران. وحربٌ لم يكن لهم فيها رأيٌ عرَّضتهم لانتقام إيراني مباشر. ورغم أنَّ أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية حمت الخليج من أسوأ وابل الهجمات، فإنَّ ما تسلَّل من الضربات الإيرانية كفى لإحداث ضرر جسيم وتقويض ما بقي من مظاهر الاستقرار التي يقوم عليها النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. واستهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها الأكثر سلامًا كعُمان وقطر، لكنَّها ركَّزت نيرانها على الدول الموقِّعة على الاتفاقيات الإبراهيمية: البحرين والإمارات بصورة أكبر. وفي غضون أسابيعَ قليلة، تمكَّنت إيران من إتلاف أو تدمير أو تعطيل أجزاء واسعة من أرخبيل القواعد العسكرية التي كانت ضمانةَ الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.
وتآكلت ثقة حلفاء الخليج بواشنطن أكثر حين ثبت عجز الحملة الأميركية الإسرائيلية عن اقتلاع النظام الإيراني. فلعقود، جادل دعاة قصف إيران بأنَّ مثل هذا الهجوم قد يكون فوضويًّا، لكنَّه سيُزيل في النهاية التهديد الإيراني. لكنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل، بكلِّ ما تملكانه من قوة عسكرية، أخفقتا ببساطة. وفوق ذلك، وقفت الولايات المتحدة عاجزةً بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، مهدِّدةً اقتصاد الخليج بأكمله. ومجدَّدًا، صُدم قادة الخليج ليس فقط من تجاهل واشنطن لتفضيلاتهم، بل أيضًا من انكشاف العجز الأميركي. وتحوَّلت صدمتهم إلى غضب حين قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية وضربت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية. كانت واشنطن تراهن بمستقبل شركائها؛ ولو ردَّت طهران بضرب منشآت المياه الخليجية أو مواقع الطاقة النووية، لكانت دورة التصعيد الناتجة قد انتهت بمواجهة دول الخليج كارثةً اقتصادية ودمارًا بيئيًّا كافيًا لجعلها غير صالحة للسكن.
وما خلص إليه الخليج من كلِّ هذا هو أنَّ الضمانات الأمنية الأميركية، جوهر الصفقة الإقليمية، لم تعد موثوقة. وكانت المنطقة قد تعلَّمت بالفعل عام 2011 أنَّ واشنطن لا تستطيع حمايتها من التهديدات الداخلية. وإذا كانت واشنطن لا يمكن التعويل عليها حتى في استشارة حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تداعيات مغامراتها الإقليمية، فما قيمة وعودها إذن؟ لقد انهارت الصفقة الجوهرية التي عرضتها الولايات المتحدة، ولن تكون إعادة بنائها أمرًا سهلًا.
هذه المرة مختلفة
بات من المألوف وصف الحرب على إيران بأنَّها “لحظة السويس” بالنسبة إلى واشنطن. وثمة بالفعل أوجه شبه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، الذي منح الرئيس المصري جمال عبد الناصر انتصارًا سياسيًّا مدوّيًا. وأصبحت السويس رمزًا مختصرًا لأفول الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدِّد الأقطاب إلى نظام الحرب الباردة ثنائي القطبية. لكنَّ أزمة السويس لم تُنهِ فورًا الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط. فقد واصلت فرنسا حربها للاحتفاظ بالجزائر ستَّ سنوات أخرى، وظلَّت المملكة المتحدة القوةَ المهيمنة في الخليج عقدًا ونصف العقد، تقاتل حركات التمرد في عُمان واليمن الحالي قبل أن تنسحب أخيرًا من المنطقة عام 1971. فالأحداث تحتاج وقتًا لتتكشَّف بكامل أبعادها.
وستحتاج الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران وقتًا مماثلًا لتظهر. ففي المدى القصير، لن يذهب النظام الإقليمي بقيادة أميركية إلى أيِّ مكان. وقد تنسحب الولايات المتحدة من القواعد العسكرية التي دمَّرتها إيران، لكنَّها ستظلُّ تؤدِّي دورًا رئيسًا في الدفاع الإقليمي. ومن غير المرجَّح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن فورًا. فخوفًا على مستقبلها، وعدم رؤيتها بدائل واضحة، قد تعزِّز روابطها أكثر، كما حاولت السعودية أن تفعل حين أوشكت على إبرام اتفاق نووي طال انتظاره، لتُغيِّر إدارة ترامب شروطه في اليوم التالي، تاركةً الاتفاق معلَّقًا. كما أنَّها من غير المرجَّح أن تشكِّل أيَّ تهديد عسكري لإسرائيل أو أن تقترب من إيران أكثر من اللازم. والشرخ الأميركي مع إسرائيل، رغم كونه حقيقيًّا وقد يمتدُّ أثره أجيالًا، فإنه لن يُصدِّع ذلك التحالف قريبًا. وستحافظ الدول العربية أيضًا على علاقات عمل مع إسرائيل وستواصل الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.
والتعديلات الصغيرة التي بدأت الأطراف الإقليمية إجراءها قد لا تبدو ذات شأن هي الأخرى في البداية. فالدول انتهجت دومًا أجنداتها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأميركية. وحتى أكثر حلفاء الولايات المتحدة تبعيةً أتقنوا فنون المماطلة والتفلُّت من القيد والضغط على واشنطن. وستستمر هذه الدول في الانخراط في التنافسات المحلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتها، ومحاولة ضمان أمنها. وأحيانًا سيعني ذلك العمل مع واشنطن؛ وأحيانًا أخرى لن يعنيه.
لكنَّ ما يبدو استمراريةً على المدى القصير لا ينبغي الخلط بينه وبين الاستدامة على المدى الطويل. فبحلول أزمة السويس، كان تفكُّك الإمبراطوريات الأوروبية أمرًا حتميًّا، لا بسبب فشل سياسي واحد، بل بسبب صعود القومية ومناهضة الاستعمار، وكذلك الإنهاك الاقتصادي والسياسي للنموذج الإمبراطوري الأوروبي. وكذلك كان النظام الأميركي في الشرق الأوسط يتآكل منذ سنوات مع تراكم الإخفاقات السياسية، وصولًا إلى فقدان الهدف المشترك والعجز العسكري الذي كشفته الأزمات الأخيرة.
ستُغرى واشنطن بالتمسُّك بالسياسات التي حدَّدت نهجها في الشرق الأوسط طوال عقود، معتمدةً على علاقاتها بالقادة الوحشيين وغير المستقرين والقمعيين الذين يملؤون المشهد الذي صمَّمته هي نفسها. وإذا تشبَّث القادة الأميركيون بالمسار ذاته، فعليهم أن يتوقَّعوا النتيجة ذاتها: منطقةً يعصف بها عدم استقرار دائم، وإخفاقٌ اقتصاديٌّ وسياسي، واندلاعاتٌ متكرِّرة للصراع العنيف. وقد لا تجرُّ هذه الصراعات القوات الأميركية إلا أحيانًا، لكنَّ الفوضى ستستنزف الاهتمام باستمرار وتستهلك الموارد دون طائل. وستستمرُّ الحروب التي لا تنتهي.
قد تبدو هذه النتيجة مقبولةً لصانعي السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على علاقات مع أطراف سيئة. لكنَّ واشنطن لا يمكنها تفادي الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرَّد التظاهر بأنَّ شيئًا لم يتغيَّر. فالحلفاء العرب الذين فقدوا الثقة بالولايات المتحدة سيمارسون استقلاليتهم على نحو متزايد. وقد يعني ذلك أحيانًا السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا خلافًا للرغبة الأميركية. وقد يعني في أحيان أخرى التدخُّل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي أو إشعال صراع عنيف من جديد في العراق ولبنان وسورية واليمن.
وستُشكِّل هذا النظامَ الناشئَ قوىً تخرج إلى حد بعيد عن السيطرة الأميركية. فإسرائيل، من جهتها، عازمةٌ على مواصلة التدخُّل العسكري بصرف النظر عن الرغبات الأميركية. وقد واصلت حربها مع حزب الله في تحد لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي أُبرمت في حزيران/يونيو 2026، ولم تُبدِ أيَّ استعداد لسحب قواتها من جنوب لبنان. ويُصرُّ المسؤولون الإسرائيليون على أنَّ بلادهم ستحافظ على وجود عسكري في سورية أيضًا. وفي ظلِّ غياب ضغط داخلي جاد لتبنّي سياسات أكثر ميلًا للتهدئة، لا يكاد يقف شيءٌ في طريق ضمِّ إسرائيل للضفة الغربية وتدميرها الكامل لغزة.
أمَّا إيران، شأنها شأن إسرائيل، فلديها كلُّ حافز لانتهاج سياسات تُديم عدم الاستقرار. فالصراع المتواصل يساعد النظام على تحميل الآخرين مسؤولية الأوقات الصعبة وتبرير استراتيجية “المقاومة” أمام الجمهور الإيراني. وقد احتفظت إيران بقدرتها على إثارة العنف. فرغم أنَّ البلاد تضرَّرت بشدة من الحرب، بقي النظام سليمًا، بل ازدادت قوته الإقليمية. وقد أظهرت إيران قدرتها على السيطرة الفعلية على مضيق هرمز وضرب حلفاء أميركا في المنطقة، ومن غير المرجَّح أن تُنهي النكسات التي أصابت حلفاءها كحزب الله بشكل دائم قدرة طهران على إسقاط نفوذها عبر الوكلاء. والضغط الأميركي على الحكومتين الضعيفتين في العراق ولبنان لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران قد يُشعل صراعًا إضافيًّا تكون فيه اليد العليا لحلفاء إيران.
وستنجرف التحالفات الإقليمية أكثر بعيدًا عن التحالف المناهض لإيران الذي يتصوَّره المسؤولون الأميركيون. فبدلًا من التعويل على الحماية الأميركية، قد تسعى دول خليجية عديدة إلى عقد صفقات جانبية مع إيران لتبقى خارج قائمة أهداف طهران. وبدلًا من اتِّباع قيادة واشنطن، ستدور السياسة الإقليمية على الأرجح حول تنافس متعمِّق على الصدارة بين الإماراتيين والسعوديين. فقبل بدء الحرب على إيران في نهاية شباط/فبراير 2026، كانت الرياض قد بدأت بحشد تحالف يضمُّ مصر وباكستان وقطر وتركيا لموازنة التحالف الإماراتي الإسرائيلي المدعوم أميركيًّا. وسيُستأنف هذا التنافس بعد أن يخفَّ أوار القتال، على الأرجح، ما سيزعزع استقرار دول منهكة أصلًا، ويمتدُّ عبر المنطقة الأوسع، ويولِّد أزمات جديدةً لا تنتهي تجد واشنطن المشغولة صعوبةً في التعامل معها.
وأخيرًا، ستواجه معظم الأنظمة ضغوطًا متزايدةً من الداخل مع امتداد تداعيات الحرب على إيران إلى اقتصادات المنطقة المتعثِّرة أصلًا. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضرَّرت بنيتها التحتية من الضربات الإيرانية. ففي مصر، على سبيل المثال، تتفاقم الأزمات المالية وأزمة البطالة القائمة بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والغذاء والخسائر الهائلة في إيرادات قناة السويس مع تعطُّل الحرب للشحن العالمي. وقد تخسر دولٌ عديدة، تضرَّرت أصلًا من تخفيضات المساعدات الأميركية، مصدرًا حيويًّا آخر للاستثمار الخارجي مع تخبُّط دول الخليج الثرية في مشكلاتها الاقتصادية الخاصة. وتُشكِّل المظالم الداخلية والغضب من غزة مزيجًا شديد الخطورة، وقد تلوح في الأفق مجدَّدًا موجةُ احتجاجات تُضاهي انتفاضات خمسة عشر عامًا مضت.
الفرصة الأخيرة
قد يعطِّل الأفولُ العنيف للنظام الإقليمي القديم، بل قد يُجهض، أيَّ محاولة لإرساء نظام جديد فاعل. لكنَّ هذه اللحظة قد تكون أيضًا فرصةً للولايات المتحدة لإعادة صياغة الصفقات الجوهرية التي أفضت إلى نتائجَ مدمِّرة كهذه. ويتطلَّب إصلاح السياسة الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع حلفاءَ استبداديين وخارجين على القانون باسم البراغماتية. فلعقود، افترضت واشنطن أنَّها لا تحتاج إلى القلق كثيرًا بشأن الرأي العام العربي لأنَّها تستطيع التعويل على الحكَّام العرب لسحق أيِّ معارضة. وافترضت بالمثل أنَّ ترديد كلمات فارغة عن دعم حلِّ الدولتين، بينما تواصل إسرائيل ضمَّها الزاحف للأراضي الفلسطينية وتتجنَّب مفاوضات سلام حقيقية، سيكون كافيًا لإبقاء حلفائها العرب متمسِّكين بها. وهذا يعني أنَّ الولايات المتحدة لم تفكِّر يومًا في تبنّي سياسات تحظى برضا، أو حتى دعم، شعوب المنطقة. كما يعني أنَّ واشنطن لم تستطع قطُّ الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأنَّ استراتيجيتها كانت تعتمد على غيابهما.
لن تُغيِّر إدارة ترامب، المستخفَّة بالديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، من هذا الواقع. ومن الصعب تخيُّل ترامب، المتذبذب بشدة بين الاستراتيجيات، وهو يصمِّم نظامًا إقليميًّا جديدًا من أيِّ نوع. لكنَّ خليفته ستكون أمامه فرصةٌ حقيقيةٌ للقطع مع الوضع الراهن وصياغة استراتيجية أكثر تماسكًا وفاعليةً للشرق الأوسط. ويبدأ ذلك بالتخلِّي عن استخدام التدخُّل العسكري كخيار أول وإنهاء ممارسة “الدبلوماسية بالضربات الجوية”. وينبغي أن تكون أولوية واشنطن الدفاعَ لا الهجوم. وإحدى الطرق لإيضاح هذه النية هي التخلِّي عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية المتضرِّرة أو المدمَّرة في أرجاء الخليج، والتركيز بدلًا من ذلك على الاستثمار في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي لشركاء الخليج، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى الاستقرار في الشرق الأوسط عبر الدبلوماسية والدفاع الجماعي، لا الاحتواء المُعسكَر. فقد كشفت فضيحة إيران بجلاء عن جوف الدعوات الصقورية إلى الحرب ووعود الحسم. وقد آن الأوان لأن تلتزم واشنطن بعملية دبلوماسية يمكن أن تُدخل إيران في منظومة الأمن الإقليمي بوصفها شريكًا ذا مصلحة. وقد تكون دول الخليج منفتحةً على مثل هذا النهج رغم غضبها من هجمات إيران الأخيرة، فبعد كلِّ شيء، توصَّلت السعودية وإيران إلى مصالحة عام 2023 بعد موجة سابقة من العدوان الإيراني. واستحضرت إدارة أوباما رؤيةً مشابهةً حين كانت تتفاوض على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، بل إنَّ نائب الرئيس جي دي فانس تحدَّث عن استعداد لـ”تحويل” العلاقة الأميركية الإيرانية “جذريًّا” في أعقاب اتفاق جديد. فالطموح موجود، لكنَّ على الإدارة الجديدة أن تُثبت بسرعة وحزم عزمها على تحقيقه.
ويجب أن يمتدَّ إصلاح السياسة الأميركية أيضًا إلى طريقة تعامل واشنطن مع حلفائها. ويشمل ذلك إسرائيل. فالظروف مهيَّأة لإعادة النظر في العلاقة الأميركية الإسرائيلية: إذ يرى نحو ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلِّين، وفق استطلاع لمؤسسة “كوينيبياك” (Quinnipiac) نُشر في حزيران/يونيو 2026، أنَّ الولايات المتحدة مفرطةٌ في دعمها لإسرائيل. وفي منتصف تموز/يوليو 2026، صوَّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون لقطع المساعدات العسكرية الأميركية عن إسرائيل. وينبغي للإدارة القادمة أن تستغلَّ هذا الزخم لممارسة نوع من الضغط على إسرائيل ظلَّت الحكومات الأميركية تتحاشاه طويلًا. وليس على واشنطن أن تتخلَّى عن حليفتها، لكن عليها أن تطالب إسرائيل باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف ضمِّها الزاحف للضفة الغربية، وإنهاء تدخُّلاتها المزعزِعة للاستقرار في لبنان وسورية.
وعلى نطاق أوسع، يتطلَّب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تلتزم الولايات المتحدة مجدَّدًا بمعايير حقوق الإنسان الدولية، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سورية واليمن، وأن تردع تدخُّلات شركائها العسكرية وحروبهم بالوكالة في أماكنَ مثل السودان وليبيا، وأن تكفَّ عن حثِّ الحكومتين العراقية واللبنانية على نزع سلاح الميليشيات العراقية وحزب الله قبل أن تكونا مستعدَّتين تمامًا لذلك. أمَّا الاستقرار على المستوى الداخلي فيتطلَّب تحوُّلًا ديمقراطيًّا. وهذا يعني، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تشجيع الإصلاح، بما في ذلك حماية حقوق الإنسان، والتخلِّي عن الصفقة التي سمحت لحلفائها الاستبداديين بالإفلات من قمع فادح. ولن تكون هذه الرسالة موضع ترحيب في القاهرة أو الرياض أو حتى في كثير من العواصم الأخرى. لكن لن يكون أيُّ تحوُّل حقيقي في النظام الإقليمي ممكنًا دون معالجة أمراض أنظمته.
لن تخلق السياسات الأميركية الجديدة شرقًا أوسط مستقرًّا وسلميًّا بين ليلة وضحاها. ففي البداية، لن تحظى إلا بقدر ضئيل من التصفيق الشعبي من منطقة اعتادت النفاق والإساءة الأميركيين. ولاحقًا، من المرجَّح أن يسبِّب صعود حكومات أكثر استجابةً ديمقراطيةً في المنطقة صداعًا كبيرًا مع تنافس سياسيين طموحين على إدانة الولايات المتحدة والتنديد بها. لكنَّ شرقًا أوسط تسكنه أنظمةٌ أقلُّ استعدادًا لاتِّباع قيادة واشنطن في سياسات غير شعبية أو لقمع المعارضة الشعبية سيكون على الأرجح، في المدى البعيد، أكثر استقرارًا من منطقة اليوم. وتجد واشنطن صعوبةً في تصوُّر شرق أوسط لا تهيمن عليه وفي تخيُّل بدائل حقيقية للنظام الإقليمي الحالي مهما بلغ فشله. لكنَّ ذلك النظام يشارف على نهايته، وقد تكون هذه آخر فرصة أمام القادة الأميركيين لتغيير المسار. وإن لم يفعلوا، فسيشهدون الشرق الأوسط الأميركي يذوي كما ذوت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.
[1] مصطلح “المنطقة الرمادية” (Gray Zone) يشير إلى أنماط الصراع التي تقع بين السلم والحرب التقليدية المعلنة، كالعمليات السيبرانية، والحرب بالوكالة، والضغط الاقتصادي وشبه العسكري، بحيث يصعب على الطرف المستهدف الردَّ عليها بشكل حاسم دون خطر التصعيد إلى حرب شاملة (المُترجم).
[2] “حملة الضغط الأقصى” (Maximum Pressure) هي التسمية الرسمية لسياسة العقوبات الاقتصادية الأميركية المشدَّدة التي فرضتها إدارة ترامب الأولى على إيران ابتداءً من عام 2018 بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، بهدف خنق اقتصاد إيران وإجبارها على التفاوض بشروط أميركية (المُترجم).
عرب48
نهاية الشرق الأوسط الأميركي: إيران والزفير الأخير لنظام إقليمي فاشل