حذّر المحلل العسكري في صحيفة (هآرتس) العبرية، عاموس هارئيل، من أنّ الضفة الغربية تقف على أعتاب مرحلةٍ شديدة الخطورة، في وقت تُبقي فيه المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة حالة التأهب القصوى تحسبًا لاحتمال توجيه الولايات المتحدة، وربّما إسرائيل، ضربةً عسكريّةً لإيران.
ورأى أنّ الأحداث الدامية التي شهدتها منطقة نابلس، أمس الجمعة، قد تكون مقدمة لدوامة متواصلة من العنف المتبادل، في ظل مناخ سياسي وأمني يدفع نحو مزيد من التصعيد، وأشار هارئيل، نقلًا عن تقديرات مصادر أمنية إسرائيلية، إلى أنّ مقتل إسرائيليين وأربعة فلسطينيين في قرية تل، جنوب غربي نابلس، يُنذر بتدهور أمني واسع، ولا سيما أن الحادث وقع في منطقة تشهد أصلًا توترًا متزايدًا عقب إحراق بؤرة “حفات جلعاد” الاستيطانية الأسبوع الماضي، إلى جانب سلسلة اعتداءات نفذها مستوطنون ضد فلسطينيين.
ووفق التقرير، دخل عشرات الإسرائيليين، بينهم أطفال، إلى أطراف قرية تل في رحلة لم تحصل على موافقة مسبقة من الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى احتكاك مع سكان القرية. ومع تصاعد المواجهة، استنجد المشاركون بمنسق أمن مستوطنة (حفات جلعاد)، الذي قُتل بعدما استولى أحد الفلسطينيين على سلاحه وأطلق النار عليه. وفي تبادل إطلاق النار اللاحق، قُتل أيضًا الرائد يوفال عزرا، وأصيب إسرائيلي آخر، فيما قُتل أربعة فلسطينيين وأصيب عدد من سكان القرية.
وأكّد هارئيل أنّ منظمي الرحلة يتحملون جزءًا من المسؤولية، معتبرًا أنّ ما جرى يبدو استفزازًا متعمدًا يندرج ضمن تحركات أوسع تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو رد فعل عنيف يخرج عن السيطرة، ويضيف أنّ داخل إسرائيل جهات تسعى عمدًا إلى إشعال مواجهة واسعة في الضفة الغربية لتحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول يتمثل في دفع الأوضاع نحو انهيار السلطة الفلسطينيّة، بما يتيح فرض سيطرة إسرائيلية أوسع على أراضي الضفة وتوسيع المشروع الاستيطاني، أما الثاني فيرتبط بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر القادم، من خلال تكريس حالة طوارئ أمنية تُبعد الأنظار عن مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات التي كشفتها إخفاق أكتوبر 2023.
ويرى التقرير أن الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا منذ اندلاع الحرب، تعمل بصورة منهجية على تغيير الواقع في الضفة الغربية. ويشير إلى إنشاء نحو 80 بؤرة استيطانية و126 مزرعة جديدة، إضافة إلى اتخاذ قرارات بإقامة 104 مستوطنات أخرى، بدأ تنفيذ بعضها بالفعل.
وفي السياق ذاته، سلط هارئيل الضوء على تصاعد اعتداءات ما يُعرف بـ”شباب التلال”، معتبرًا أنّ هذه المجموعات، رغم الإدانات الرسمية المحدودة، تحظى بدعم واسع داخل الأوساط الاستيطانية، ويتمثل هدفها في خلق ظروف معيشية قاسية تدفع التجمعات الفلسطينية المعزولة إلى الرحيل، بما يفسح المجال أمام مزيد من التوسع الاستيطاني.
وللفت التقرير إلى أنه، رغم تراجع المقاومة الفلسطينية خلال الفترة الماضية نتيجة الضغوط الأمنية المكثفة، فإنّ الأشهر الأخيرة أظهرت مؤشرات متزايدة على اقتراب المنطقة من انفجارٍ واسعٍ، مدفوعًا هذه المرة أيضًا باعتباراتٍ سياسيةٍ.
ويستشهد في هذا السياق بزيارة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى، وبدعوات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى تنفيذ إجراءاتٍ عسكريّةِ عقابيّةٍ وانتقاميّةٍ ضد القرى الفلسطينية المحيطة بنابلس.
وبحسب التقديرات الأمنية التي أوردها التقرير، قرر جيش الاحتلال هذا الأسبوع تعزيز قواته في الضفة الغربية عبر نشر كتيبتين نظاميتين إضافيتين، ليرتفع عدد الكتائب المنتشرة إلى 24 كتيبة، بينها عشر كتائب احتياط، مع احتمال إرسال تعزيزات إضافية إذا استمرت الأوضاع في التدهور.
وخلص هارئيل إلى أنّ العمليات العسكريّة المرتقبة داخل المدن والقرى الفلسطينية ستؤدي إلى دمارٍ واسعٍ، بما يمنح الحكومة فرصة للإعلان عن “إنجازاتٍ” جديدةٍ في الحرب على ما تصفه بالإرهاب، بالتوازي مع استغلال التصعيد لتوسيع البؤر الاستيطانية والمزارع.
وحذّر في الختام من تطورٍ آخر يتمثل في تشكيل لجان دفاع محلية في نحو 70 قرية فلسطينية لمواجهة اعتداءات المستوطنين. ورغم أن هذه اللجان لا تستخدم السلاح الناريّ حتى الآن، فإن استمرار التصعيد قد يدفع عناصر ميدانية من حركة (فتح) إلى الانخراط في المواجهات، وهو ما يجعل الضفة الغربية، وفق تقديره، أمام أخطر مرحلةٍ أمنيّةٍ تشهدها منذ سنوات، في ظلّ وجود أطرافٍ داخل الحكومة الإسرائيليّة ترى في هذا التصعيد فرصةً لتحقيق أهدافها السياسيّة والاستيطانيّة.
رأي اليوم