عبد الباري عطوان
منذ اليوم الأول أبدت المؤسسة العسكرية الامريكية معارضة واضحة لنوايا الرئيس دونالد ترامب لشن عدوان ضد ايران في منطقة الشرق الأوسط، للسيطرة على مضيق هرمز والملاحة الدولية فيه، وضرورة الالتزام حرفيا ببنود العقيدة الحربية الجديدة لوزارة الحرب “البنتاغون” التي تنص على تجنب المواجهة العسكرية بقدر الإمكان، واذا كان لا بد منها فيجب ان تكون قصيرة، وسريعة، ومحدودة الخسائر المادية والبشرية، وعبرت العديد من القيادات العليا في الجيش الأمريكي عن معارضتها لتهور الرئيس ترامب، ورضوخه لحملات التضليل الإسرائيلية عن رفضها لهذا التهور لساكن البيت الأبيض ومجموعة السماسرة، إسرائيليي الهوى، بالاستقالة او الإقالة، وزاد عدد الرافضين عن 25 جنرالا سواء في الجيش او الاستخبارات العسكرية.
***
بعد عشرة أيام من انتهاك الرئيس ترامب لمذكرة التفاهم التي توصل اليها مع الجانب الإيراني عبر الوسطاء الباكستانيين والعودة الى الخيار العسكري مجددا مما يعني انهاء هدنة الستين يوما، وبات واضحا، ومن خلال النتائج الأولى لهذه الخطوة على الأرض، ان الجيش الأمريكي وقع مفتوح العينين في المصيدة الإيرانية الكبرى المنصوبة له بطريقة محكمة وعنوانها الأبرز حرب الاستنزاف الإقليمية طويلة الامد.
هناك مؤشران يؤكدان عدم كسب الجيش الأمريكي لهذه الحرب، وعدم انهزام نظيره الإيراني بالتالي في المقابل حتى الآن على الأقل:
اعلان وزارة الحرب الامريكية اليوم ارتفاع عدد المصابين في الجيش الأمريكي المتواجد في منطقة الخليج والشرق الأوسط الى 427 جريحا في الايام العشرة الماضية من المواجهات.
الثاني: اعلان الحرس الثوري الإيراني الذي يتولى مهمة إدارة الحرب عن تدمير ناقلتي نفط اصطدمت بالغام بحرية مزروعة في مضيف هرمز عبر المعبر الجنوبي غير الرسمي بتوجيه امريكي، ووقف قوات الحرس وزوارقه المسلحة لأربعة ناقلات أخرى حاولت اقتحام المعبر دون الحصول على تصريح إيراني.
لم تفصح وزارة الحرب الامريكية عن طبيعة ومدى خطورة هذه الإصابات في صفوف الجيش الأمريكي التي اعترفت بحدوثها، كما انها تجنبت الاعتراف بحدوث قتلى، واكتفت بكشف اعداد الجرحى فقط، في عملية تمويه مدروسة للاستمرار في تضليل الرأي العام الأمريكي، وحجب الحقائق عنه، لمعرفتها بحساسية هذه المسألة، ودورها في تأجيجه وإثارة غضبه مثلما كان عليه الحال في الحروب الامريكية السابقة في العراق وأفغانستان وفيتنام.
الامر المؤكد انه لا توجد حروب بلا قتلى وجرحى، واعطاب في السفن واسقاط للطائرات الحربية والمسيّرات، وقيادة الجيش الأمريكي الرئيسية اعترفت بسقوط 35 طائرة أمريكية صلبة الاجنحة، ومن بينها مقاتلة من نوع “اف 15” المتطورة جدا، وحاملات للوقود لتزويد المقاتلات في الجو، وأخرى من نوع “أواكس” لرصد الطائرات عن بعد، وتبلغ قيمة الواحدة منها 300 مليون دولار، او اكثر.
اما اذا انتقلنا الى المؤشر الثاني، أي سير الملاحة في مضيق هرمز، فالإعلان عن تدمير او اعطاب هاتين الناقلتين، واحتجاز أربع أخرى بهجمات للحرس الثوري الإيراني، فإن هذا يؤكد بيانه بإغلاق المضيق كليا، وتعطيل الملاحة فيه، وعدم مرور نقطة نفط واحدة عبره على عكس التصريحات الكاذبة للرئيس ترامب.
صحيح ان الجيش الأمريكي قصف عدة بنى تحتية مدنية إيرانية، مثل الجسور، ومحطات الطاقة، والسكك الحديدية، خاصة في المدن والجزر الإيرانية الجنوبية، والحق بها اضرارا كبيرة، وبعضها خرج عن العمل كليا، ولكن الصحيح أيضا ان الرد الإيراني جاء سريعا بتدمير معظم القواعد الامريكية في الساحل الغربي للخليج، وقصف محطات الكهرباء وتحلية المياه فيها، وتوسيع دائرة الأهداف العسكرية المستهدفة بإضافة الأردن الى قاعدة العيديد في قطر، والأمريكية الأخرى في الكويت، ومقر الاسطول الخامس الأمريكي في البحرين، ومهاجع الطائرات الحربية الامريكية والمخابرات العسكرية في الاردن وكردستان العراق.
***
نحن نؤمن بالمقولة التي تقول “سماتهم على وجوههم”، ومن ينظر الى وجه الرئيس ترامب الذي ورط بلاده في هذه الحرب بتحريض إسرائيلي، يدرك جيدا ما نقول، فقد بات وجهه ممتقعا، ونبرة صوته تعكس حالة من الإحباط الصادم بالمقارنة مع نظيرتها في بداية هذه الحرب.
ختاما نقول، ان أمريكا خسرت جميع حروبها في “الشرق الأوسط”، ابتداء من العراق، ومرورا بأفغانستان، ولن تكون حربها في ايران استثناء، فايران، على عكس كل من أفغانستان والعراق، دولة حافة نووية، وتملك أضخم واقوى جيش في المنطقة، وتصنع اكثر الصواريخ تطورا، وكذلك المسيّرات، بل والغواصات أيضا، وكتائب “العناكب” الجبارة، وآلاف الألغام البحرية، أي انها لا تعتمد على استيراد الأسلحة من الخارج، وهجماتها الصاروخية بالمسيّرات على دولة الاحتلال الإسرائيلي، سواء في هذه الحرب، او حرب الـ 12 يوميا التي سبقتها هي أقوى الأدلة التي ترجح ما نقول، والقادم اعظم.. والأيام بيننا.
رأي اليوم