عبد الباري عطوان
قبل عشرة أيام بالتمام والكمال، وقبل التفجير الأول الذي وقع بالقرب من القصر العدلي في دمشق بيومين، اتصل بي صديق سوري انقطعت الاتصالات بيننا منذ كانون اول (ديسمبر) عام 2024 (تغيير النظام في دمشق)، وكان يتحدث من دولة غربية، وقدم لي صورة صادمة عن تدهور الأوضاع المعيشية ومعاناة المواطنين السوريين، وركز بشكل خاص على غياب الامن، وانتشار حالة القلق في أوساط المواطنين الذين خاب امل الكثير منهم من جراء هذا التغيير، خاصة أولئك الذين كانوا مع سقوط النظام السابق.
اسوق هذه المقدمة، بمناسبة حدوث انفجارين أحدهما على بعد 200 متر من فندق “الفور سيزون” الأشهر والأضخم في العاصمة السورية، (يملكه الأمير السعودي الوليد بن طلال)، وبعد يوم واحد من إقامة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون فيه، الذي يعتبر اول رئيس دولة غربية يزور سورية الجديدة، مثلما كان اول رئيس أوروبي يستقبل الرئيس السوري المؤقت احمد الشرع.
***
حتى نحاول ان نفهم الجهة، او الجهات التي تقف خلف هذا التفجير الثاني الذي جاء بعد الأول (الخميس الماضي) بخمسة أيام، انه لم يهدف الى احداث قتل مثل نظيره في قصر العدل (قتل 10 اشخاص واصابة 22 أخرين)، علاوة على ذلك ان العبوتين المتفجرتين جرى تصنيعهما بطريقة بدائية، حيث وضعت الاولى في سيارة مركونة على جانب الطريق، فيما جرى وضع الثانية داخل حامية نفايات، مما يرجح ان الجهة التي تقف خلف هذا العمل الإرهابي ليست تلك الأولى التي تقف خلف تفجير قصر العدل، والهدف الأكبر هو إيصال رسالة مزدوجة للرئيس الضيف ماكرون أولا، والرئيس المضيف، أي السيد احمد الشرع، وكان القاسم المشترك بين الانفجارين الأخيرين، سواء ذلك الذي استهدف القصر العدلي او فندق “الفور سيزن”، انه لم تتبنى أي جهة داخلية او خارجية مسؤولية هذه التفجيرات.
انه أسلوب أجهزة استخبارات تتصارع على الأرض السورية تمثل دولا عديدة إقليمية وعالمية، لإيصال رسائل، وربما تعليمات، للنظام الحاكم في دمشق، والتأكيد تفجيريا بأن العاصمة السورية لم تعد آمنة على الاطلاق.
العاصمة السورية تغيرت بشكل جذري في العامين الماضيين، من عاصمة مغلقة امام عمليات التفجير لعدة سنوات، الى مدينة الرسائل المتفجرة، وصراع عدة استخبارات دولية، وجماعات إرهابية مسلحة، وهناك ثلاثة احتمالات تحدد الجهات التي تقف خلف هذه الانفجارات المتصاعدة:
أولا: دولة الاحتلال الإسرائيلي التي باتت ترى في الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار في سورية خطرا كبيرا عليها، كما أصيبت بنكسة كبرى من جراء رفض حكومة دمشق تنفيذ الاملاءات الامريكية والإسرائيلية بإرسال قواتها الى لبنان للمشاركة في مشروع نزع سلاح “حزب الله” جنبا الى جنب مع الجيشين الإسرائيلي واللبناني، ولم يأت هذا الموقف السوري حرصا على “حزب الله”، وانما خوفا من السقوط في مستنقع دموي ضخم لن تستطيع الخروج منه.
ثانيا: ان يكون تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) الذي تصاعدت انشطته في الفترة الأخيرة في مناطق عديدة من سورية، وخاصة حمص وحلب والرقة ودير الزور، هي التي تقف خلف هذه الانفجارات، وان قيادتها قررت نقل الانفجارات الى قلب العاصمة.
ثالثا: ان يكون التفجير الاخير الثاني، البدائي التركيب، والطفيف بالخسائر البشرية وبشكل متعمد، هو قمة جبل الثلج لحالة الغضب المنتشرة حاليا في المجتمع السوري من جراء تدهور الأحوال المعيشية، وبصورة أسوأ بكثير مما كان عليه في ظل النظام السابق، وبعد رفع الحصار الخانق، ومن غير المستبعد ان يكون انصار لذلك النظام، وما أكثرهم، قرروا التحرك في الميدان، وعلينا ان نتذكر ان هناك اكثر من نصف مليون منهم كانوا في الجيش وأجهزة الامن، علاوة على ضعفي هذا الرقم من موظفي الدولة، وجرى القذف بهم الى الشوارع دون أي وظائف او عمل، او حتى معاشات تقاعد معقولة توفر لأسرهم لقمة العيش.
***
من الصعب علينا تحديد الجهة التي تقف خلف ظاهرة التفجيرات المتصاعدة التي انتقلت فجأة الى العاصمة السورية، ولكننا وللمرة الثانية نرجح، ووقوف “الموساد” واجهزة المخابرات الإسرائيلية الأخرى وعملاؤها خلفها، بعد سلسلة الهزائم الاستراتيجية الكبرى التي لحقت بهذا الكيان في الحرب الأخيرة مع ايران وحزب الله، فالصواريخ الإيرانية المتطورة دمرت هيبة الجيش الإسرائيلي، وأنهت غطرسة حكومته، وهزت تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية، والأخطر من كل ذلك وجود مؤشرات قوية تؤكد عودة المقاومة الوطنية الإسلامية والعروبية، انطلاقا من الجنوب السوري، وهضبة الجولان وجبل الشيخ، وهي عودة قوية جدا قد تؤدي الى عودة قوية لسورية الى محور المقاومة وتزعمه مجددا؟
سورية التي تغيرت.. تتغير وبشكل متسارع وربما عكسيا، ولعل بث أحد الحافلات العامة للنقل الجامعي، أغاني تمجد عهد الأسد في قلب دمشق، مؤشر مهم لا يجب تغافله، وتزامنه مع هذه الانفجارات “فلا يوجد دخان بدون نار”.. والأيام بيننا.
رأي اليوم