وضعت أمام السلطات خارطة تضم نحو 300 مزرعة، يعتقد أنها تخفي أكثر من مجرد أراضٍ زراعية أو استراحات خاصة.
فبحسب معلومات متقاطعة، تحولت هذه المزارع خلال السنوات الماضية إلى مخازن للأموال والأسلحة، وإلى أماكن تُعقد فيها الصفقات بعيدًا عن أعين الدولة.
في المقابل، بدأت القوى الشيعية التي التزمت الصمت خلال الأيام الأولى من مشهد الدبابات في المنطقة الخضراء، تعيد صياغة موقفها تدريجيًا.
وبعد 4 أيام فقط من انطلاق “حملة الفجر”، قدّم “الإطار التنسيقي” مجموعة من الاشتراطات، في وقت بدا فيه أن مقتدى الصدر يحاول إعادة ميزان القوى عبر العودة إلى الشارع، ولكن بطريقة محسوبة.
خارطة الأسرار المدفونة
تقول مصادر مطلعة لـ(المدى) إن الحملة التي انطلقت، الأحد الماضي، من داخل المنطقة الخضراء، لم تعد مقتصرة على بغداد، بل بدأت تتوسع جغرافيًا، مع ورود معلومات تشير إلى أن كثيرًا من الأسرار الكبيرة مدفون داخل مزارع تعود لمسؤولين وشخصيات نافذة.
وبحسب الخطة الأولية، فإن هناك ما يقارب 300 مزرعة، يتركز معظمها في بغداد، يعتقد أنها تضم أموالًا مسروقة وأسلحة تعود إلى فصائل مسلحة ومطلوبين ضمن تلك الجماعات.
ولا تقتصر هذه المزارع على العاصمة، إذ تمتد أيضًا إلى محافظات صلاح الدين ونينوى وواسط وميسان والديوانية وديالى.
وتشير معلومات تسربت نهاية الأسبوع الماضي إلى تنفيذ عملية أمنية في منطقة الدورة، جنوب بغداد، استهدفت السيطرة على مزرعة يعتقد أنها كانت خاضعة لسيطرة إحدى الفصائل المسلحة، الأمر الذي أدى إلى اشتباك مسلح بين القوة المنفذة وعناصر كانت موجودة داخل الموقع.
وتضاربت الروايات بشأن الهدف الحقيقي للعملية. فبينما تحدثت معلومات عن أنها جاءت لملاحقة أحد أبرز قادة الفصائل، الذي تمكن من الفرار خلال أحداث “ليلة الخضراء”، رجحت روايات أخرى أن الهدف كان البحث عن أموال مخبأة داخل المزرعة.
وليس هذا التطور معزولًا عن سياق أوسع. فقد شهدت منطقة الدورة، خلال السنوات الماضية، شكاوى متكررة من نزاعات على الأراضي، كان أحد الفصائل المسلحة طرفًا رئيسيًا فيها، بحسب مصادر محلية.
وتقول المصادر إن “أغلب الصفقات الحساسة التي تجمع رجال أعمال وسياسيين كانت تُعقد داخل هذه المزارع، بعيدًا عن الرقابة الرسمية”، الأمر الذي جعلها تتحول إلى خزائن مغلقة للمال والنفوذ معًا.
من مزرعة الجميلي إلى حملة الفجر
بدأت الحكومة الجديدة أول احتكاك فعلي مع ما بات يعرف داخل الأوساط السياسية بـ”أسرار المزارع”، عندما عثرت السلطات على نحو 20 مليار دينار مدفونة داخل مزرعة تعود إلى عدنان الجميلي، وكيل وزير النفط السابق، في منطقة بيجي بمحافظة صلاح الدين.
وجاء اكتشاف الأموال بعد الاعترافات التي أدلى بها الجميلي، والتي شكلت لاحقًا إحدى الشرارات التي ساهمت في توسيع نطاق حملة الفساد الحالية.
لكن الأموال ليست كل ما تبحث عنه السلطات.
فثمة تقديرات تشير إلى أن جزءًا من أسلحة الفصائل، وربما أموال شركائها أيضًا، لا يزال مخبأً داخل قواعد عسكرية تقع خارج سلطة الدولة الكاملة.
ويقدر محللون عدد القواعد التي تخضع لنفوذ الفصائل المسلحة بنحو 12 قاعدة، تتصدرها منطقة جرف الصخر، التي ينظر إليها باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في معركة الدولة لاستعادة احتكار السلاح.
ويعتقد مراقبون أن جرف الصخر سيكون الاختبار الأبرز لقدرة الزيدي على المضي في مشروع حصر السلاح، خصوصًا مع اقتراب زيارته إلى واشنطن في منتصف الشهر الجاري.
وتستهدف حملة الزيدي، وفق مصادر سياسية، تحقيق هدفين متوازيين: إنهاء النفوذ الإيراني داخل البنية المسلحة، واستعادة الأموال التي يعتقد أنها استخدمت في تمويل الجماعات المسلحة.
وحتى الآن، لم تستعد بغداد سوى نحو مليار دولار، وهو رقم لا يزال بعيدًا جدًا عن التقديرات التي تتحدث عن نحو 200 مليار دولار من الأموال المنهوبة.
ويقول القاضي السابق والمستشار الحكومي الحالي منير حداد إن حجم الأموال التي تعرضت للنهب بعد عام 2003 يقترب من تريليوني دولار.
وفي المقابل، لا يزال ملف السلاح يراوح مكانه، رغم المهلة التي حددها الزيدي لتفكيك الفصائل المسلحة قبل نهاية شهر أيلول المقبل.
لكن السؤال الأبرز يبقى: هل لا يزال الإجماع الشيعي قائمًا خلف الزيدي، أم أن الحملة بدأت تقترب من حدود النفوذ السياسي؟
الصدر يعود.. ولكن بشروطه
يحاول مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، إعادة ضبط ميزان القوى في حملة رئيس الوزراء علي الزيدي، بعدما منحه لقب “جندي الإصلاح”.
وفي المقابل، بدأت أصوات داخل القوى الشيعية ترتفع تدريجيًا، بعد فترة من الصمت والترقب.
فالاعتراضات التي ظلت في الأيام الأولى مجرد همسات خلف الأبواب المغلقة، خوفًا من رد فعل الشارع، بدأت تجد طريقها إلى العلن.
ويرى سياسي شيعي مقرب من “الإطار التنسيقي”، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “هناك اعتراضات داخل القوى الشيعية على الاستخدام غير المبرر للقوة في حملة الفجر”.
وكانت مقاطع الفيديو التي وثقت مداهمات فجر الأحد الماضي، وأظهرت سير الدبابات في محيط المنطقة الخضراء، قد أثارت جدلًا سياسيًا، إذ دفعت بعض القوى إلى تشبيه المشهد بمقدمات انقلاب عسكري.
وفي مقابل تلك الرسائل، اختار الصدر أن يوجه رسالة مختلفة.
دفع مقتدى الصدر أنصاره إلى الشارع مرة أخرى دعمًا لإجراءات الزيدي، لكن ضمن تحرك محسوب اقتصر على صلاة الجمعة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تصعيد محتمل إذا اقتضت تطورات المواجهة ذلك.
وفي خطبة الجمعة الموحدة التي أقيمت في بغداد والمحافظات، حمّل الصدر من وصفهم بـ”الفاسدين” المسؤولية الكاملة عن سلامة المصلحين، وعن سلامة رئيس الوزراء علي الزيدي.
كما دعا أنصاره إلى تنظيم “وقفة سلمية تدعم الإصلاح و(جندي الإصلاح) علي الزيدي، بعد حملة المداهمات التي أرعبت الكثير من الداخل والخارج”، بحسب تعبيره.
وخلال التظاهرات، رفع المشاركون شعارات تؤيد الإصلاح، مؤكدين دعمهم لاستمرار الحملة التي يقودها الزيدي.
وعودة الصدر إلى المشهد لم تكن مفاجئة بالكامل.
فبحسب مصادر سياسية، كان التواصل بين الزيدي والصدر قد بدأ قبل تشكيل الحكومة.
ويقول السياسي الشيعي المقرب من الإطار التنسيقي إن “اقتراب الصدر من الزيدي يثير قلق الجماعات التقليدية داخل الإطار”، مضيفًا أن المخاوف تتزايد من احتمال أن يتحول هذا التقارب إلى شراكة سياسية غير معلنة تمنح الصدر تأثيرًا منفردًا داخل الحكومة.
وفي هذا السياق، بدا حديث نوري المالكي، زعيم “دولة القانون”، عن أن “الإطار مشروع سياسي وطني أثبت نجاحه ولا يوجد ما يدعو إلى التخلي عنه”، في تدوينة عبر منصة “إكس”، رسالة تؤكد التمسك بالإطار، وتستحضر أزمة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2021، حين رفض الإطار انفراد الصدر بالحكم، فيما اختار الأخير الانسحاب من العملية السياسية.
اعتراضات.. ولكن تحت سقف الدعم
ويقول السياسي الشيعي إن الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي مع الزيدي لم يقتصر على مناقشة حملة الفساد، بل تضمن مطالبة رئيس الوزراء بفتح ملفات “تشفي غليل العراقيين”.
وتشمل تلك الملفات، بحسب المصدر، “سرقة القرن”، وصفقات التسليح، وملفات المدارس، والبطاقة التنموية، والحنطة، وملف “الفضائيين” الذي سبق أن تحدث عنه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، إلى جانب ملفات أخرى سبق أن أثيرت خلال السنوات الماضية.
لكن المصدر يرى أن هذه المطالب لا تخلو من أهداف سياسية، معتبرًا أن هناك محاولات لإغراق الحكومة بعدد كبير من الملفات دفعة واحدة، بما قد يؤدي إلى تشتيت جهودها، أو تعجيزها، تحت عنوان توسيع حملة مكافحة الفساد.
ويضيف أن داخل الحكومة نفسها من يقرأ هذه المطالب باعتبارها بداية ظهور اعتراضات سياسية على المسار الذي اختاره الزيدي، وإن كانت لا تزال تقدم نفسها في إطار الدعم، لا المواجهة.
ويستحضر المصدر تجربة احتجاجات تشرين عام 2019، حين التزمت قوى الإطار الصمت في البداية، وساندت المطالب الشعبية، قبل أن تبدأ تدريجيًا بالتحفظ على مسار الاحتجاجات، ثم تنقلب عليها بصورة كاملة لاحقًا.
ويرى أن المشهد الحالي قد يعيد إنتاج السلوك السياسي نفسه، وإن كان في ظروف مختلفة.
غطاء سياسي.. لا شيك على بياض
ورغم الحديث عن تباين داخل القوى الشيعية بشأن حملة “الفجر”، تؤكد قوى في “الإطار التنسيقي” أن خلافها لا يتعلق بمكافحة الفساد، بل بآليات إدارة الحملة.
ويقول خالد وليد، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، إن ما يجري يمثل فرصة لاستعادة ثقة المواطنين بالدولة، شرط أن تشمل الحملة جميع ملفات الفساد منذ عام 2003 من دون انتقائية.
ويؤكد لـ(المدى) أن الفساد كان محميًا بمنظومة المحاصصة والتخادم السياسي، وأن ائتلافه يدعم القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، داعيًا إلى تدقيق شامل لملفات الحكومات المتعاقبة. ويضيف أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من داخل مؤسسات الدولة، بما يعيد هيبتها ويعزز سيادة القانون وحماية المال العام.
ويشدد وليد على أن الإطار التنسيقي سبق أن وفر الغطاء السياسي الكامل للزيدي في ملف حصر السلاح، وهو اليوم يقدم الغطاء نفسه في ملف مكافحة الفساد، داعيًا إلى عدم الاكتفاء بما تحقق حتى الآن.
الوثيقة