يعد تشييع المرشد الأعلى الشهيد علي خامنئي في العراق خطوة تاريخية وغير مسبوقة. فطوال التاريخ، ولا سيما خلال المئة عام الأخيرة من تاريخ إيران، لم يسبق أن تم تشييع حاكم إيراني ليس فقط داخل بلاده بمراسم مهيبة، بل أيضًا خارج حدودها .
وكتب موقع دبلوماسي إيراني في مقال: لنتصور قبل ثلاثة عقود، في زمن كان فيه صدام حسين، الدكتاتور العراقي المخلوع، يحكم البلاد، وكانت الأجواء السياسية في العراق شديدة العداء لإيران. حينها كان صدام حسين يتفاخر أمام الدول العربية ويزعم أن بلاده تشكل السدّ المنيع في وجه النفوذ الإيراني في العالم العربي. في ذلك الوقت لم يكن أحد يتصور أن يأتي يوم يُشيَّع فيه جثمان قائد إيران، ليس فقط داخل بلاده، بل أيضًا في العراق.
يمكن النظر إلى تشييع المرشد الراحل للثورة الإسلامية في العراق من ثلاثة زوايا:
أولًا، إن العالم الشيعي قد وصل إلى درجة من القوة والتماسك، بحيث يُشيَّع مرجعه الديني والسياسي، الذي يشغل إضافة إلى مكانته الدينية أعلى منصب سياسي، في الأماكن المقدسة للشيعة. ويُذكر في هذا السياق أن النجف وكربلاء والكاظمية وقم ومشهد تُعد من أهم المراقد المقدسة لدى الشيعة، وأن تشييع أعلى مقام سياسي وديني في العالم الشيعي فيها يعكس وحدة المجتمع الديني والسياسي الشيعي أمام العالم.
ثانيًا، من خلال هذا الإجراء، تثبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية للعالم أن نفوذها الإقليمي قد ترسخ. خصوصًا أنها خلال عام واحد خاضت حربين دوليتين مهمتين بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبمشاركة بعض الدول العربية والأوروبية، وتمكنت من تجاوزهما. وبهذا، تؤكد الجمهورية الإسلامية انتصارها السياسي وتثبّت تفوقها في مواجهة خصومها.
ثالثًا، لم يعد بإمكان أحد الادعاء بأن إيران دولة ضعيفة من الناحية الجيوسياسية، إذ إنها تمكنت بشجاعة من تنظيم أحد أهم أحداثها السياسية بعد تجاوز أخطر تهديد أمني واجهته، بل ووسّعت هذا الحدث بثقة إلى خارج حدودها.
ولا ينبغي إغفال أن أعداء العالم الشيعي قبل نحو عشر سنوات، وتحديدًا في إطار تنظيم داعش، حاولوا إضعاف المجتمع السياسي الشيعي، وفرضوا عليه تكاليف بشرية ومادية كبيرة. أما اليوم فقد أصبح هؤلاء الأعداء أضعف إلى درجة أنهم يقبلون بالواقع الجديد، ويجدون أنفسهم مضطرين لمشاهدة تشييع أعلى مرجعية سياسية دينية شيعية في أماكنها المقدسة وبصورة موحدة.
إن هذا الحدث سيُسجَّل في الذاكرة التاريخية لإيران، ومن دون شك سيشكل صفحة جديدة في مستقبلها السياسي. ولهذا السبب تحديدًا مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على قادة دول أخرى لعدم السفر إلى طهران وعدم المشاركة في هذا الحدث التاريخي، بينما رفض بعض القادة السياسيين، خصوصًا من الدول المجاورة، تلك الضغوط، وشاركوا على أعلى مستوى في مراسم التشييع وأدّوا الاحترام لمقام الولاية.
إن تشييع المرشد الراحل للجمهورية الإسلامية في إيران والعراق يحمل رسالة سياسية مهمة ستصل أصداؤها إلى عواصم العالم، وهو إنجاز تدرك طهران أن خصومها سيعملون على مواجهته، ما يستوجب الحذر واليقظة.
المسلة