وصل جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، الذي لقي حتفه في اللحظات الأولى للحرب في فبراير/شباط الماضي، إلى مصلى الإمام الخميني في طهران، وفقا لوكالة أنباء مهر الإيرانية.
وكان أول برنامج لتوديع “سيد شهداء إيران” قد أقيم مساء أمس الخميس، بعد صلاتي المغرب والعشاء، وذلك بمراسم وداع جمع من عائلات “شهداء الحربين المفروضتين الثانية والثالثة”، و”عائلات شهداء مكتب مقام القائد الأعلى وعائلات شهداء فيلق حماية ولي الأمر”، وذلك في “مقتل الإمام الشهيد”، وفقا لما ذكرته الوكالة الإيرانية.
ومن المقرر أن تبدأ مراسم الوداع التي تستمر يومين مع جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل، ابتداءً من صباح يوم السبت، بمشاركة واسعة من المعزين من جميع أنحاء البلاد، في مصلى طهران.
أسبوع حداد عام
وقال آية الله محمد سعيدي، إمام صلاة الجمعة في قم، لوسائل الإعلام الحكومية “إن الإقبال الجماهيري الكبير على المشاركة في مراسم جنازة الزعيم الشهيد والشهداء الآخرين سيكون، في الواقع، استفتاء آخر على الجمهورية الإسلامية”.
وإذا كانت السلطات تنظر إلى الأمر على أنه استفتاء، فإنها لا تترك النتيجة للصدفة. فهي تأمل في حشد ملايين المؤيدين لتكتظ بهم مدن إيران، مع توفير وسائل النقل والإقامة والطعام لهم، لإعلان قوة دولتهم الدينية بعد أن نجت مما اعتبروه حربا وجودية.
وتشكل وفاة خامنئي، وخلافة ابنه مجتبى له في موقع الزعيم الأعلى الثالث لإيران، في خضم صراع مع أكبر أعدائها، لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية على مدى 47 عاما. ولم يظهر مجتبى، الذي أصيب بجروح خطيرة في الهجوم الذي أودى بحياة والده، في أي صور جديدة منذ بدء الحرب.
والآن، تسود طهران أجواء من التوتر والهدوء، في تباين صارخ وحاد مع جنازة الزعيم الأعلى الأسبق قائد الثورة آية الله روح الله الخميني.
في ذلك الوقت، احتشد الملايين وهم يبكون حول موكب الجنازة، وصعد بعضهم على سيارة الإسعاف، حيث كانت ساق الزعيم المتوفى مكشوفة من كفنه بينما كان الحرس الثوري يكافح لإبعاد الحشود.
وقالت سميرة، البالغة من العمر 35 عاما، والتي يمتلك زوجها مطعما في طهران، إن عائلتها لا تنوي حضور أي فعاليات تخص الجنازة، وإنها ستغادر طهران لقضاء الأسبوع خارج المدينة. وأضافت: “يبدو الأمر وكأن الحياة توقفت، وأفراد الباسيج في كل مكان”، في إشارة إلى قوة تطوعية تابعة للحرس الثوري.
مسيرات حاشدة في عدة مدن
في النظام الديني الإيراني، لم يكن خامنئي رئيسا للدولة وقائدا لحركة ثورية فحسب، بل كان أيضا ممثلا للإمام الغائب، وهو الإمام الثاني عشر الذي يقول الشيعة إنه اختفى في القرن التاسع. ويُعد مقتل خامنئي في هجوم للأعداء نموذجا يرسخ التقاليد الشيعية في الاستشهاد والحداد، حيث تُقام مسيرات يشارك فيها شيعة متشحون بالسواد.
وتتجلّى هذه الرمزية القوية في الرايات السوداء المُعلقة في شوارع المدينة منذ وفاته، وفي مراسم الحداد التي تستحضر وفاة الإمام الحسين، ثالث أئمة الشيعة.
ويعلق العمال ملصقات جديدة في طهران تُعلن الدعم للقائد الجديد مجتبى، مع صور خامنئي الراحل وقبضة ثورية مرفوعة في الخلفية.
بالنسبة لأنصار الجمهورية الإسلامية، فإن الحديث عن الاستشهاد ليس مجرد كلام. قال محسن (24 عاما) وهو عضو في قوات الباسيج في طهران، طلب عدم ذكر اسم عائلته “هذه أصعب أيام حياتي”. وأضاف: “لا أتذكر وقت وفاة الإمام الخميني، لكن والدي يقول إن البلاد بأكملها كانت غارقة في الحزن والحداد. واليوم أيضا، الناس في حزن، خصوصا مع استشهاد قائدنا”.
وسيقدم مسؤولون وشخصيات أجنبية بارزة، من بينهم شخصيات من روسيا والصين، التعازي في فعاليات يوم الجمعة. ويوم السبت، سيُنقل جثمان خامنئي إلى أحد مساجد طهران في أول محطة من جولة جنائزية في أنحاء الوطن. وسيُحمل معه جثمان ابنته وزوجها وحفيدته، بالإضافة إلى زوجة الزعيم الجديد، مجتبى، الذين قُتلوا جميعا في نفس الغارة.
وتقدم الفنادق خصومات بنسبة 50 بالمئة، وتم تجهيز المدارس والمساجد والصالات الرياضية لاستقبال المشيعين، كما تم تحويل مسارات الحافلات والقطارات لخدمة الفعاليات الرئيسية. وبعد ما تصفه السلطات بموكب جنائزي ضخم في وسط طهران يوم الاثنين، سيُنقل الجثمان إلى مدينة قم، مقر الحوزات العلمية ومركز القيادة الشيعية في إيران، لإقامة مراسم يوم الثلاثاء. ثم تُقام مراسم أخرى في مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين يوم الأربعاء بحضور شخصيات بارزة من شبكة الوكلاء الشيعية. وسيُدفن يوم الخميس، بعد موكب جنائزي آخر، في مشهد بالقرب من ضريح الإمام الرضا، ذي المكانة المرموقة في إيران.
وستشدد الإجراءات الأمنية، مع فرض قيود مؤقتة على المجال الجوي فوق طهران ومدن أخرى، وتهديدات برد قوي إذا استأنفت الولايات المتحدة أو إسرائيل الهجمات.
وقال حسين خيري، (63 عاما)، وهو جندي مخضرم شارك في حرب العراق التي دارت بين عامي 1980 و1988، وهو واقف تحت صورة لخامنئي في طهران: “إننا نظهر قوتنا لأمريكا وللآخرين بطريقتنا الخاصة”.