You are currently viewing الصحافة الفرنسية: هذا ثمن الاتفاق الذي دفعه ترمب للإيرانيين

الصحافة الفرنسية: هذا ثمن الاتفاق الذي دفعه ترمب للإيرانيين

“ترمب وحربه وفشله الذريع”، “ثمن عمى بصيرة الرئيس”، “الهاوية فاغرة فاها”، “عالم مقلوب”، “إسرائيل تدفع الثمن الأكبر”، “إيران هي المنتصر في نهاية المطاف”.. تلكم هي بعض عناوين الصحافة الناطقة باللغة الفرنسية تعليقاً على الاتفاق الذي توصلت إليه طهران وواشنطن لإنهاء الحرب أواخر فبراير/شباط 2026.

وبينما رحبت معظم افتتاحيات هذه الصحف بوقف القتال وتراجع خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، فقد أجمعت على أن الثمن السياسي والإستراتيجي الذي دفعته الولايات المتحدة كان كبيراً، ورأت أن الاتفاق لا يرقى إلى الأهداف التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عند بدء الحرب.

ولئن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سارع إلى تسويق الاتفاق بوصفه “انتصاراً تاريخياً” يضمن تدفق النفط، وأعلن عن رفع الحصار البحري وإعادة فتح  مضيق هرمز فإن القراءة التحليلية لهذه الصحف جاءت مغايرة تماماً.

واتفقت صحف لوموند ولوفيغارو ولاكروا وليبراسيون الفرنسية وصحيفة لوتان السويسرية على أن ترمب “يبيع الوهم وأن المنتصر الحقيقي هو إيران”.

واعتبرت هذه الصحف أن تباهي ترمب بإعادة فتح مضيق هرمز هو مفارقة مضحكة، لأن المضيق لم يغلق أساساً إلا بسبب المغامرة العسكرية الأمريكية، وبالتالي فإن الإنجاز الوحيد لترمب هو حل مشكلة هو من خلقها.

تباهي ترمب بإعادة فتح مضيق هرمز هو مفارقة مضحكة، لأن المضيق لم يغلق أساساً إلا بسبب المغامرة العسكرية الأمريكية، وبالتالي فإن الإنجاز الوحيد لترمب هو حل مشكلة هو من خلقها

ولفتت إلى أن الاتفاق أغفل تماماً القضايا الجوهرية، فلا هو نزع سلاح إيران الباليستي، ولا هو حد من نفوذ أذرعها  كحزب الله، بل إن مخزونها من اليورانيوم المخصب، الذي كان ذريعة للحرب، بقي آمناً في خنادقها المحصنة.

وأجمعت كذلك على أن واشنطن تخلت عن الشعب الإيراني الذي جرى تحريضه على الثورة قبل أن يترك لقمة سائغة لنظام بات أكثر راديكالية، كما أن لبنان استمر رهينة، في حين تُركت إسرائيل تواجه تبعات الفشل الإستراتيجي بمفردها، وفقاً لهذه الصحف.

وأوضحت أن هذا الاتفاق هو مجرد “مذكرة تفاهم” تمدد وقف اطلاق النار الهش لمدة 60 يوماً لبدء مفاوضات تقنية معقدة، مما يمنح طهران فرصة ذهبية للمماطلة.

ورأت لوموند في افتتاحيتها أن ترمب بشروط هذا الاتفاق يدفع “ثمن عمى بصيرته”، وأن الحرب أثبتت عقم السياسة الخارجية لترمب القائمة على ازدراء الحلفاء.

وأبرزت أن الرئيس الأمريكي ذهب إلى قمة مجموعة السبع (جي 7) في إيفيان بفرنسا مثقلاً بالفشل، ولو كان استمع لحلفائه الأوروبيين لجنّب نفسه هذا المأزق، على حد قولها.

وربطت الصحيفة بين “العمى الإستراتيجي” لترمب في إيران وفي أوكرانيا، مشيرة إلى أن اعتقاد ترمب بأن قطع المساعدات عن كييف سينهي الحرب  كان خطأً فادحاً، مشيرة إلى أن مرونة إيران وحرب المسيرات الأوكرانية كشفتا حدود القوة الأمريكية.

مضيق هرمز (مارين ترافيك)
قد يشهد مستقبلاً فرض “رسوم مرور” لصالح طهران ومسقط (مارين ترافيك)

وبدورها ركزت لوفيغارو على ثمن هذه الحرب، مبرزة ان ترمب وبوتين في خندق واحد وإسرائيل تدفع الثمن الأكبر.

وساق الكاتب فيليب جيلي في هذه الصحيفة مقارنة مثيرة، معتبراً أن دونالد ترمب يجد نفسه اليوم في مواجهة إيران في نفس الموقف الذي يواجه فيه فلاديمير بوتين أوكرانيا، من حيث العجز عن تحقيق الأهداف العسكرية واللجوء مجبرين للحلول التفاوضية، لكنه أشاد بـ “براغماتية” ترمب في اعترافه بالخسارة ووقف النزيف المالي.

وانفردت الصحيفة بالإشارة إلى “العالم المقلوب” الذي خلفته الحرب، حيث بات ترمب يهاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويصفه بالرجل “الصعب وغير اللبق”، في حين يكيل المديح للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي واصفاً إياه بـ “البراغماتي”.

كما حذرت الصحيفة من أن مضيق هرمز قد يشهد مستقبلاً فرض “رسوم مرور” لصالح طهران ومسقط.

الفشل في هذه الحرب سيظل يطارد نتنياهو في حملته الانتخابية المقبلة، بعد أن وعد الإسرائيليين بالقضاء على التهديد الوجودي الإيراني ليعود بـ “خُفي حنين” وتخلٍّ واضح من واشنطن

أما لوتان السويسرية فذهبت إلى خلاصة أكثر حدة، معتبرة أن إيران هي التي انتصرت في نهاية المطاف.

وركزت الصحيفة على التداعيات الداخلية العنيفة للاتفاق على إسرائيل، موضحة أن الفشل في هذه الحرب سيظل يطارد نتنياهو في حملته الانتخابية المقبلة، بعد أن وعد الإسرائيليين بالقضاء على التهديد الوجودي الإيراني ليعود بـ “خُفي حنين” وتخلٍّ واضح من واشنطن.

وحذرت الصحيفة من سيناريو بديل وخطير، حيث رجحت أن تحاول حكومة نتنياهو التعويض عن إخفاقها الإستراتيجي أمام إيران عبر تصعيد عسكري “أكثر شراسة وبشكل سري” ضد  قطاع غزة ولبنان، للتغطية على هزيمتها الدبلوماسية ولمعالجة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تهشمت.

الخطورة الحقيقية للاتفاق تكمن في أن إيران أثبتت إستراتيجياً وعملياً قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو سلاح نظري طالما لوحت به لعقود

أما ليبيراسيون فقدمت تحليلاً هيكلياً أكثر عمقاً لطبيعة الفشل الإستراتيجي لواشنطن، مشيرة إلى أن الخطورة الحقيقية للاتفاق تكمن في أن إيران أثبتت إستراتيجياً وعملياً قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو سلاح نظري طالما لوحت به لعقود.

ISLAMABAD, PAKISTAN - APRIL 12: Jared Kushner, left, and Steve Witkoff, Special Envoy for Peace Missions listen as Vice President JD Vance speaks during a news conference after meeting with representatives from Pakistan and Iran, April 12, 2026 in Islamabad, Pakistan. (Photo by Jacquelyn Martin - Pool/Getty Images)
ترمب اعتمد على ويتكوف وكوشنر في مفاوضات إيران (غيتي إيميجز)

وقالت إنه بات اليوم ورقة ضغط نفسية وعسكرية لن تتخلى عنها، بل ستعيد بناء ترسانتها من الصواريخ والمسيرات انطلاقاً من هذه التجربة.

ونقلت الصحيفة عن خبراء ومسؤولين أمريكيين سابقين، مثل السفير إيفو دالدر والمؤرخ فيلبس أوبراين، قولهما إن الحرب أظهرت أمريكا كقوة “أميّة إستراتيجياً” تعتمد على الغطرسة والارتجال.

ترمب فضل غريزته ونصائح كوشنر وويتكوف على تقارير وكالات استخباراته ووزير خارجيته روبيو التي حذرت من الحرب، لتنتهي المغامرة بـ “أكبر خطأ إستراتيجي لواشنطن منذ الحرب العالمية الثانية.

وفسرت ذلك بالقول إن ترمب فضل غريزته ونصائح صهره جاريد كوشنر ومستشاره ستيف ويتكوف على تقارير وكالات استخباراته ووزير خارجيته ماركو روبيو التي حذرت من الحرب، لتنتهي المغامرة بـ “أكبر خطأ إستراتيجي لواشنطن منذ الحرب العالمية الثانية” وسط ابتهاج صيني برؤية تعثر منافسها النظامي.

وأكدت ليبراسيون أن هذا الاتفاق يمثل “مخرجاً” لإدارة ترمب أكثر مما يمثل انتصاراً دبلوماسياً.

Symbolic mockups of Iranian missiles are displayed, on a street in Tehran, Iran, June 11, 2026. Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. ISRAEL OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN ISRAEL. NO ACCESS FOR ISRAELI MEDIA. NO USE BBC PERSIAN. NO USE VOA PERSIAN. NO USE MANOTO. NO USE IRAN INTERNATIONAL. NO USE RADIO FARDA. DIGITAL: NO USE BBC PERSIAN. NO USE VOA PERSIAN. NO USE MANOTO. NO USE IRAN INTERNATIONAL. NO USE RADIO FARDA.
عرض نماذج رمزية لصواريخ إيرانية في أحد شوارع طهران، إيران، في 11 يونيو/حزيران 2026. (رويترز)

في المقابل اتخذت لاكروا مقاربة مختلفة حيث أضفت طابعاً أخلاقياً وإنسانياً على الحدث، مذكّرة بأن الاتفاق يظل مجرد خطوة أولى، وأن السلام الحقيقي لا يتلخص في إسكات السلاح أو التوازن الهش بين قوتين متعاديتين.

ودعت الصحيفة إلى أن تلتفت المفاوضات المقبلة نحو “الخير العام” والعدالة، ورفع المعاناة الاقتصادية والإنسانية الشديدة التي وصفتها بالجحيم عن شعوب المنطقة.

والمتتبع لمختلف هذه التعليقات يخرج بنتيجة مفادها أن هذا الاتفاق ينبغي النظر إليه بوصفه خطوة كانت ضرورية لإنهاء حرب مكلفة، لكنه رغم ذلك يعكس تراجعاً أمريكياً عن أهداف طموحة لم تتحقق، ويمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، فيما تبقى القضايا الأساسية التي فجرت الصراع معلقة بانتظار جولات تفاوضية جديدة.

المصدر: لاكروا + لوفيغارو + ليبراسيون
شارك المقالة