تشن إسرائيل دون توقف هجمات تستهدف فيها النازحين المدنيين في قطاع غزة، دون سبب، وإنما لمجرد القتل. ويوم الإثنين الماضي، استشهد ستة مدنيين غزيين وأصيب آخرون في هجمات كهذه، بينهم شهيدان في مخيم للنازحين في منطقة المواصي في خان يونس، وثلاثة شهداء بينهم طفل في الثامنة من عمره في غارة جوية على مخيم جباليا، وشهيد في غارة جوية على دير البلح.
وذكرت وكالة “رويترز”، نقلًا عن سكان في قطاع غزة، أن الجيش الإسرائيلي وسع المنطقة التي يسيطر عليها في القطاع. وذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن الهجمات الإسرائيلية تتواصل في أنحاء قطاع غزة، وأن هذه الهجمات تصاعدت منذ عيد الأضحى، وأسفرت عن 981 شهيدًا و3104 إصابات منذ بدء وقف إطلاق النار، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وحتى أول من أمس الأربعاء، وفقًا لإحصائيات متطابقة للأمم المتحدة ووزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
آثار الدمار في غزّة قرب “الخطّ الأصفر” (Getty)
ووثق تقرير للأمم المتحدة، منذ مطلع العام الحالي، 12 هجومًا على موظفي حكم محلي، ما أسفر عن استشهاد عشرات من أفراد الشرطة والمدنيين والأطفال، وأكد التقرير أن الهجمات المتعمدة ضد أفراد شرطة مدنيين هي جريمة حرب.
في موازاة ذلك، تعمق إسرائيل سيطرتها في قطاع غزة بما يتجاوز “الخط الأصفر”، الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بعد اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويشكل 53% من مساحة القطاع، فيما يطلق الجيش الإسرائيلي النار على أي مواطن غزي يقترب منه، ما تسبب باستشهاد مئات الغزيين.
وأدت السيطرة الإسرائيلية على “الخط الأصفر” إلى تجميع مليوني نسمة من سكان القطاع في منطقة صغيرة تقل عن 47% من مساحة القطاع، في ازدحام شديد وظروف إنسانية مأساوية للغاية، وتعريضهم لمخاطر انتشار الأمراض. كما أن الجيش الإسرائيلي يمنع الغزيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية التي بإمكانها أن تشكل مصدرًا للغذاء في ظل الكارثة الإنسانية الحاصلة.
إضافة إلى “الخط الأصفر”، تفرض إسرائيل في القطاع ما تصفه بأنه “الخط البرتقالي”، الذي يسيطر على 11% أخرى من مساحة القطاع. وتطالب إسرائيل منظمات الإغاثة الدولية التي توزع مساعدات إنسانية بالحصول مسبقًا على تصريح لدخول هذه المنطقة، الأمر الذي يضر بعملها.
وبذريعة التصعيد العسكري مع إيران، أغلقت إسرائيل جميع المعابر مع القطاع، وبضمنها معبرا كرم أبو سالم لعبور البضائع، ورفح لعبور الأفراد، وخاصة المرضى المتجهين إلى مصر والعائدين منها، واللذان كانا الوحيدين اللذين يعملان.
وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مؤخرًا، أن إسرائيل ستوسع سيطرتها من 64% إلى 70% من مساحة القطاع، والتي ستكون مناطق يُحظر دخول الغزيين إليها، ما يعني أن الكارثة الإنسانية ستتفاقم.
ويبدو أن توسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية في القطاع يندرج ضمن خطة أوسع مما كان يُعتقد حتى الآن، وتقضي باستمرار تضييق المساحة التي يتكدس فيها النازحون الغزيون إلى درجة ألا تتسع لهم، ويصبحون مرغمين على مغادرة قطاع غزة، تحت غطاء “غبار المعارك” في لبنان وإيران، التي صرفت أنظار العالم عن الإبادة المستمرة في غزة.
وهذا التحليل تدعمه تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول استعدادات الجيش الإسرائيلي لاستئناف الحرب في غزة، بذريعة أن حماس استغلت الأشهر الأخيرة كي ترمم قدراتها العسكرية والتنظيمية، وأن لدى حماس حاليًا حوالي 20 ألف مقاتل. لكن ليس بالضرورة أن تكون هذه التقارير صحيحة، إذ كيف بإمكان إسرائيل أن تعلم بعدد مقاتلي حماس، حتى لو كان هناك جواسيس لها داخل القطاع؟ وإسرائيل معروفة بنشر أكاذيب مضللة كهذه في الحروب، وأحيانًا تستخدم وسائل إعلام أجنبية أيضًا.
وحسب هذه التقارير، فإن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، صادق في الأسابيع الأخيرة على خطط عسكرية قدمها قائد القيادة الجنوبية للجيش، يانيف عاسور، في إطار مداولات حول استئناف التوغل البري في القطاع من أجل نزع سلاح حماس.
ونتنياهو هو الذي طلب إعداد الخطط العسكرية لاستئناف الحرب بشكل واسع في القطاع، لكنه لم يصادق عليها حتى الآن، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية. ويقول ضباط إسرائيليون إنه في حال صادق نتنياهو على الخطط، فإن القوات الإسرائيلية ستتوغل إلى مخيمات اللاجئين في وسط القطاع ومناطق واسعة في مدينة غزة وإلى منطقة المواصي، حيث تتجمع أعداد كبيرة من النازحين.
واستئناف التوغل البري للجيش الإسرائيلي له معنى واحد، وهو تعميق الإبادة الجماعية، ولكن ليس مثلما نُفذت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما كان لا يزال الغزيون في أماكن سكنهم في أنحاء القطاع، وإنما ستكون الإبادة الآن ضد سكان غزة وجميعهم نازحون يتكدسون في منطقة تقل مساحتها عن 30% من مساحة القطاع، ولا يسكنون في مبانٍ وإنما في خيام لن تؤويهم من نيران الجيش الإسرائيلي وزحف دباباته، وهذا كله وهم محاصرون وفي وضع لا يوجد فيه مكان بإمكانهم النزوح إليه.
إرهاب الاحتلال والمستوطنون أداة التنفيذ
مصطلح إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية ليس دقيقًا، وإنما هو أوسع من ذلك، والمستوطنون هم أداة بيد الاحتلال. فالمستوطنون هم الذين يرتكبون العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين، بالاعتداء عليهم وعلى أملاكهم وإطلاق النار عليهم، وفي حالات كثيرة قتل فلسطينيين، لكن الدولة هي التي تسلحهم وتسمح لهم بإقامة بؤرهم الاستيطانية وتربطها بشبكات الكهرباء والمياه والشوارع، ووحدات في جيشها تشارك في العمليات الإرهابية، كما أن الدولة لا تحاسب ولا تحاكم المستوطنين ولا الجنود بسبب ارتكابهم العمليات الإرهابية.
ووفقًا لمنظمات حقوق إنسان إسرائيلية وخبراء قانونيين، فإن ما يسمى “وحدات الدفاع اللوائية” في قوات الاحتياط الإسرائيلية، التي تعرف اختصارًا باسم وحدات “هاغمار”، “تطمس الفروق بين المستوطنين وعناصر الجيش”، وتؤكد أن هذه الوحدات تستخدم صلاحيات الجيش من أجل تشديد عنف المستوطنين، وتفلت من المحاكمات.
ومن الناحية الرسمية، تتمثل مهمة هذه الوحدات في مواجهة أحداث أمنية في المستوطنات التي تتواجد فيها وحولها، والجنود فيها هم مستوطنون يخدمون في قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي.
وأفادت منظمة “ييش دين” الحقوقية بأن جنود وحدة “هاغمار” أطلقوا النار وقتلوا سبعة فلسطينيين خلال الحرب على إيران وحدها، التي استمرت 40 يومًا.
وادعى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، في آذار/مارس الماضي، أنه يندد بعنف المستوطنين، الذي لا يصفه بأنه إرهاب، لكن هذا “التنديد” جاء بعد اعتداء مستوطنين على جنود إسرائيليين، وهي اعتداءات متكررة.
لكن منظمات حقوقية قالت إن “تنديد” زامير ليس كافيًا، وأن عليه أن يفعل أكثر من ذلك كي يلجم وحدات مثل “هاغمار”، التي يسلحها الجيش وتعمل تحت هرميته القيادية، وأنها ليست وحدات فشلت في منع إرهاب المستوطنين فقط، وإنما شاركت بنفسها في الاعتداءات الإرهابية في حالات كثيرة، أو امتنعت عن منع هجمات مستوطنين كانت تحدث أمام أنظارها.
ونقل تقرير لمنظمة “ييش دين” عن جندي إسرائيلي قوله: “إنهم يرتدون زي الجيش، ويحملون بنادق M16، ويحضرون إلى مواقع اعتداءات المستوطنين على فلسطينيين، وواضح إلى جانب من هم يقفون، وواضح أنهم لا يترددون في استخدام سلاحهم وإخافة الفلسطينيين”. وبعد ذلك تعتقل قوات هذه الوحدة الفلسطينيين الذين تم الاعتداء عليهم.
وتقول منظمات حقوقية إسرائيلية إن المستوطنين المتطرفين ينسقون فيما بينهم حملة رعاة الماشية. ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، في آذار/مارس الماضي، فإنه تم طرد قرابة 1700 فلسطيني من بيوتهم منذ بداية العام الحالي، وأن 38 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا فرغت من سكانها كليًا منذ العام 2023.
واتسعت مهمات وحدة “هاغمار” في الضفة الغربية بشكل كبير منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما نقل الجيش الإسرائيلي الوحدات النظامية وقوات الاحتياط إلى قطاع غزة، وتم نشر آلاف المستوطنين الذين تم استدعاؤهم إلى قوات الاحتياط في الضفة.
إثر ذلك، كلف الجيش الإسرائيلي وحدة “هاغمار” بتنفيذ دوريات عسكرية خارج المستوطنات، وعند الحواجز العسكرية، وشاركوا في عمليات عسكرية واقتحام قرى فلسطينية، وفقًا لمنظمة “ييش دين”. وأدى ذلك إلى وضع يعمل فيه مستوطنون متطرفون ضد الفلسطينيين فيما هم مسلحون ويستمدون صلاحيات من الجيش، لكنهم معفيون من المحاسبة على جرائمهم، “وإسرائيل لا تريد اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم”.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن إرهاب المستوطنين المتصاعد هو نتيجة مباشرة لدعم الحكومة للمشروع الاستيطاني، تحت صلاحيات وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي يتولى أيضًا منصب وزير في وزارة الأمن، ما يمنحه تأثيرًا هائلًا على السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وبضمن ذلك توسيع المستوطنات وإقامة عشرات البؤر الاستيطانية وشرعنة 103 بؤر بين نهاية العام 2022 وحتى نيسان/أبريل 2026.
ووحدة “هاغمار” ليست الوحيدة التي تشارك في إرهاب الدولة في الضفة، إذ اتُّهم جنود من سكان المستوطنات ومن سكان إسرائيل بالاعتداء والتنكيل بفلسطينيين في الضفة. وفي آذار/مارس الماضي، أمر زامير بتوقف وحدة “نيتساح يهودا”، التي تضم جنودًا متطرفين، عن تنفيذ مهام عسكرية في الضفة، بعد أن تم توثيق اعتداء جنودها على طاقم شبكة CNN، وهم يصرخون أن الضفة كلها لليهود.
وجندت وحدة “حدود الصحراء” ناشطين في التنظيم الاستيطاني الإرهابي “شبيبة التلال”، وزعم الجيش الإسرائيلي وقادة المستوطنين أن تجنيدهم جاء من أجل أن يفرغوا طاقتهم في “أطر قانونية تخضع للطاعة العسكرية”. وأوقف الجيش عمليات هذه الوحدة بعد توثيق عدد كبير من الاعتداءات على مواطنين فلسطينيين.
عرب48
لتهجير الغزيين من القطاع؟ الجيش الإسرائيلي يستعد لاستئناف حرب الإبادة في غزة