إلى متى يُطلب من العراقيين أن يتحملوا ما يبدو بشكل متزايد أنه سوء إدارة صارخ وشبهات فساد داخل هيئة الإعلام والاتصالات؟ إن استمرار غياب المساءلة في واحدة من أهم المؤسسات الإيرادية في البلاد لم يعد مجرد أمر مقلق، بل أصبح غير مقبول على الإطلاق.
تأسست هيئة الإعلام والاتصالات بعد عام ٢٠٠٣ لتنظيم قطاعي الاتصالات والإعلام في العراق، وهو قطاع يفترض أن يكون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. ففي العديد من الدول، يأتي قطاع الاتصالات في المرتبة الثانية بعد النفط من حيث الإيرادات. إلا أن العراق فشل في تحقيق هذا الإمكان، ليس بسبب نقص الموارد، بل نتيجة التدخلات السياسية المستمرة وضعف القيادة.
إن التعيينات الأخيرة في قيادة الهيئة تثير تساؤلات جدية. فقد ارتبط رئيسا الهيئة الأخيران بجهات سياسية مرتبطة بالسيد عمار الحكيم، في انعكاس واضح لنظام محاصصة متجذر يتم فيه توزيع المناصب الحساسة كمكافآت سياسية بدلاً من اعتماد الكفاءة.
وهذا الأمر مقلق بشكل خاص، نظراً لأن القانون الذي ينظم عمل الهيئة يشترط أن يتمتع رئيسها بخبرة راسخة في مجالات الاتصالات والإدارة والقانون والتقنيات، إضافة إلى النزاهة العالية. ومع ذلك، يرى منتقدون أن الرئيس الحالي، السيد بليغ أبو كلال، لا يستوفي هذه المعايير، مما يثير تساؤلات ملحّة حول كيفية تعيينه وأسبابه.
أما التطور الأخطر، فهو القرار الأخير بالسماح لشركة كورك للاتصالات باستئناف عملها رغم مديونيتها التي تبلغ مئات الملايين من الدولارات للدولة العراقية. وقد كان هذا الدين سبباً في تعليق رخصتها وفقاً للقانون رقم ١٣ وتوجيهات مجلس النواب. إن التراجع عن هذا القرار دون إلزام الشركة بتسديد مستحقاتها لا يُعد مجرد خطوة مثيرة للجدل، بل يمثل انتهاكاً صريحاً لسيادة القانون.
لا يمكن النظر إلى هذا القرار بمعزل عن سياقه، إذ يعكس نمطاً من القرارات التي تبدو وكأنها تخدم مصالح نافذة على حساب الشعب العراقي. كما أن الحديث عن وجود شبكات متجذرة داخل الهيئة قادرة على التأثير في القيادات وصنع القرارات يزيد من خطورة هذه المؤشرات.
وفي المقابل، لم يمر هذا الأمر دون اعتراض. فقد اتخذت الدكتورة هيام الياسري، وزيرة الاتصالات السابقة وعضو مجلس النواب الحالي، موقفاً واضحاً ومشرفاً. ففي رسالة رسمية مؤرخة في ٢٦ نيسان ٢٠٢٦، طالبت بتوضيحات من رئيس الهيئة، مستندة إلى القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠١٨ والنظام الداخلي لمجلس النواب. وقد طرحت أسئلة جوهرية، منها:
ما الأساس القانوني الذي تم بموجبه السماح لشركة كورك باستئناف عملها دون تسديد ديونها؟
ما مبررات هذا التراجع المفاجئ عن القيود المفروضة عليها؟
لماذا لم يتم الالتزام بالقانون الذي يشترط تسديد المستحقات قبل استئناف النشاط؟
وقد منحت رئيس الهيئة مهلة خمسة عشر يوماً للرد، وهو ما يستدعي شفافية كاملة أمام الرأي العام.
الخلاصة
يمر العراق بظروف اقتصادية صعبة، وكل مصدر من مصادر الإيرادات الوطنية يجب أن يُصان، لا أن يُهدر بسبب المحاصصة السياسية وضعف الإدارة. إن تجاهل الالتزامات القانونية في هذه القضية يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوانين يمكن تجاوزها، وأن المال العام يمكن التفريط به عندما تتدخل المصالح السياسية.
هذه القضية ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بسيادة القانون ومبدأ المساءلة. لم يعد العراقيون مستعدين لقبول نظام تُدار فيه القطاعات التي تدر مليارات الدولارات من قبل أشخاص غير مؤهلين، بينما تُتخذ القرارات المصيرية خلف الأبواب المغلقة.
إن الأسئلة المطروحة اليوم لا تتعلق بقرار واحد أو مسؤول واحد، بل بمنظومة كاملة سمحت بحدوث ذلك.
إن خطوة الدكتورة هيام الياسري مهمة وضرورية، لكنها يجب أن تتبع بتحقيقات أعمق وإجراءات حاسمة. فالشعب العراقي يستحق أن يعرف من المستفيد من هذه القرارات، ولماذا.
لقد حان الوقت لمحاسبة ليس فقط قيادة الهيئة، بل أيضاً شبكات النفوذ التي مكنت سنوات من سوء الإدارة. كما أصبح من الضروري مراجعة دور شركات الاتصالات الأجنبية بشكل دقيق لضمان حماية السيادة الاقتصادية والأمن الوطني للعراق.
لقد بلغ السيل الزبى. موارد العراق ملك لشعبه، لا للأحزاب، ولا لمراكز النفوذ، ولا لمن يضعون أنفسهم فوق القانون.
دلال الحمداني
المصدر: صوت العراق
سلطة بلا رقابة وشبهات فساد في هيئة الإعلام والاتصالات في العراق – صوت العراق