بقلم: علي الربيعي
قد يبدو إعلان فوز عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، بنسبة 100% من الأصوات في الانتخابات الداخلية لحزبه، للوهلة الأولى، تعبيرًا عن القوة والوحدة.
لكن في العراق، تحمل مثل هذه الأرقام دلالات أعمق.
إنها ليست مجرد أرقام… بل رسائل.
ظل الذاكرة السياسية
بالنسبة لكثير من العراقيين، لا يمكن فصل النتائج السياسية شبه المطلقة عن ماضي البلاد.
في عهد صدام حسين، كانت نتائج الانتخابات تقترب دائمًا من الكمال—99%، 100%، تأييد شبه كامل. لم تكن تلك النتائج تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة الشعب، بل أدوات للسيطرة، صُممت بعناية لإلغاء الشك وإظهار السلطة المطلقة.
العراق اليوم مختلف بلا شك. لديه دستور، وانتخابات تنافسية، وتعددية سياسية. لكن عندما تعلن جهة سياسية حديثة عن نتيجة 100%، فإن المقارنة تفرض نفسها—ليس لأن الأنظمة متطابقة، بل لأن الصورة تبدو مألوفة بشكل مقلق.
ما وراء الرقم
قد تكون هناك تفسيرات بريئة لنتيجة بالإجماع. ربما لم يكن هناك منافسون. وربما يحظى القائد بدعم حقيقي داخل حزبه. وربما جرت العملية بسلاسة دون اعتراض.
لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا فقط، بل بـ الإشارات والبُنى.
في أي بيئة سياسية سليمة، يُعدّ الاختلاف أمرًا طبيعيًا. حتى أكثر القادة احترامًا يواجهون نقاشًا داخليًا، ورؤى متباينة، وطموحات قيادية بديلة. هذه ليست نقاط ضعف، بل مؤشرات على صحة المؤسسات.
وعندما تغيب هذه الديناميكيات—أو لا تظهر—فإن النتيجة لا تعكس وضوحًا، بل تثير تساؤلات.
واقع الأحزاب السياسي
المشكلة الأعمق لا تكمن في تصويت واحد، بل في الثقافة الداخلية للأحزاب السياسية في العراق.
فالعديد من الأحزاب ما زالت شديدة المركزية، حيث ترتكز القيادة على الأشخاص أكثر من المؤسسات. وغالبًا ما تبدو الانتخابات الداخلية أقرب إلى تجديد الثقة منها إلى منافسة حقيقية، ويُكافأ الولاء أكثر مما يُشجَّع النقاش.
وهذا ليس حكرًا على جهة واحدة، بل نمط يتكرر في أجزاء واسعة من المشهد السياسي العراقي.
وهنا تكمن الأهمية.
لأن الأحزاب السياسية ليست مجرد أدوات للوصول إلى السلطة، بل هي مدارس للديمقراطية. وإذا كانت الممارسة الديمقراطية ضعيفة داخلها، فمن الصعب أن تكون قوية على مستوى الدولة.
وحدة أم تطابق؟
يرى مؤيدو النتائج بالإجماع أنها دليل على الوحدة، والوحدة في بيئة سياسية منقسمة كالعراق قد تكون قيمة مهمة.
لكن هناك فرقًا بين وحدة تنبع من التوافق وتطابق يعكس غياب الاختلاف.
الأولى تعزز المؤسسات.
أما الثانية، فقد تفرغها من مضمونها.
لحظة للتأمل
إن قيادة عمار الحكيم، وحجم الدعم الذي يحظى به، ليست موضع تشكيك هنا. ما يستحق النقاش هو الثقافة السياسية الأوسع التي تُنتج مثل هذه النتائج، وما الذي تعنيه لمستقبل الحكم في العراق.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بالانتخابات العامة، بل بالعادات والتوقعات والممارسات التي تشكل الحياة السياسية على جميع المستويات.
وعندما تبدو النتائج مثالية أكثر من اللازم، فإن الرد المناسب ليس الرفض المباشر، بل طرح الأسئلة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح
بينما يواصل العراق رحلته الديمقراطية الطويلة والمتعثرة أحيانًا، ينبغي لمثل هذه اللحظات أن تدفع نحو التفكير:
هل تتجه المؤسسات السياسية نحو مزيد من الانفتاح والتنافس والمساءلة، أم أنها تستقر في أنماط تُعطي الأولوية للمظهر على حساب المضمون؟
الإجابة لن تأتي من نتيجة واحدة.
لكن أحيانًا، يكفي رقم واحد—خاصة عندما يكون 100%—ليبدأ النقاش.