الكاتب/ محمد حسن الساعدي
تمر المنطقة بلحظة تاريخية تتسم بالاضطراب والتوتر، والشرق الأوسط يقف اليوم أمام مشهد سياسي وعسكري بالغ التعقيد. فالتصريحات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل لم تعد مجرد مؤشرات لحرب ظل أو مناوشات سيبرانية، بل تحولت إلى مواجهة علنية تحمل في طياتها خطر الانزلاق نحو حرب شاملة قد تعيد رسم خريطة المنطقة.
منذ عقود ظل الصراع بين إيران وإسرائيل محصورًا في إطار “حروب الوكالة”، حيث تتولى جهات مسلحة متحالفة مع طهران مهمة الضغط على إسرائيل، فيما ترد الأخيرة بضربات محدودة في سوريا أو لبنان. لكن ما شهدناه منذ منتصف عام 2025 هو انتقال هذا الصراع إلى مستوى جديد، صارت فيه المواجهة مباشرة بين دولتين تملكان قدرات عسكرية متقدمة، ما قد يفتح الباب أمام حرب شاملة ربما ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، وربما تتجاوز ذلك.
الكيان الإسرائيلي، الذي يرى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، كثّف ضرباته على مواقع تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، حيث السلاح الأخطر والأصعب ردعًا، فيما تواصل طهران التأكيد على حقها في تطوير قدراتها الدفاعية. وبين هذا وذاك يجد العالم نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يمكن منع اندلاع حرب قد تهدد أمن الطاقة العالمي وتفتح الباب أمام تدخلات دولية متشابكة؟
الولايات المتحدة تقف بوضوح إلى جانب إسرائيل، بينما تحاول روسيا استثمار الأزمة لتعزيز نفوذها في المنطقة. أما الدول العربية فقد تفرقت مواقفها؛ فبعضها اقترب أكثر من تل أبيب في إطار تحالفات أمنية، فيما يراقب آخرون بحذر خوفًا من تحول أراضيهم إلى ساحة صراع بالوكالة.
أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس فقط احتمال اندلاع الحرب، بل غياب أفق سياسي واضح يضمن فرصًا لتحقيق تهدئة، ويمكنه أن يعيد المفاوضات النووية إلى مسارها. وكل يوم يمر دون حل يزيد من احتمالية أن تتحول الشرارة الصغيرة إلى حريق كبير.
التصريحات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل لم تعد مجرد مؤشرات لحرب ظل أو مناوشات سيبرانية بل تحولت إلى مواجهة علنية تحمل في طياتها خطر الانزلاق نحو حرب شاملة
إيران تراهن على طول نفسها وصمودها واستنزاف قدرات الكيان الإسرائيلي، فيما يراهن الأخير على تفوقه التكنولوجي والدعم الغربي المنحاز، لكنه يواجه في الوقت نفسه معضلات داخلية متعددة، أهمها تتعلق بمدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمّل حرب طويلة متعددة الجبهات.
القوى الإقليمية، خصوصًا دول الخليج وتركيا، من جانبها لا تزال تراقب بحذر، فهي تدرك أن أي حرب شاملة ستعني اضطرابًا في أسواق الطاقة وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وأنها ليست بمنأى عن آثارها، وستطالها نار تلك الحرب، وستكون في وسط تلك الصراعات شاءت أم أبت.
الحرب بين إيران وإسرائيل ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي صراع على هوية المنطقة: هل ستظل تحت مظلة النفوذ الأميركي والغربي، أم ستشهد صعود محور إقليمي جديد تقوده إيران وحلفاؤها؟
الواقع أن الطرفين يدركان خطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنهما في الوقت نفسه يواصلان التصعيد نحو حافة الهاوية، لأن كليهما يخشى أن يُفسَّر التراجع على أنه ضعف. وهنا تكمن المعضلة؛ فاستمرار لعبة التوازنات قد يقود إلى انفجار غير محسوب، خصوصًا إذا وقع خطأ استراتيجي أو هجوم واسع النطاق يخرج عن السيطرة.
المنطقة أمام اختبار وجودي جديد، حيث تتقاطع الحسابات النووية مع التحالفات الإقليمية والدور الدولي. وإذا لم تتحرك القوى الكبرى سريعًا لاحتواء الأزمة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة غير مسبوقة من الفوضى، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء.
من منظور سياسي، يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن تنجح القوى المؤثرة في فرض تهدئة مؤقتة تحفظ ماء وجه الطرفين، وإما أن نشهد حربًا شاملة ستغيّر ليس فقط موازين القوى، بل أيضًا شكل التحالفات الإقليمية والدولية. وفي الحالتين سيبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر، إذ سيدفع ثمن هذه الصراعات من أمنه واقتصاده واستقراره.
العرب