You are currently viewing بين الشارع والنخب… “مجلس السلام” تحت مجهر الغزيين وتحذيرات من التفاف سياسي على حقيقته

بين الشارع والنخب… “مجلس السلام” تحت مجهر الغزيين وتحذيرات من التفاف سياسي على حقيقته

لم يمرّ خبر تشكيل ما سُمّي بـ”مجلس السلام” مرورًا عابرًا في قطاع غزة، لكنه في الوقت ذاته لم يحظَ بالزخم الشعبي الواسع الذي ترافق عادةً الأحداث المفصلية في حياة الغزيين. فبين من سمع بالخبر عرضًا، ومن تجاهله بوصفه تفصيلًا سياسيًا بعيدًا عن هموم النجاة اليومية، تبلورت ردود فعل متباينة، غلب عليها الحذر والشك أكثر من الأمل.

وفي جولة على آراء الناجين من الإبادة في غزة، يتبيّن أن مستوى المعرفة بالمجلس لا يزال محدودًا. فكثيرون لم يتجاوز اطلاعهم سماع الاسم عبر خبر عابر أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، دون وضوح لطبيعة المجلس أو صلاحياته أو الجهات التي تقف خلفه. بعضهم فهمه كهيئة سياسية جديدة، وآخرون اعتقدوا أنه مبادرة دولية ذات طابع رمزي، فيما عبّر عدد غير قليل عن حالة التباس كاملة، قائلين: “نسمع عن مجالس ولجان كل فترة، لكننا لا نعرف ماذا تفعل فعليًا”.

الانطباع الغالب في الشارع الغزي لم يكن ارتياحًا، بقدر ما كان تساؤلًا مشوبًا بالقلق. فبين السخرية من تسميات كبيرة لا تغيّر الواقع، واللامبالاة الناتجة عن الإرهاق المزمن من متابعة الأخبار السياسية، عبّر مواطنون عن شعور متكرر بأن مثل هذه المبادرات غالبًا ما تولد بعيدة عن معاناة الناس الفعلية.

يقول محمود الزين: “لا تهمّ كثيرًا الأسماء التي تتردد في مجلس السلام، ما يهم أن تقودنا إلى حالة من الاستقرار”.

ويضيف الزين لـ”قدس برس”: “ما نريده هو انسحاب الاحتلال من الخط الأصفر، والعودة إلى أراضينا هناك، وإزالة الركام، وتوفير الكهرباء، وحياة كريمة. لا يهم من يقوم بذلك؛ مجلس سلام أو هيئة محلية، المهم هو وقف معاناة الغزيين”.

ويشدّد على أن ما عاشه الغزيون طوال سنتي الحرب جعل متابعة الأخبار السياسية بلا فائدة تُذكر، مضيفًا: “نركّز فقط على ما يمكن أن ينتشل الغزي من مأساته”.

قاطع هذا المزاج مع ما عبّر عنه إبراهيم أحمد، أحد النازحين غرب مدينة غزة، الذي قال إن كثيرًا من الغزيين يتعاملون مع “مجلس السلام” بوصفه خطوة سياسية أو إعلامية أكثر من كونه مشروعًا ذا أثر حقيقي. وأضاف: “عشنا تجارب سابقة مع مبادرات وخطط سلام ولجان وهيئات على مدار سنوات الحصار، لكنها جميعًا كانت بلا جدوى. فهل سيكون مجلس السلام مختلفًا عن سابقيه؟”.

ويتابع أحمد لـ”قدس برس”: “قرأنا خطة كوشنر لإعادة إعمار غزة، لكن ما رُسم على الورق كان مغايرًا تمامًا لأرض الواقع. من يريد السلام يطبّقه على الأرض، لا في مكاتب فارهة مكيفة بعيدة عن معاناة الناس”.

ويضيف: “لا نملك معلومات واضحة حول آليات العمل، وحتى التمثيل الفلسطيني لم يكن غزّيًا بالدرجة الأولى. كما يثير التساؤل كيف يمكن أن يكون هناك مجلس للسلام مع إشراك الاحتلال فيه”.

ويختتم بالقول: “نحن نفكّر بالكهرباء، بالماء، بالغذاء، وبالأمان… أي مجلس لا يلمس هذه القضايا لن نشعر بوجوده”.

هذا الفصل بين السياسة العليا والواقع المعيشي يعكس فجوة عميقة بين الخطاب السياسي واحتياجات الناس الآنية.

ومن أبرز الهواجس التي عبّر عنها الغزيون خشيتهم من أن يكون المجلس جزءًا من ترتيبات أكبر تُصاغ خارج إرادتهم، أو تُفرض كأمر واقع تحت عناوين جذابة. ويتغذّى هذا القلق من غياب الشفافية، ومن تاريخ طويل من القرارات المصيرية التي اتُّخذت دون إشراك حقيقي لأصحاب الأرض والمعاناة.

في المقابل، أبدت بعض النخب السياسية والأكاديمية اهتمامًا أكبر بالمجلس من زاوية تحليلية أو استراتيجية، حيث تميل إلى قراءة الخطوة ضمن السياقين الإقليمي والدولي، والبحث في دلالاتها السياسية، بينما ينظر الشارع إليها من زاوية واحدة: ماذا ستغيّر في حياتنا؟

الكاتب السياسي وسام عفيفة أكد أن المشهد بدا، عقب الإعلان عن “مجلس السلام”، شديد الإرباك، لا سيما مع استخدام توصيفات غير مسبوقة، أبرزها الحديث عن تسمية نيكولاي ملادينوف م”ندوبًا ساميًا”، في توصيف يعيد إلى الأذهان حقبة الانتداب البريطاني، ويكاد يكون الأول من نوعه في تاريخ الصراع.

وقال عفيفة إن “الخطر الحقيقي لا يكمن في الطابع المؤقت بحد ذاته، بل في تمدده خارج إطار الإغاثة وإعادة الإعمار، خصوصًا مع أسماء مستشارين وشخصيات يُنظر إلى كثير منها على أنها قريبة من اليمين الإسرائيلي”.

وأضاف ل”قدس برس” أن هذا الأمر “يستدعي موقفًا فلسطينيًا عاجلًا يتمثل في عقد لقاء عاجل بين حركتي فتح وحماس لتجاوز الخلافات، وبناء سياج حماية وطني يمنع مساس الصيغة المؤقتة بجوهر القضية”.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي أنه لا يمكن تجاهل ضغط الواقع الإنساني الكارثي الذي فرضته الحرب، مشيرًا إلى أن ذلك قد يدفع الفلسطينيين مرحليًا إلى ابتلاع هذا الشكل المؤقت، بهدف تفويت الفرصة على رئيس الوزراء الإسرائيلي ومنعه من العودة إلى الحرب، ووضعه أمام إطار دولي، وإن كان برعاية وإدارة أميركية كاملة.

ويشدّد على أن الاختبار الحقيقي يتمثل في إبقاء هذا الإطار انتقاليًا لا أكثر، وحصره في الإغاثة والإعمار، دون السماح له بأن يتحوّل إلى بوابة لإعادة هندسة القضية سياسيًا.

من جانبه، أكد رئيس “الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني – حشد”، الحقوقي صلاح عبد العاطي، أن ما يجري اليوم في قطاع غزة لا يمكن اختزاله في مسار تهدئة، أو ترتيبات ما بعد حرب، أو جهود إنسانية لمعالجة كارثة غير مسبوقة، بل هو مشروع سياسي–استراتيجي متكامل تقوده الولايات المتحدة ويُعاد تسويقه تحت مسمى “مجلس السلام”.

وقال عبد العاطي لـ”قدس برس”ن المجلس يهدف في جوهره إلى إعادة هندسة إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل وإعادة تشكيل قواعد النظام الدولي ذاته، عبر تجاوز القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، واستبدالها بمنطق القوة والنفوذ والصفقات.

وأضاف أن غزة، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل مختبرًا مبكرًا لتجريب نموذج جديد لإدارة النزاعات خارج منظومة الشرعية الدولية، في عالم يشهد تراجعًا متسارعًا لمنطق القانون وصعودًا فاقعًا لواقعية القوة.

وتابع أن المجلس، بصيغته المطروحة، يتجاوز الأمم المتحدة ويُفرغ قراراتها المتعلقة بفلسطين – ولا سيما تلك المرتبطة بإنهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير، وعودة اللاجئين، وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة – من مضمونها العملي، مستبدلًا إياها بترتيبات فوقية تُفرض بقوة النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري.

وأشار إلى أن هذا المشروع يأتي في لحظة دولية مأزومة تتسم بجملة من السمات المتداخلة، أبرزها فشل مجلس الأمن الدولي في وقف حرب الإبادة الجماعية في غزة بسبب الفيتو الأميركي المتكرر، وتراجع مكانة الأمم المتحدة كمظلة قانونية قادرة على حماية المدنيين أو فرض قراراتها، وصعود النزعة الأحادية الأميركية، وإنتاج أطر بديلة للحوكمة الدولية تتجاوز القانون الدولي حين يتعارض مع المصالح الجيوسياسية.

ويرى عبد العاطي أن خطة كوشنر لتحويل القطاع إلى مدينة عصرية مزدهرة سياحيًا وصناعيًا، مع ميناء ومطار وسكك حديدية، وربط تنفيذها بنزع سلاح حماس، تضع القرارين السياسي والاقتصادي خارج يد الفلسطينيين، ما يثير مخاوف جدية من فقدان الملكية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل غزة إلى منطقة وظائف اقتصادية خاضعة لسيطرة خارجية.

وأشار إلى أن تشكيل لجنة تكنوقراطية فلسطينية لإدارة قطاع غزة، خاضعة مباشرة لما يُسمّى “مجلس السلام”، يشكّل ذروة هذا المسار لا استثناءً عنه، ويعبّر عن فشل السلطة الفلسطينية وتآكل أهليتها في الحكم والتمثيل.

ووقع قادة ومسؤولون وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس (22 كانون ثاني/يناير الجاري)، على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ميثاقاً للمشاركة في أول “مجلس سلام” لإدارة قطاع غزة.

ودعا ترامب الذي سيرأس المجلس، العشرات من قادة العالم الآخرين للانضمام إليه، وقال إنه يرى أن هذا المجلس سيعالج تحديات عالمية أخرى غير وقف إطلاق النار الهش في غزة رغم أنه يقول إنه لا ينوي أن يكون بديلا للأمم المتحدة.

وبحسب مسوّدة ميثاق “مجلس السلام”، فإن الرئيس ترامب سيتولى رئاسة المجلس بصفته أول رئيس له، وسيقرر بنفسه من تتم دعوتهم لعضوية المجلس، وستُتخذ القرارات بأغلبية الأصوات، بحيث يكون لكل دولة عضو حاضر صوت واحد، على أن تخضع جميع القرارات لموافقة الرئيس.

قدس برس

بين الشارع والنخب… “مجلس السلام” تحت مجهر الغزيين وتحذيرات من التفاف سياسي على حقيقته – وكالة قدس برس للأنباء : وكالة قدس برس للأنباء

شارك المقالة