You are currently viewing كيف أصبح تهريب السلاح على ظهور “المسيّرات” الى الضفة الغربية من مصر والأردن وسورية مصدر قلق متصاعد لنتنياهو وكيانه؟ وما هو السر الذي كشفه لي عرفات في هذا الملف اثناء لقائي الأخير معه؟

كيف أصبح تهريب السلاح على ظهور “المسيّرات” الى الضفة الغربية من مصر والأردن وسورية مصدر قلق متصاعد لنتنياهو وكيانه؟ وما هو السر الذي كشفه لي عرفات في هذا الملف اثناء لقائي الأخير معه؟

عبد الباري عطوان

في آخر لقاء لي مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات في جناح كبار الزوار في مطار هيثرو غرب لندن، الذي كان يتوقف فيه بين الحين والآخر وهو في طريقه الى واشنطن، لتزويد طائرته الصغيرة القديمة المتهالكة بالوقود، كان متوترا للغاية، والسبب انه كان يتوقع ضغوطا من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون للقبول باتفاقات كامب ديفيد “الفلسطينية”، والرئيس كلينتون دعا عرفات للقاء به في آخر أيامه في البيت الأبيض على أمل تغيير موقف الرئيس عرفات “المتشدد”، ولكنه لم يرضخ للضغوط ولم يغير موقفه مطلقا.

الرئيس عرفات الذي اكد لي بالإشارة والهمس انه لن يتراجع، ولا يثق بالأمريكان ولا الإسرائيليين، وطلب من احد حراسه ان يأتيه بورقة، لانه يخشى من أجهزة التسجيل، وخرجنا من الغرفة وكتب “لا بديل عن العودة الى المقاومة، وإشعال فتيل الانتفاضة المسلحة في الضفة الغربية، نقطة الضعف الكبرى في الخاصرة الإسرائيلية، وهنا سألته: من أين ستأتي بالأسلحة، حيث لا عرب ولا سوفييت؟ وكيف ستنقله الى الضفة المحاصرة؟ فكتب بقلمه الأخضر: “ليست هناك اسهل من التهريب، سواء عبر المهربين المحترفين للمخدرات، او السلاح، وما أكثرهم، او عبر الجنود الإسرائيليين انفسهم، فليس هناك شعب اكثر فسادا من الشعب الإسرائيلي الذي يحب المال ويعبده، وأضاف “انا هربت واشتريت اسلحة من جنرالات في الجيش الإسرائيلي، وهربت مقاومين، دخولا وخروجا، فبالمال تستطيع شراء الكثير من الذمم”، وبعد ان فرغ من الكتابة، طوى الورقة ووضعها في جيب سترته العسكرية التي كان يرتديها دائما.
***

تذكرت هذه الواقعة وانا اتابع مسألتين رئيسيتين تصدرتا الاحداث الحالية في فلسطين المحتلة:
الأولى: نجاح المخابرات الإيرانية في اختراق وتجنيد العديد من العملاء الإسرائيليين للحصول على معلومات ثمينة من مواقع الجيش الإسرائيلي واسرار تحركاته وقياداته، السياسية والعسكرية، وكان آخرها اختراق حاسوب بينيت رئيس الوزراء السابق، والحصول على وثائق واسرار مهمة، وكذلك تسجيلات لمكالمات على هاتفه الخاص، والفضل للعملاء الإسرائيليين الذين جندتهم طهران.
الثانية: تأكيد الجنرال ديفيد زيني رئيس جهاز الامن العام الإسرائيلي (الشاباك) تصاعد ظاهرة تهريب الأسلحة الى الضفة الغربية المحتلة بالطائرات المسيّرة سواء عبر الحدود الأردنية او المصرية او السورية، وقال بالحرف الواحد وحسب صحيفة “هآرتس” ان هذا التهريب كارثة مستمرة، وتهديد استراتيجي خطير لإسرائيل.
وكشفت الصحيفة ان هذا التهريب بات محور مناقشات مكثفة داخل المؤسسات الأمنية الاسرائيلية هذه الأيام بمشاركة كبار الجنرالات الأمنيين في الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات، لان هذه المسيّرات، او بعضها، تستطيع حمل عشرات الكيلوغرامات، بل المئات في بعض الأحيان، وان احداها، والكلام للصحيفة، التي جرى اعتراضها كانت محملة بحوالي 40 مسدسا، وربما يفيد التذكير بأن الخلية العسكرية المكونة من عدة أشخاص والتي ألقت المخابرات الأردنية القبض عليها وحاكمتها بتهمة تصنيع صواريخ ومسيّرات في نيسان (ابريل) الما ضي، والانتماء لحركة إسلامية، واعترف هؤلاء بتصنيع هذه الصواريخ والمسيّرات ليس لاستخدامها في الأردن، وانما لتهريبها الى المقاومة في الضفة الغربية.
بنيامين نتنياهو تباهى اكثر من مرة بأن اسرائيل تقاتل على سبع جبهات، ولكنه لم يقل انه انتصر في أي منها، فما زالت هذه الجبهات، وخاصة في غزة ولبنان واليمن مفتوحة، ولعل جبهة الضفة الغربية التي تزداد سخونة يوما بعد يوم قد تكون أخطرها، لان هناك مؤشرات عديدة تقول انه لم تتزايد عمليات التهريب بالمسيّرات المصنعة محليا وسريا في دول الجوار فقط، وانما نجحت المقاومة في نقل ورش تصنيع الأسلحة الى مناطق سرية متعددة فيها، تحت الأرض وفوقها.
دونالد ترامب المشهور بغبائه وجهله في معظم الميادين، وخاصة الجغرافيا والسياسة والتاريخ، وتنحصر معرفته في السمسرة العقارية، قال عبارة قوية ومهمة في أحد “مواجهاته” مع نتنياهو في ذروة حرب الإبادة في قطاع غزة، “من انت حتى تحارب على سبع جبهات مجتمعة في الوقت نفسه؟”.
نقل المعركة الوشيك الى الضفة الغربية الأكبر عشر مرات من قطاع غزة تقريبا، سيكون خطوة استراتيجية حاسمة في الصراع العربي الإسرائيلي، ولعل الاستفزازات الاجرامية الإسرائيلية الحالية، مثل تصعيد عمليات الاستيطان، وتصويت الكنيست على ضمها، وتغول المستوطنين في عمليات الاعتداء والقتل لأهلها، وقلع زيتونها، وإقامة بوابات حديدية للتحكم في حركتهم واذلالهم، هذه الاستفزازات ستؤدي حتما الى مواجهات قد تتواضع امامها نظيراتها في القطاع في المستقبل المنظور.
نتنياهو يتأهب لشن عدوان كاسح على لبنان تحت ذريعة القضاء على “حزب الله” الذي استعاد الكثير من قوته وتسليحه، وآخر على ايران الذي باتت منظوماتها الصاروخية المتطورة جدا تقلقه أكثر من طموحاتها النووية، ومن غير المستبعد حصوله على الضوء الأخضر من ترامب اثناء زيارته لأمريكا الأسبوع المقبل.
***
عرفات اوفى بالعهد والوعد، وعاد من مصيدة كامب ديفيد الفاشلة ليفجر الانتفاضة المسلحة في الضفة الغربية التي استمرت ما يقرب من الأربعة أعوام، والحقت خسائر ضخمة عسكرية ومعنوية بدولة الاحتلال، وأنقذ بهذه الخطوة نفسه وإرثه، وتاريخه الثوري المقاوم مثلما يردد دائما الصديق فريح أبو مدين وزير العدل الفلسطيني الأسبق، ولولا الخديعة الكبرى التي نسج أبرز خطوطها توني بلير، وتمثلت في وعود زائفة كاذبة بقيام الدولة الفلسطينية في غضون عامين وفق خريطة الطريق لجاءت النتائج مختلفة.
العدوان الأخير على لبنان لم يقض على المقاومة اللبنانية (حزب الله) ولهذا يريدون إعادة الكرة، والهجوم الثاني (حرب الـ 12 يوما) على ايران لم يدمر الا أقل من 3 في المئة من برنامجها النووي، ولم يغير النظام، ولهذا فإن الثالث “الترميمي” ربما يكون مختلفا، والصواريخ التي من المحتمل ان تنهال كالمطر على تل ابيب الكبرى، وقد تستهدف المدنيين هذه المرة، ستكون أكثر عددا، وأكثر تدميرا، وعلينا ان نذّكر نتنياهو ان ايران اكبر بـ75 مرة من إسرائيل، أي قارة عظمى، ولن تختف من الوجود ولكن قد لا يكون هذا حال “إسرائيل”.. والأيام بيننا.

 

رأي اليوم

كيف أصبح تهريب السلاح على ظهور “المسيّرات” الى الضفة الغربية من مصر والأردن وسورية مصدر قلق متصاعد لنتنياهو وكيانه؟ وما هو السر الذي كشفه لي عرفات في هذا الملف اثناء لقائي الأخير معه؟ | رأي اليوم

شارك المقالة