عبد الباري عطوان
ان يقتحم مسلحان محطة للحافلات في القدس المحتلة، ويطلقان النار على روادها من المستوطنين الإسرائيليين، ويقتلان سبعة ويصيبان اكثر من 11 آخرين نصفهم اصابتهم خطيرة جدا، فهذا يعني ان لا مكانا آمنا في دولة الاحتلال أولا، وان مشكلة نتنياهو وائتلافه الإرهابي ليس في قطاع غزة الذي يرتكب فيه حرب إبادة وتجويع فقط وانما في كل مكان في فلسطين المحتلة ثانيا، وان وحدة الساحات باتت اكثر تجسيدا على الأرض وتتوسع ثالثا.
لم يكن من قبيل الصدفة ان تأتي هذه العملية الشجاعة والمدروسة جيدا، اعدادا وتنفيذا بعد يوم واحد من نجاح أحد المسيّرات اليمنية الانغماسية في اختراق جميع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتقدمة جدا، وتصل الى صالة الركاب في مطار “رامون” قرب مفاعل ديمونا النووي في منطقة النقب، الذي يحل المرتبة الثانية بعد مطار اللد (بن غوريون)، واغلاقه حتى إشعار آخر.
***
هذه العملية الفدائية تأتي ردا على كل التساؤلات المطروحة المغرضة لدى البعض المخترق، التي تقول أين الضفة الغربية مما يجري في قطاع غزة، فالمسلحان اللذين نفذاها في وضح النهار، وفي منطقة من المفترض ان تكون الأكثر أمنا في دولة الاحتلال جاءا من مدينة رام الله، وتجسد رأس حربه في خلية استشهادية ربما جاءت في إطار مخطط قتالي تصعيدي، قديم متجدد، يهدف الى فتح جبهة “نوعية” جديدة في الضفة الغربية ثأرا لدماء الشهداء في القطاع المحاصر المجوّع، ورد الاعتبار للإرث المشرف المقاوم الحافل بالبطولات.
لا نبالغ اذا قلنا ان هذه العملية من حيث مكان تنفيذها، وضخامة اعداد قتلاها وجرحاها، وتوقيتها المحكم، ربما تكون اول غيث الرد المنتظر على قرار الحكومة الإسرائيلية بحل السلطة وضم الضفة الغربية عمليا وتهويدها، قبل انعقاد المؤتمر الذي سيعقد خلال أيام في نيويورك بدعوة من فرنسا والمملكة العربية السعودية للاعتراف والدعم لحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فهذه العملية ربما تكون رسالة تعكس ما يمكن ان يحدث بعد عملية الضم للضفة، ومحاولة وأد واجهاض أي تحرك دولي نحو الدولة الفلسطينية.
ما لا يعرفه نتنياهو ان ضم الضفة الغربية وحل السلطة الفلسطينية هو أفضل هدية يقدمها للشعب الفلسطيني، ولفصائل المقاومة الحقيقية الحالية والقادمة، وليس لتلك الصورية، وغير الموجودة على الأرض التي تدعي تمثيل هذا الشعب في مؤسسات منظمة التحرير “الرسمية”، ولم تطلق رصاصة واحدة على دولة الاحتلال منذ أكثر من أربعين عاما بحجة دعمها للسلام الملغوم المزور.
ضم الضفة يعني انهاء اكذوبة السلطة الفلسطينية، وفك قيود حركة “فتح” واعادتها الى العمل الفدائي، مكانها الأصلي التاريخي بقوة، ونقل أكثر من 60 الفا من قوات أمن السلطة، او معظمهم، من مقاومة المقاومة حماية لدولة الاحتلال ومشروعه الاستيطاني الاحتلالي، الى مكانها الحقيقي في خط القتال الأول لتحرير الأراضي الفلسطينية من البحر الى النهر تماما مثلما حدث في الانتفاضة المسلحة عام 2000.
عملية القدس الفدائية الاحدث قد تكون قمة جبل الجليد لمقاومة فلسطينية تتجهز في الضفة الغربية المحتلة، انتصارا وتضامنا مع الاهل في القطاع وفي اليمن الشقيق، فمعركة الاحتلال الحقيقية ليست في القطاع فقط، وانما في الضفة الغربية، الأضخم مساحة والأكثر سكانا، والأخطر احتكاكا مع حوالي 800 الف مستوطن يتواجدون على بعد مرمى حجر من المدن والقرى الفلسطينية المحتلة.
بعد عملية القدس هذه التي الحقت هزيمة نفسية ومعنوية كبيرة بأكثر من ستة ملايين مستوطن إسرائيلي في فلسطين المحتلة، في وقت يواجه فيه جيشهم الهزائم على أكثر من سبع جبهات مرشحة ان تتوسع، علاوة على فشله في تحقيق أيا من أهدافه في قطاع غزة المحدود المساحة (150 ميلا مربعا) الامر الذي سيؤدي الى تصاعد عمليات الهروب من هذا الكيان من قبل مستوطنيه، هذا الكيان الذي لم يعد آمنا، ويتحول الى سجن كبير جدا من الرعب والقلق، ينام ويصحوا على صفارات الإنذار، والعيش في الملاجئ وانفاق القطارات، فجميع المطارات باتت مغلقة بعد ان باتت المسيّرات اليمنية الانغماسية تزورها كل ليلة، والآن جاء دور اغلاق محطات الحافلات.. فأي بلد هذا؟
***
بعد هذه العملية الفدائية الشجاعة وغير المفاجئة، سيسأل المستوطنون الإسرائيليون نتنياهو وخادمه ترامب: ما الذي تفعلونه بنا، ولماذا تذهبون الى غزة، وانتم لا تستطيعون توفير الأمن لنا في قلب مدننا؟
المقاومة الفلسطينية الشجاعة لم تذهب حتى تعود، لأنها متجذرة في كل الأراضي الفلسطينية والعربية، وكانت تنتظر فقط شرارة التفجير، ويبدو انها انطلقت من بين أكفان الشهداء الطاهرة في القطاع، ومثلما وصلت الى اليمن العظيم وانعكست بجلاء في صواريخه الفرط صوتية والانشطارية الرؤوس، ومسيّراته الانغماسية التي وصلت الى مطاري اللد ورامون، وأغلقت البحر الأحمر في وجه الملاحتين الإسرائيلية والأمريكية، ستصل حتما الى لبنان والعراق، ومصر، والأردن، وسورية “الاصيلة”.. والأيام بيننا.
رأي اليوم