نعيش اليوم عصرا تكنولوجيا غير مسبوق. العديد من التحولات التقنية والرقمية، تولد كل يوم.. ربما كل ساعة، وربما كل دقيقة، وربما كل رمشة عين.. ربما الآتي، الله وحده، يعلم نوعه وإلى ماذا سيفضي بنا. تغييرات جوهرية كبرى يشهدها العالم وعلى جميع المستويات، عسكريا واقتصاديا وعلميا وتربويا واجتماعيا، إلخ. عالم اليوم، بكل تأكيد لا يشبه ما مضى، وبكل تأكيد الآتي لن يشبه اليوم.
مفهوم التلوث، ترسخ لدينا، وفي لا وعينا، على مستوى الحقل البيئي (الطبيعة تحديدا). فجملة تلوث البيئة، من الجمل التي تنتشر كثيرا وفي حقول إعلامية وتربوية وعلمية، إلخ. لكن هل من الممكن اليوم، أن نتحدث عن تلوث الأدمغة؟ هل فعلا أدمغتنا، وبقية أعضائنا، مثل العين والأذن، هي كما كانت في السابق، خصوصا قبل ظهور هذه التكنولوجيات الجديدة، مثل الهاتف المحمول، والحاسوب، وكل هذه الأشكال الوسائطية الرقمية الجديدة، وفي مقدمتها، وسائل التواصل الاجتماعي. ربما تعريفنا للإنسان، باعتباره كائنا حيا، أو باعتباره كائنا اجتماعيا، إلخ، لم يعد صامدا، أمام هذه التحولات التقنية الجديدة. يعني أنه من السهل جدا أن نقول إن الإنسان أصبح كائنا رقميا، لا يشبه من كان قبل ظهور هذه التكنولوجيات الجديدة والمعقدة، التي فتكت بدماغ الإنسان وجعلته، يعيش في «عزلة»، أو لنقل أصبح يعيش في غربة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة.
يكفي اليوم أن نراقب حالة الإنسان في حافلات النقل العمومي، أو في المقاهي، أو في الأعراس، أو في المآتم، أو في العيادات الطبية، أو داخل البيوت، إلخ. فالكل منعزل ويعيش عالمه الافتراضي. هاتف محمول باليدين، أو ربما باليد الواحدة. تمزق نفسي رهيب نعيشه اليوم، لا الطعام نأكله ونتذوقه كما كنا، ولا وجوه عائلاتنا، وأصدقاؤنا، وجيراننا، نتذكر بعض تفاصيلها.
راح ذلك الزمن الذي كنا نراقب نجوم السماء، ونتنافس في عدها، ونحن نائمين على ظهورنا. نحدق في السماء على إيقاعات حكايات الجدة، أو الأم، أو الأخت الكبيرة، راح زمن الطهر البيئي والإنساني. عفة الحياة تمزقت، هتكتها التكنولوجيات الجديدة. صحيح، لن يتناطح عنزان في كون التكنولوجيات الحديثة، لها العديد من الفوائد التواصلية والعلمية وغيرها، لكن على الرغم من كل هذا، فلا بد من أن نقر بأننا سقطنا في كماشة التكنولوجيا التي صنعها الإنسان، وها هي اليوم تطرده من المعمل، والمصنع، والإدارة، ليحل محله السيد الروبوت.
حياتنا اليوم، تعاش بأدمغة أنهكتها التكنولوجيا. تشتت النظر والبصر والدماغ واعوجت الرقبة والظهر، إلخ. لم يعد الإنسان يستنشق هواء الحدائق، وإن فعل فهو «يستنشقها» افتراضيا. غاب دور الجدة، بدورها هي والجد، يتابعان ما يجري هنا وهناك، ومن خلال هاتفيهما الذكيين. فهل فعلا، نعيش اليوم زمن تلوث الأدمغة بسبب الإفراط في توظيف هذه التكنولوجيات الجديدة بسبب ودون سبب؟ هل أصبح الإنسان كائنا هاتفيا محمولا؟ بل من يحمل من؟ ربما الإنسان هو الذي أصبح محمولا من طرف هاتفه الحامل لأسراره والمتتبع لكل تفاصيل حياته الدقيقة.
رحم الله من مات ولم يعش هذا العصر الذي فقدنا فيه حميمية العيش، بل فقدت فيه الحياة حياتها. عزلة رهيبة نعيشها اليوم، بسبب تحكم هذه التكنولوجيات في معظم تفاصيل الحياة، ومما زاد الطين بلة، تمكن، ومن خلالها التافهون من التحكم في العديد من مظاهر الحياة.. سطع نجمهم، وامتلأت جيوبهم بالمال، وتهافتت عليهم القنوات، ونسيت من جد واجتهد، في المعاهد والكليات والمدارس العليا، وأنفقت عليهم أسرهم «تحويشة» العمر، طبعا دون تعميم، فبعض صناع المحتويات، يشتغلون بشكل مفيد للناس. ربما اليوم، مدارسنا مطالبة، أن تعلمنا كيف نستثمر هذه التكنولوجيات في ما ينفعنا، لكن، كيف السبيل إلى تحقيق ذلك، والمدرس والمتعلم والمدير والحارس، إلخ، بدورهم، يعيشون تحت كماشة هواتفهم المحمولة؟ فهل سقطنا جميعا في البئر؟ فمن يخرجنا منها؟
التقيت بحالة واحدة (أستاذ جامعي)، وطيلة هذه السنين التكنولوجية التي عشتها، أي منذ ظهور هذه الهواتف المحمولة، أكد لي أنه، لا هو ولا زوجته ولا أبناؤه، لديهم حسابات في شبكة التواصل الاجتماعي، ولا يملكون هواتف ذكية، بل يستعمل في مراسلاته مع طلبته والعمادة، وبقية الأصدقاء، إلخ، البريد الإلكتروني الذي يعتبره الوسيلة الكافية بالنسبة إليه لقضاء أغراضه الإدارية والاجتماعية. ولا يطلع على بريده إلا في المساء، ومن خلال حاسوب منزلي، مخصص له ولزوجته. لقد أكد لي أنه اختيار مقصود للحفاظ على طراوة أعضائه الجسمية وفي مقدمتها دماغه، لا شيء يتحرك في البيت غير «البيو» الحياتي في التواصل وفي العيش داخل منزله. ربما هو حالة فريدة في هذا العالم، وربما مثله قليلون جدا في عالم ساكنته تجاوزت ثمانية مليارات نسمة.
قرأت مؤخرا أن بعض الدول قررت، العودة إلى التدريس بالوسائل الديادكتيكية القديمة، أي استعمال السبورة والطباشير والكتاب والدفتر والأقلام، إلخ، والسبب أن المتعلم فقد التركيز في تعلمه، بل لم يعد يعرف كيفية الكتابة ولا القراءة. بينما بعض الدول السائرة في طريق النمو، تجتهد لتوفير المال من أجل ربط تعلمها بالتكنولوجيا. يبدو أن العالم، مستقبله في باديته. ربما قد يتغير نمط الحياة ليس في السنوات القريبة، بل ربما على المدى البعيد. سيدرك الناس أن حياتهم عادت في قبضة التكنولوجيا. سيدرك الناس، خصوصا، إذا لم تعلمهم المدرسة كيفية الاستفادة من هذه التكنولوجيات بشكل يخدم حياتهم، أنهم فقدوا طراوة الحياة، بل فقدوا التركيز في علاقاتهم الاجتماعية وغيرها. في السابق، وربما ما زال هذا، كان البدوي يبيع أرضه، وينتقل للمدينة التي أغرته للعيش تحت ضوئها، اليوم، الغني يفعل العكس، فهو يعيش في البادية، وحريص على أكل طعام البادية، بينما البدوي، وإن بقي في باديته، فهو يبيع بيضه ودجاجه وخضرواته، إلخ، ويشتري بضاعة المدينة، دقيقا أبيض ومربى وزيتا روميا، إلخ)، بل أكثر من هذا فبدوره البدوي، التحق بكماشة الهاتف المحمول، وترك حرث أرضه وخدمة فلاحته، وعلموه كيف يصنع «محتويات» لبيعها في عوالم التكنولوجيا.
يبدو أن الإنسانية، ومهما سهل تواصلها اليوم، إذ أصبحت تعيش في هاتف محمول واحد، والكل يشاهد الكل، بل غابت حميمية الحياة والعلاقات الإنسانية، وأصبحنا «نحملق» في ما يجري داخل بيوت الناس، فإننا فقدنا شيئا مهما في هذه الحياة. طراوة أدمغتنا هي اليوم في مهب الريح، بل أعضاء جسمنا «تخدرت» بهواتفنا المحمولة، وبمجرد نهوضنا من نومنا، نجد هذه الهواتف المحمولة بجانبنا، فتبدأ رحلاتنا الافتراضية، وربما قبل غسل وجوهنا، بل حتى ونحن نتناول وجبة فطورنا، نضع هاتفنا في يد وفطورنا في اليد الأخرى، دون النظر إلى من حولنا ولا الاستمتاع بلذة ما نشرب ونأكل، وهو ما يعقد وظيفة المعدة والدماغ…
الحبيب ناصري
كاتب مغربي
المصدر: القدس العربي