عبد الباري عطوان
عندما يبادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “بجلالة قدره” بالاتصال بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء، والذريعة هي تهنئته بعيد الفطر المبارك، فان هذا يعني ان من بادر بالاتصال يعيش في أزمة، ويريد مساعدة الرئيس المصري للخروج منها، فليس من عادة الرئيس ترامب، ومعظم الرؤساء الأمريكيين ان يبادروا بالاتصال بزعماء العالم الثالث للتهنئة بالأعياد، خاصة رئيس رفض دعوتهم لزيارة البيت الأبيض، رفضا لإملاءاتهم، ونحن نتحدث هنا عن الرئيس المصري الذي قال “لا” للغطرسة الامريكية ورفض مجرد مناقشة خططها لتهجير أبناء قطاع غزة، مثلما رفض ان يكون زيلينسكي آخر، سواء اتفق معه البعض او اختلف.
البيان الرئاسي المصري عن فحوى هذا الاتصال المفاجئ من زعيم الدولة الأقوى في العالم عسكريا واقتصاديا (حتى الآن) قال كلاما دبلوماسيا حول تطرقه الى تعزيز العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين البلدين، والأوضاع في الشرق الأوسط، وجهود الوساطة لإعادة الهدوء للمنطقة وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على الملاحة في البحر الأحمر، ويوقف الخسائر الاقتصادية لكل الأطراف”، اما البيان الرسمي الأمريكي فكان اكثر وضوحا واختصارا حيث اكد الرئيس ترامب “مناقشته الأوضاع في قطاع غزة، والمواجهة التي تخوضها أمريكا ضد حركة انصار الله في اليمن”.
ad
***
ad
هذه المكالمة الامريكية الطارئة ومن قبل رئيس مغرور متغطرس صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم، جاءت لعدة أسباب نلخصها في النقاط التالية:
تلبية طلب إسرائيلي رسمي الى الولايات المتحدة للتدخل لتفكيك البنية التحتية العسكرية التي أنشأها الجيش المصري في سيناء لانها تمثل انتهاكا للملحق الأمني في اتفاقات كامب ديفيد وتشكل قلقا استراتيجيا للقيادة العسكرية لدولة الاحتلال.
ثانيا: أحاديث مكثفة في الاعلام العبري تتحدث عن توسيع أرصفة الموانئ ومدرجات المطارات المصرية في سيناء، وتأكيد مسؤول عسكري إسرائيلي كبير لقناة “14I” الإسرائيلية الرسمية (يعتقد انه الجنرال يسرائيل كاتس وزير الحرب) ان إسرائيل لن تقف مكتوفة الايدي وسترد.
ثالثا: إنخراط مصر في مفاوضات مع كوريا الجنوبية لشراء 70 طائرة هجومية من طراز ” FA 50″ متطورة جدا وربما تتفوق على نظيرتها “اف 16” ويمكن ان تُحدث، حسب المجلات العسكرية المتخصصة، تحولا كبيرا في قدرات سلاح الجو المصري، وربما جاءت هذه الخطوة، أي الذهاب الى كوريا، بعد نشر ملحق صحيفة “التايمز” البريطانية العسكري، معلومات تؤكد ان وزارة الدفاع الامريكية هي التي تتحكم في مفتاح تشغيل جميع الطائرات المقاتلة الامريكية وخاصة “اف 35” الشبح، وان دولا اوروبية عديدة الغت طلبات لشراء الأخيرة للسبب نفسه.
رابعا: الهجمات الامريكية التي استهدفت مدنا يمنية مثل صنعاء وصعدة، والحديدة، فشلت في تحقيق أهدافها بتوقير ملاحة تجارية آمنة في البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب، وهزيمة حركة “انصار الله” اليمنية ووقف هجماتها بالصواريخ والمسيّرات على حاملات الطائرات الامريكية (هاري ترومان) والفرقاطات المصاحبة لها، ويبدو ان الرئيس ترامب يريد الاستنجاد بسلاحي البحرية والجوية المصريين في هذه الحرب الخاسرة.
خامسا: تصاعد غضب الشارع المصري من جراء استئناف حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال في قطاع غزة في اختراق فاضح ودموي لاتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته أمريكا، وكانت المظاهرة الضخمة التي انطلقت في القاهرة قبل بضعة أيام، ودون أي تدخل للشرطة لفضها، رسالة إنذار بقرب حدوث إنفجار شعبي، ربما يتطور الى عمل عسكري ضد إسرائيل.
سادسا: ترامب لم يتخل عن مخططه لتهجير مليونين ونصف المليون من قطاع غزة، بما يؤدي الى إقامة “ريفيرا الشرق الأوسط” ولعل تمسك مصر بإعادة الاعمار ورفضها الحاسم للتهجير حماية لأمنها القومي، هو أحد الأسباب الرئيسية لهذه المكالمة الهاتفية مع الرئيس المصري في محاولة أخيرة لإقناعه بالتماهي مع هذه الخطط، وربما كرر الرئيس ترامب تهديداته بقطع المساعدات المالية والعسكرية عن مصر.
سابعا: التقارب المصري الإيراني الذي بدأ يتعزز هذه الأيام، في تواز مع التهديدات الامريكية بتوجيه ضربة “جهنمية” للمنشآت النووية الإيرانية، بعد رفض طهران المطالب التي وردت في رسالة ترامب الى المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وتطالب بتفكيك البرامج النووية، ووقف كل أعمال التخصيب، والتوقف كليا عن دعم أذرع المقاومة في اليمن وقطاع غزة، وجنوب لبنان، والعراق، فترامب يريد من مصر الوقوف في الخندق الأمريكي ضد ايران.
لا نعرف كيف كان رد الرئيس المصري على المطالب التي وردت في مكالمة نظيره الأمريكي، ولكن الأمر المؤكد ان هذا الرد لا يمكن ان يتأتى في المكالمة الهاتفية، فمصر دولة مؤسسات، والعسكرية منها هي صاحبة القرار الأخير، ولا بد من الرجوع الى مجلسها الأعلى الذي يضم عقولا وخبرات عسكرية جبارة، ومن يقول غير ذلك لا يعرف مصر ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
ما يمكن ان نقوله، ان مصر وفي ظل “العدوانات” وحرب الإبادة التي تمارسها “إسرائيل” في غزة ولبنان، والتدمير في سورية، والتواطؤ الأمريكي معها (أي الحروب الإسرائيلية) من حقها ان تعزز قواتها العسكرية، في ظل الانتهاكات الاسرائيلية لاتفاقية كامب ديفيد التي انهارت على الأرض بعد احتلال محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وارتكاب المجازر في قطاع غزة، أحد أبرز حوائط السد في استراتيجية الامن القومي المصري.
***
لا نعتقد ان مصر ستسمح لامريكا في التدخل في شؤون أمنها القومي، وتطالبها بالتجاوب مع الطلبات الإسرائيلية لتفكيك البنى التحية العسكرية في سيناء فهذه مسألة سيادية وعلى الرئيس ترامب وكل حلفائه في دولة الاحتلال ان يتذكروا ان مصر دولة عظمى وتملك إرثا حضاريا يمتد الى أكثر من 8 آلاف عام بالمقارنة مع عمر أمريكا الذي لا يزيد عن 300 عام وإسرائيل 76 عاما فقط، أي انها ليست جمهورية موز، ولن تكون، وبن غوريون مؤسس دولة الاحتلال قال ان قوة اسرائيل ليست في قنابلها النووية، وإنما في القضاء على جيوش ثلاث دول هي مصر والعراق وسورية.
اما فيما يتعلق بالطلب الأمريكي لمصر بالاشتراك في حرب بلاده في اليمن، فلا نعتقد انه سيتم التجاوب معه، فمصر رفضت الدخول في حرب السعودية والامارات الأخيرة في اليمن، وهما الأقرب لها في المنطقة، لانها تعرف مقدما انها حرب خاسرة، من واقع خبرتها المأساوية في هذا البلد، ومن المؤكد، او هكذا نأمل، ان تظل بعيدة عن هذه المقامرة الامريكية الاستعمارية الخاسرة سلفا، فاليمن دخل التاريخ كهازم للامبراطوريات، والأمريكية لن تكون استثناء.
ختاما نذّكر للمرة الثانية ان مصر هي التي فاجأت إسرائيل، واقتحمت خط برليف في عز النهار، وسجلت أحد أبرز الانتصارات في التاريخ العربي، أي حرب العاشر من رمضان أكتوبر عام 1973، ولا نعتقد انه من قبيل المفاجأة ان “طوفان الأقصى” “الحمساوي”، قد جرى تنفيذه، وإلحاق الهزيمة الأكبر الثانية بدولة الاحتلال في التاريخ نفسه، أي السابع من تشرين اول (أكتوبر) المبارك.. فهل يعيد التاريخ نفسه في الحالة المصرية وعلى ارض سيناء الطاهرة.. لا نستبعد ذلك.. والأيام بيننا.
المصدر: رأي اليوم