ظهرت في غضون يومين فقط روايتان عن «مؤامرة إسلامية كبرى»، الأولى في إسرائيل والأخرى في أوروبا. تتشابه الروايتان في مفرداتهما وأهدافهما السياسية بصورة لافتة. ففي إسرائيل، اتهم بنيامين نتنياهو وحلفاؤه، الأحزاب العربية بـ»سرقة الانتخابات بأموال أجنبية». أطلق بتسلئيل سموتريتش، أحد أعضاء «عصابة نتنياهو» الأكثر تطرّفا، هذا التصريح المثير للسخرية: «إسرائيل لن تباع للإسلام المتطرّف بأموال إرهابية».
أما في أوروبا، فكشف تحقيق استقصائي واسع تفاصيل عن حملة دعائية متواصلة منذ ثلاث سنوات، تتهم قطر بتدبير مخطط لـ»أسلمة أوروبا»، مستخدمة خطابا عنصريا معاديا للمسلمين والمهاجرين. كشفت الدراسة عن قرائن تقنية تشير الى احتمال ارتباط الحملة هذه أيضا بجهات في قطاع الدعاية الإسرائيلي.
اندلعت اتهامات نتنياهو وشركاه بعدما حققت الأحزاب العربية إنجازا انتخابيا غير مسبوق بحصولها على 19 مقعدا، مشكلة بذلك حاجزا يمنع معسكر نتنياهو من امتلاك أغلبية برلمانية، ومانحة خصومه فرصة لتشكيل حكومة بديلة. سارع معسكر نتنياهو إلى تحويل موضوع مشاركة الفلسطينيين الكثيفة إلى اتهامات بالرشوة والتدخل الأجنبي، طالت قطر وتركيا، رغم تأكيد الشرطة ولجنة الانتخابات عدم وجود أدلة على تزوير ممنهج.
لم تكتف «عصابة نتنياهو» بالتشكيك في النتائج بل وصفت ما جرى بأنه محاولة لتمكين جهات أجنبية من السيطرة على الكنيست و»أسلمة إسرائيل» وبذلك تحوّل حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم إلى خطر على الدولة وأصبح احتمال مشاركتهم في تشكيل الحكومة قرينة على «مؤامرة خارجية».
أما حملة التأثير الرقمي الواسعة فاستهدفت نحو ثلاثين دولة، بإعلانات قدّرت أعداد المطلعين عليها بنحو 830 مليونا، وقدّمت المسلمين والمهاجرين باعتبارهم أدوات لمشروع قطري يستهدف تغيير الهوية الأوروبية، مستعينة بصور مفبركة، وحسابات وهمية، وإعلانات مدفوعة، وروايات من نظرية «الاستبدال العظيم» التي يروّج لها اليمين العنصري الأوروبي. كشف التحقيق أدلة تقنية ومهنية تشير إلى منشأ إسرائيل محتمل، بينها بيانات إنتاج مقاطع دعائية، وعناوين الكترونية، وصلات بأشخاص عملوا في حملات سياسية سابقة.
يكشف التناظر بين الحملتين آلية تسويق سياسية مشتركة تقوم على تصوير المسلمين باعتبارهم خطرا ديموغرافيا وأمنيا، ثم اختراع قوة خارجية تُدير هذا الخطر وتموّله، وفيما تصبح الهجرة وبناء المساجد علامات على مؤامرة في أوروبا، تصبح المشاركة الانتخابية العربية دليلا على اختراق أجنبي.
تتكشّف المفارقة هنا في تشابك خيوط «المؤامرة العالمية» ضد المسلمين وقطر، التي تشير إلى تورّط إسرائيل، مع خيوط مؤشرات المؤامرة التي طبخها نتنياهو ضد الأحزاب العربية في إسرائيل والتي «تقود إلى مكتبي نتنياهو ورئيس الشاباك أكثر مما تشير إلى قطر»، كما يقول عاموس هرئيل، المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس». وفي المؤامرتين يتم تحويل جماعة دينية أو قومية كاملة إلى متهم جماعي، فيما تكشف الواقعتان آلية صناعة الخوف وبيعه سياسيا عبر الحدود، بالاستفادة من منصات رقمية تجني الأرباح من انتشاره، ومن قوى سياسية تجد في التحريض وسيلة لشد عصب اليمين اليهودي المتطرّف وتبرير إقصاء الفلسطينيين.
رأي القدس