عبد الباري عطوان
هناك مثل دارج يقول “المية تكذب الغطاس”، وينطبق “حرفيا” على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع تغيير بسيط، وهو ان ناقلات النفط في مضيق هرمز، وعمليات القصف والاغراق لها تفضح كل تصريحاته.
ما يؤكد هذا الكلام، واحتمالات خسارة الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا في الانتخابات النصفية التي باتت على بعد خمسة أيام فقط، حادثتين رئيسيتين:
الأولى: البيان الذي صدر عن الحرس الثوري الإيراني اليوم الخميس ويؤكد اشتعال النيران واغراق ثلاث ناقلات نفط اصطدمت بألغام اثناء محاولتها عبور مضيق هرمز في ممرات جنوبية، وبعد يوم واحد من تأكيد الجيش الأمريكي بأنه قام بنزع جميع الألغام البحرية التي زرعها الإيرانيون في الممرات الرئيسية في المضيق.
الثانية: اغراق سفينة حاويات إسرائيلية في البحر الأسود قبالة السواحل البلغارية بعد تعرضها لهجوم بثلاث مسيّرات بحرية “مجهولة الهوية”، وتفيد المعلومات الأولية ان السفينة التي كانت تقل 421 حاوية بعضها من المواد عالية التفجير، قد انطلقت من ميناء حيفا في فلسطين المحتلة.
***
إذا عدنا إلى الحادث الأول، اي اصطدام الناقلات الثلاث بالألغام البحرية وغرقها، فإنه ليس جديداً، ويؤكد أن الحرس الثوري ما زال يسيطر على المضيق بشكل شبه كامل، ولا يمر أسبوع دون تكرار القصف نفسه، وقبل عشرة أيام جرى قصف وإغراق 13 ناقلة نفط دفعة واحدة، كانت تعبر الممرات الجنوبية بحماية أمريكية، والأهم من ذلك إسقاط مسيّرة أمريكية متطورة جداً من طراز “MQM 170” والاستيلاء عليها.
ما نريد أن نقوله عن تكرار الهجمات على الناقلات المتسللة بتحريض أمريكي لمضيق هرمز يكذب كل التصريحات التي كررها الرئيس ترامب حول عودة الملاحة في المضيق إلى حالتها الطبيعية قبل الأزمة، وأن حجم كميات النفط التي حملتها الناقلات زادت عن 20 مليون برميل يومياً.
أما إذا انتقلنا إلى الحادث الثاني الذي استهدف حاوية ناقلات إسرائيلية في البحر الأسود وقبالة الشواطئ البلغارية، إذا تأكد أن الحرس الثوري الإيراني يقف خلفه، فإنه يعني أن هذا الحرس بدأ يترجم تهديداته عملياً بالانتقال إلى مرحلة التوسيع الجغرافي للهجمات، ونقلها إلى الأهداف والقواعد الأمريكية الإسرائيلية خارج منطقة الشرق الأوسط، وفي أوروبا وبحارها وأراضيها على وجه التحديد.
ختاماً نقول، وبعد هذه المقدمة الطويلة، إن الرسالة التي بعث بها جي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلى الجنرال محسن رضائي، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، لإعادة إحياء المفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، تعكس اعترافاً أمريكياً رسمياً ومباشراً بفشل الحل العسكري في الحرب الإيرانية، ومحاولة أخيرة ويائسة لإنهائها قبل أيام معدودة من الانتخابات النصفية، لإنقاذ الحزب الجمهوري الحاكم من هزيمة كبرى فيها.
***
ادعاء ترامب بأنه لم يُكَلِّف نائبه بالإقدام على هذه الخطوة يؤكد وجود خلافات بين الرئيس ونائبه، وربما أيضاً تمرد الأخير على رئيسه، وطرح نفسه كخليفة له في قيادة الحزب في مرحلة ما بعد الانتخابات والهزيمة المحتملة فيها.
أمريكا انهزمت في الحرب الإيرانية، وبدأت عملية انسحابها من منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يفسر سحب جميع قواعدها العسكرية في سورية وشمال العراق وجنوبه، وتدميرها في منطقة الخليج، ولعل ذهاب وفود أكبر ثلاث دول حليفة لأمريكا (السعودية، تركيا، باكستان) إلى طهران والتنسيق معها، هو اعتراف قادتها بهذه الحقيقة، أي بداية الهروب الأمريكي من المنطقة، والاتجاه إلى الاعتماد على النفس، وإقامة نظام إقليمي أمني مستقل عن أمريكا.. والأيام بيننا.
رأي اليوم