You are currently viewing نحن أمام لحظة قد تطوي صفحة نتنياهو إلى الأبد

نحن أمام لحظة قد تطوي صفحة نتنياهو إلى الأبد

على بعد خمسة أسابيع من انتخابات الكنيست، يزداد المشهد الإسرائيلي الداخلي “ضبابية”، وتضيف استطلاعات الرأي المختلفة، بنتائجها المتفاوتة (وفقا لهوية الجهة التي تُجريها)، مزيدا من الغموض حول مستقبل السلطة والمعارضة في إسرائيل.

لكن الثابت المتكرر في معظم المسوحات والاستطلاعات، أن ثمة “توازنا دقيقا” بين المعسكرين المتنافسين، وأن “الحسم” ليس مضمونا، وقد لا يكون متاحا، لأي منهما، فهل تنجح إسرائيل في إنتاج حكومة جديدة في أعقاب المهل “الدستورية” للتكليف والتأليف، ممن ستتشكل ومن سيرأسها، أم إنها ستدخل من جديد، في دوامة “الانتخابات المبكرة”، التي مرت بها بين أبريل/نيسان 2019، ومارس/آذار 2021، وما الذي يعنيه بقاء نتنياهو أو مجيء غادي آيزنكوت، فلسطينيا وإقليميا؟

الاستعصاء
في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، سيتجه 7.3 ملايين ناخب إسرائيلي، من بينهم 1.2 مليون عربي فلسطيني (16-17%)، لاختيار 120 عضوا في الكنيست المقبل، من بين 38 قائمة أغلق عليها باب الترشيح (من بينها قائمتان فلسطينيتان)، ترجح الاستطلاعات نجاح 12 قائمة منها في اجتياز عتبة الحسم (3.25%، بما يعادل أربعة مقاعد). وتجمع الاستطلاعات على دخول القائمتين الفلسطينيتين، المشتركة والموحدة، الكنيست الـ26 المقبل.

باستثناء تلك الاستطلاعات التي تجريها مراكز وقنوات وصحف موالية لليكود ومحسوبة على نتنياهو (شخصيا)، فإن بقية الاستطلاعات والمسوحات، تُجمع على تعذر تسجيل أي من المعسكرين الرئيسيين المتنافسين، الرقم السحري: 61 مقعدا، ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان.

وفي التفاصيل، يحصل الائتلاف القائم، أو معسكر اليمين الأكثر تطرفا بزعامة نتنياهو وشراكة بن غفير وسموتريتش وأحزاب دينية أخرى، على عدد من المقاعد يراوح بين 50 و54 مقعدا، قد يلامس ضفاف الـ58 والـ60 مقعدا (الليكود 18-21، عظمة يهودية، شاس ويهودت هتوراه 7-8 مقاعد لكل منها، الصهيونية الدينية 5-6 مقاعد، أخرى 8-9 مقاعد، إن اجتازت عتبة الحسم وقررت الائتلاف مع نتنياهو).

والمفارقة المفهومة هي أن المقاعد التي يخسرها الليكود، تذهب لأحزاب يمينية أخرى، أما المفارقة المقلقة لـ”ملك إسرائيل” فتتمثل في أن هذه الأحزاب، قد لا تصل إلى عتبة الحسم، فتضيع معها أصوات اليمين هباء وتتوزع على بقية “القبائل المتنافسة انتخابيا” وفقا لنظام التمثيل النسبي المُعتمد.

سيكون من الصعب الجزم بهوية الحكومة القادمة ورئيس حكومتها، في ضوء التعادل القائم الذي تظهره استطلاعات الرأي العام بين المعسكرين، وهو تعادل يمكن أن يختلّ تماما إن تمكنت قائمة صغيرة واحدة أو اثنتان من اجتياز عتبة الحسم أو أخفقت بالوصول إليها، وإن بفارق ضئيل من الأصوات

أما المعسكر الآخر، اليمين المتطرف المعارض، فحاله ليس أفضل كثيرا، إذ تعطيه معظم الاستطلاعات الجادة وزنا يراوح بين 52 و56 مقعدا (يشار 21-24 مقعدا، معا 10-13 مقعدا، الديمقراطيون 9-10 مقاعد، إسرائيل بيتنا 8-9 مقاعد، وباحتساب مقاعد القائمة الموحدة (من داخل الائتلاف أو من خارجه)، أو فرضية انضمام واحدة من الكتل الصغيرة، سيقترب هذا المعسكر من حاجز الـ61 مقعدا، وبخلاف ذلك يصعب تصور سيناريو تشكيل حكومة منفردة.

بين المعسكرين المتصارعين والمتعادلين تقريبا، ثمة معسكر ثالث، فلسطيني، يرجح حصوله على 12 مقعدا، كتلة ثالثة أو رابعة في الكنيست، بيد أنها كتلة منقسمة إلى جناحين، مشتركة وموحدة، وقد تكون مرشحة للزيادة والنقصان، وفقا لنسبة الإقبال على الاقتراع في الوسط العربي، فإن بلغت مثيلتها في المجتمع اليهودي (على فرض 75% وتصويت للقوائم العربية حصرا)، يمكن أن تأتي بعدد يراوح بين 17 و18 مقعدا، لكن للأسف لا يبدو سيناريو كهذا مرجحا.

يوصف الصوت العربي في الكنيست المقبل بـ”صانع الملك”، مع أن معظم “ملوك إسرائيل” يفضلون النزول عن عروشهم على الارتقاء إليها أو البقاء في سدّتها بالرافعة العربية، لا من داخل الائتلاف ولا من خارجه، فمنصور عباس على سبيل المثال، لا يبدو “جيدا بما يكفي” لليمين على ضفتي الائتلاف والمعارضة، حتى بعد أن وضع يواف سيغالوفيتش في الموقع الثاني المضمون على قائمته، وأصبح موضوعه مادة للتراشق الإعلامي بين الكتل الصهيونية المتنافسة التي يسارع قادتها لإعلان البراءة من العرب وممثليهم.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات
سيكون من الصعب الجزم بهوية الحكومة القادمة ورئيس حكومتها، في ضوء التعادل القائم الذي تظهره استطلاعات الرأي العام بين المعسكرين، وهو تعادل يمكن أن يختلّ تماما إن تمكنت قائمة صغيرة واحدة أو اثنتان من اجتياز عتبة الحسم أو أخفقت بالوصول إليها، وإن بفارق ضئيل من الأصوات، ثم إن “درجة الدقة والصواب” في هذه الاستطلاعات، والتي تراوح عادة ما بين 3-5%، قد تبتلع الفارق بين هذه الكتلة أو تلك، وفيما يلي أربعة من أرجح سيناريوهات المشهد الحكومي الإسرائيلي لما بعد الانتخابات:

الأول: عودة نتنياهو والائتلاف (وأرجحيته بين متوسطة ومرتفعة)
سيخوض نتنياهو معركة بقائه، بوصفها معركة وجود شخصية، وسيخوض اليمين الفاشي الأكثر تطرفا، المعركة من خلفه، ليس بوصفها معركة “الحسم” مع الفلسطينيين وجيرانهم العرب وإيران فحسب، بل بوصفها “الفرصة النادرة” لإعادة تشكيل “الدولة اليهودية” على صورتهم وطرازهم، وسيعتمد نتنياهو في معركته هذه على مخزون متراكم من التجارب في شق صفوف المعارضة، وإغواء المترددين من بين أعضائها بالمناصب الوزارية.

وسيبحث عن نقاط ضعف خصومه وحلقاتهم التي يمكن كسرها، كما فعل دوما.. سيلعب ضد غادي آيزنكوت بورقة تحالفه مع “اليسار والديمقراطيين” واعتماده على الصوت العربي لتشكيل ائتلافه وحكومته، كما سيلعب على فريق نفتالي بينيت، اليميني أصلا، بورقة “ليبرالية يائير لبيد” التي قد تهدد مشروع “قومية ويهودية الدولة”، التي تداعب مخيّلة فريقه، كما سيراقب أداء الكتل الصغيرة التي ستتمكن من اجتياز عتبة الحسم، وجُلّها من معسكر اليمين.

سيجد نتنياهو عقبة في طريقه، تتمثل في “التعديل 49 على نظام الكنيست”، الذي يعاقب العضو بالحرمان من الترشح مستقبلا أو الحصول على حقيبة وزارية إن هو انشق عن كتلته، لكن التعديل ذاته، يشترط انسحاب ثلث الكتلة البرلمانية، وتشكيل كتلة جديدة، للالتحاق بالائتلاف إن كان الحزب الأم في المعارضة، وهذه مهمة صعبة، وإن كانت غير مستحيلة.

لدى نتنياهو سجل تاريخي في “تشقيق” معارضيه، وقد فعلها مع إيهود باراك وعدد من نواب العمل في عام 2011، زمن حكومته الثانية، ومع بيني غانتس على رأس أزرق أبيض في عام 2020، ومع حزب “يمينا” بقيادة بينيت عام 2022 حيث أسقط حكومة الـ61 نائبا بسحب اثنين منهما إلى صفوفه (عيديت سيلمان وعميخاي شيكلي)، حيث سيترشحان لاحقا في مواقع مضمونة على قائمة الليكود، وسيصبحان وزيرين في حكومة نتنياهو اللاحقة.

سيستفيد غادي آيزنكوت، من تدني شعبية نتنياهو لدى الرأي العام الإسرائيلي، ومن أجواء إقليمية ودولية، ترغب -ربما- في طيّ صفحة نتنياهو، كما تتجلى في مواقف أوروبية وأمريكية، وفي دلالة الكشف عن تحذيرات إقليمية تبلغها عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، دون أن يأخذها على محمل الجد

الثاني: حكومة برئاسة غادي آيزنكوت والمعارضة (وأرجحيته متعادلة مع السيناريو الأول)
قد يحظى غادي آيزنكوت بفرصة التكليف، لكنه سيصطدم بمصاعب جمّة عند التأليف، من بينها أن ركنين في تحالف المعارضة (بينيت وليبرمان)، يرفضان الاعتماد على الصوت العربي، لا من داخل الائتلاف ولا من خارجه، وسيواجه موقفا رافضا من زعيم “إسرائيل بيتنا” ضد إشراك أحزاب دينية (شاس مثلا) في الائتلاف، وهي أحزاب سبق لها أن ائتلفت مع العمل والليكود، ما دامت حصتها من “الميزانية” محفوظة، وسيجابه صراعا داخل تحالف المعارضة على الزعامة، بالذات مع بينيت، الذي أعطته الاستطلاعات أفضلية على نتنياهو مؤخرا، وإن لم تنصف حزبه وقائمته المؤتلفة مع يائير لبيد.

سيستفيد غادي آيزنكوت، من تدني شعبية نتنياهو لدى الرأي العام الإسرائيلي، ومن أجواء إقليمية ودولية، ترغب -ربما- في طيّ صفحة نتنياهو، كما تتجلى في مواقف أوروبية وأمريكية، وفي دلالة الكشف عن تحذيرات إقليمية تبلغها عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، دون أن يأخذها على محمل الجد، وسيبني على الشعار الذي يوحد المعارضة اليوم: “إلا نتنياهو”.

لكنه في المقابل، وحتى بفرض نجاحه في تدوير الزوايا الحادة بين أركان ائتلافه المشتت، فإن حكومته ستظل هشة أمام معارضة ستزداد شراسة بعد الانتخابات، إن هي فقدت “الأغلبية البرلمانية” وضيّعت “الفرصة النادرة”، كما أن قدرته على الاحتفاظ بشبكة أمان “منصور عباس”، ستظل رهنا بما قد يقدمه بعد التأليف من “مكاسب” للمجتمع العربي، بوجود حكومة لا تخفي عداءها لهذا الوسط، وتتبرأ من أي ملمح للتقارب منه أو التعاطف معه.

الثالث: سيناريو هيرتسوغ (أرجحيته من ضعيفة إلى متوسطة)
ونقول سيناريو إسحاق هيرتسوغ (رئيس الدولة)، بالنظر لما تعهد به من استعداد لتوظيف كافة أدواته الدستورية والقانونية والمعنوية، للخروج من استعصاء تشكيل الحكومات في إسرائيل، ولسأمه الظاهر من حكومة اليمين الأكثر تطرفا، التي أسهمت سياساتها وممارساتها في إلحاق أسوأ الضرر بصورة إسرائيل ومكانتها، وفرضت عليها أطواقا تشتد ضيقا من النبذ والعزلة.

هيرتسوغ، كما قال، سيمنح التكليف، بعد إعلان النتائج رسميا (خلال 8 أيام) وبعد المشاورات مع الكتل النيابية (14 يوما أخرى)، لا لزعيم الحزب الفائز، بل للشخصية القادرة على تشكيل أوسع ائتلاف، يشكل رافعة للاستقرار الحكومي، وفي هذه الحالة، يفضل أن تكون حكومة وحدة وطنية، إن بزعامة ممتدة لرئيس حزب بعينه، أو في سياق “التناوب”.

وهو كما تقول المصادر الإسرائيلية، لوّح بورقة عدم تجديد المهل الممنوحة للمكلف الأول وكذلك الثاني، كما أنه أبدى استعدادا لنقل المشاورات إلى العلن، لوضع المتسبب بالتعطيل في مواجهة مع الرأي العام، الذي يرغب عادة، بالاستقرار الحكومي، ويفضل غالبا حكومات الوحدة، أيا تكن صيغة العلاقة بين مكوناتها، وطبيعة اتفاقاتها على طرق توزيع المقاعد والمناصب وتقاسم الكعكة.

نتنياهو يميل إلى هذه الصيغة حال تعذر عليه تشكيل حكومة منسجمة مع أركان ائتلافه القائم، بيد أن قادة المعارضة، يرفضونها حتى الآن، جملة وتفصيلا، وشعارهم موضع إجماعهم: “إلا نتنياهو”، وذاكرتهم ما زالت طازجة عن “غدر” نتنياهو، وتنصله من الاتفاقات مع شركائه، والمصائر الصعبة التي آل إليها كل من وضع بيضه كاملا في سلته، لا سيما أن الرجل ما فتئ يكرر صبح مساء، بأن قبوله بالائتلاف في حكومة تناوب، مشروط بأن يرأس الحكومة أولا، تماما مثلما فعل ببيني غانتس، الذي يكابد اليوم يائسا لاجتياز عتبة الحسم، بعد أن نال حزبه 35 مقعدا في انتخابات الكنيست الـ21 عام 2019.

العقبة الأبرز، التي ستواجه هيرتسوغ، ستتمثل في رفض نتنياهو أن يكون “ثانيا”، بمعنى أن يتيح لغادي آيزنكوت أن يتولى رئاسة الحكومة للفترة الأولى، وفي رفض الأخير أي شراكة مع نتنياهو في حكومة واحدة، وهو رفض ينسحب على قادة أحزاب معارضة أخرى.

لن تكون هناك دولة فلسطينية، لا مع نتنياهو ولا مع غادي آيزنكوت، في أحسن الحالات، يمكن التفكير بإجراءات تخفيفية على حياة المواطنين العادية، يمكن التفكير بإدخال مزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة، يمكن التفكير بتجاوب أفضل مع بعض بنود خطة ترمب، بخلاف ذلك، ستكتشف السلطة والمقاومة، أن غادي آيزنكوت هو نتنياهو

الرابع: دخول إسرائيل دوامة الانتخابات المبكرة
إن سارت أمور التكليف والتأليف، وفقا للجداول الزمنية المقررة لها بموجب القانون الإسرائيلي الأساس، فإن فترة زمنية قد تمتد لخمسة أشهر، لتشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن يجد الكنيست نفسه مرغما على حل نفسه بنفسه، والذهاب إلى انتخابات مبكرة في غضون ثلاثة أشهر، تبقى خلالها الحكومة على حالها، كحكومة انتقالية، لا تعدم السلطات والصلاحيات، لمواصلة ما تفعله اليوم.

وإسرائيل خبرت تجربة الانتخابات المبكرة، بالذات بين أبريل/نيسان 2019 ومارس/آذار 2021، حيث شهدت أربعة انتخابات في غضون عامين اثنين فقط، حين تشكلت حكومة بينيت ولبيد، التي لم تعمر طويلا على أية حال.

سيناريو كهذا، قد يكون خط الدفاع الثالث لنتنياهو، إن هو فشل في تشكيل حكومة يمين من ائتلافه القائم، أو أخفق في إقناع غادي آيزنكوت بحكومة تناوب، يحل فيها أولا كرئيس للحكومة، هذا السيناريو سيبقيه على رأس الحكومة، حتى وإن كانت بصفة “انتقالية”، ويَقِيه مما قد ينتظره من محاكمات وتحقيقات، وفي أقل تقدير، يبقي لنفسه القدرة على ضبط إيقاعاتها.

نتنياهو وغادي آيزنكوت: أين يتفقان وأين يفترقان؟
يتفق الرجلان، بما يمثلان، ومن يمثلان، على الأهداف والمآلات النهائية لحروب إسرائيل في المنطقة، ضد إيران ولبنان وسوريا واليمن، وفي القضية الفلسطينية على نحو خاص، لا سيما لجهة رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة، على الأرض المحتلة عام 1967، وأحسب أن كلا الرجلين، ينضحان من إناء مجتمعي إسرائيلي، انزاح على نحو غائر، صوب التطرف الديني والقومي، وبات متصالحا مع مشاريع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري، على خلفية أحاسيس عميقة بالتفوق العرقي، تنتشي بالإنجازات العسكرية المتحققة في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

ومع ذلك، فإن شعار “إلا نتنياهو” الذي يداعب مخيلة المعارضة ويوحد صفوفها المتنافرة، يبدو أنه يلخص مواقف أطراف فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية عديدة، بعد أن ضاق العالم ذرعا بنتنياهو، وبعجزه (العالم) عن لجمه وكبح جماحه.

وثمة سبب آخر لهذا التفضيل، ويتجلى بوجود قناعة سائدة، بأن أي رئيس وزراء لإسرائيل، لن يكون بالخبرة والقوة والقدرة على مقاومة الضغوط، وإدارة الظهر للجميع، مثلما هو حال “ملك إسرائيل”.

في الطريق لتحقيق مشروع “الإجماع القومي-الديني” في إسرائيل، قد تفترق طرق الرجلين، نتنياهو يفضل القوة الغاشمة فقط، ويميل لاستخدامها بأعلى مستويات “الاستعراض الهوليودي”، بخلاف منافسه الذي سيسعى لمزاوجتها بالدبلوماسية (على طريق تحسين صورة إسرائيل واستعادة مكانتها)، وغالبا مع جنوح لبناء التحالفات الإقليمية والدولية.

نتنياهو قاد قاطرة التطبيع الأبراهامي قبل سنوات، بيد أن حروبه الإبادية المتوحشة، باتت تعرقل تنقّل هذه القاطرة من محطة إلى أخرى، وفي ظني أن غادي آيزنكوت، سيعمل بطريقة أذكى، على دفع هذه القاطرة إلى الأمام، مثلما سيعمل على تحسين علاقات كيانه مع دول الاتحاد الأوروبي وإعادة جذب من خرج من قبضة “السردية” الإسرائيلية، إلى بيت الطاعة مجددا، سواء في واشنطن أو بروكسل.

لن يكون بمقدور غادي آيزنكوت، إن هو أراد بالطبع، وهذا أمرٌ مشكوك فيه، أن يعيد عجلة الزمن إلى الوراء، ولن يقدم على “عكس” مسار التطورات في الضفة الغربية ولا التخلي عن “مكتسبات” الحرب في غزة وجنوبي سوريا ولبنان، ولكنه سيحاول الحفاظ على هذه المنجزات، من خلال آلية تجمع بين الدبلوماسية والتفاوض والاتفاقات الأمنية والسياسية “التطبيعية” من جهة، والهراوة العسكرية من جهة ثانية، ودائما بذريعة القضاء على التهديدات، و”حرية عمل الجيش في تبديدها وتحييدها”.

لن يصطدم غادي آيزنكوت بجيوش الاستيطان والمستوطنين في الضفة الغربية، لن يفكك مستوطنات، وقصارى ما سيفعله إخلاء بعض البؤر الاستيطانية الغائرة في عمق الضفة، والحد من الفلتان الاستيطاني الرعوي، وسيكون أكثر تعاونا مع السلطة، في مواجهة جيوب المقاومة في الضفة، ومن أجل إغلاق ملفات غزة العالقة، بما يبقي لإسرائيل اليد الأمنية العليا.

سيضبط خطواته حيال إيران على إيقاع الإستراتيجية الأمريكية، نتنياهو فعل ذلك، ولكنه لطالما تفلت من قيود واشنطن، بعد أن نجح في جرها إلى حرب لا أدري إن كانت تريدها، وسيستجيب لمساعي واشنطن لإبرام اتفاقات في سوريا، مع الحكومة في دمشق، أو مع الحكومة التركية في أنقرة، لتفادي الاحتكاك، تحت المظلة الأمريكية، لكنه لن ينسحب من أعالي قمم جبل الشيخ، ولا من مساقط المياه في حوض اليرموك، ولن يترك “الورقة الدرزية”.

وفي لبنان، سيسير على النهج ذاته، مع فارق إضافي نابع من فارق القوة التي يناصبها العداء، سيظل متمسكا بمطلب تفكيك المقاومة ونزع سلاح حزب الله، كشرط لأي ترتيبات لاحقة، ولكنه قد يعطي فرصة أكبر للدولة والجيش اللبنانيين في حساباته وإستراتيجيته، بخلاف نتنياهو الذي يؤثر تدمير القرى والأنفاق والأعيان المدنية، في عتمة الليل، لغايات التقاط صور تذكارية، من النوع الهوليودي، لتبقى راسخة في أذهان الإسرائيليين، كما في أذهان اللبنانيين والعرب، كشاهد بالنار على “تفوق إسرائيل” وبطش آلتها الحربية.

لن تكون هناك دولة فلسطينية، لا مع نتنياهو ولا مع غادي آيزنكوت، في أحسن الحالات، يمكن التفكير بإجراءات تخفيفية على حياة المواطنين العادية، يمكن التفكير بإدخال مزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة، يمكن التفكير بتجاوب أفضل مع بعض بنود خطة ترمب، بخلاف ذلك، ستكتشف السلطة والمقاومة، أن غادي آيزنكوت هو نتنياهو وإن بقناع دبلوماسي ناعم سميك.

وإن جنح غادي آيزنكوت للتجاوب مع أفكار ومبادرات، إقليمية أو دولية، فسيجد عن يمينه وشماله، من أركان حكومته، من يكبحه، ويذكره بأن الأولوية المطلقة لأمن وتفوق وهيمنة “شعب الله المختار”.

بقلم: عريب الرنتاوي

الجزيرة

نحن أمام لحظة قد تطوي صفحة نتنياهو إلى الأبد | سياسة | الجزيرة نت

شارك المقالة