دخل الذهب الأسبوع الأخير من آب/أغسطس 2026 بزخم قوي، مسجّلاً أعلى مستوى له منذ ثلاثة أشهر، في إشارة جديدة إلى أنّ الذهب لم يعد يتحرّك فقط وفقاً لمعادلة العرض والطلب التقليدية، بل أصبح يعكس القلق العالمي المتزايد بشأن الدولار والسياسة النقدية الأميركية وسوق سندات الخزانة، فقد ارتفع سعر الذهب الى نحو 4,641 دولاراً للأونصة.
ويكتسب هذا الارتفاع أهمية خاصة لأنه جاء في وقت يتراجع فيه الدولار، في وقت تتجه فيه أنظار المستثمرين إلى بيانات التضخّم الأميركية المرتقبة، وإلى خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش المرتقب في ندوة جاكسون هول. ويبدو أنّ الأسواق تحاول في الوقت نفسه قراءة اتجاه السياسة النقدية الأميركية من خلال حركة عوائد سندات الخزانة، وهي العلاقة التي تجعل الذهب والدولار والسندات تشكّل ثلاثة أضلاع لمعادلة مالية واحدة.
الدولار الضعيف يدعم الذهب
العلاقة بين الدولار والذهب معروفة تاريخياً. فالذهب يسعّر بالدولار في الأسواق العالمية، ولذلك فإنّ انخفاض قيمة العملة الأميركية يجعل المعدن أرخص بالنسبة إلى المستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، ما يرفع الطلب عليه عادة. لكنّ العلاقة الحالية باتت أكثر تعقيداً. فضعف الدولار يعكس في جزء منه تراجع توقّعات المستثمرين بشأن استمرار التشدّد النقدي الأميركي.
وإذا اقتنع المستثمرون بأنّ الاحتياطي الفدرالي يتجه إلى خفض أسعار الفائدة، فإنّ جاذبية الأصول المقوّمة بالدولار، ولا سيما أدوات الدين قصيرة الأجل، يمكن أن تتراجع. وفي هذه الحالة يجد الذهب مساحة أكبر لتعزيز حضوره باعتباره من الأصول التي لا تدفع فائدة بما يجعل الاحتفاظ به من دون كلفة، ويجعله بالتالي ملاذاً آمناً على المدى الطويل.
هنا تظهر أهمية بيانات مؤشّر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي وهو المقياس الذي يراقبه الاحتياطي الفدرالي عن كثب. فإذا جاءت أرقام التضخّم أقلّ من المتوقّع، فقد يزداد الرهان على خفض أسعار الفائدة، الأمر الذي قد يضغط على الدولار وعوائد السندات ويدفع بالمستثمرين إلى الاستعاضة عن ذلك بشراء الذهب. أما إذا جاءت البيانات التضخّمية قوية، فقد يحدث العكس بما يؤدّي الى ارتفاع توقّعات الفائدة، ودعم للدولار، وزيادة في عوائد السندات، وبالتالي يدفع المستثمرين إلى الانكفاء عن شراء الذهب.
ويستفيد المعدن الأصفر من حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد والسياسة المالية الأميركية. وتشير التطوّرات الأخيرة في سوق سندات الخزانة إلى أنّ المستثمرين أصبحوا أكثر قلقاً من تراكم الدين الأميركي ووصوله إلى أرقام قياسية متجاوزاً عتبة الأربعين تريليون دولار. فقد أثارت خطة وزارة الخزانة الأميركية لإعادة شراء سندات طويلة الأجل قلق الأسواق، خصوصاً أنّ أيّ تدخّل واسع في سوق السندات قد يؤثّر في هيكل العوائد وفي السيولة وفي توقّعات المستثمرين بشأن التمويل الحكومي الأميركي.
وتحاول الخزانة الأميركية من خلال عمليات إعادة الشراء تحسين إدارة منحنى العائد والسيولة في بعض الإصدارات، لكنّ السوق قد يقرأ هذه الخطوة أيضاً من زاوية توجّه الخزانة الأميركية إلى التدخّل أكثر في سوق السندات بما يؤثّر على العرض والطلب في سوق يبلغ حجمه عشرات التريليونات من الدولارات.
والجدير ذكره أنّ سندات الخزانة الأميركية تشكّل حجر الأساس في النظام المالي العالمي، ولذلك فإنّ أيّ اهتزاز في الثقة بها يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الدولار والأسهم والذهب وأسواق الاقتصادات الناشئة.
ارتفاع العوائد لا يعني بالضرورة قوة اقتصادية
تتمثّل المفارقة الأساسية التي تواجه الأسواق حالياً في أنّ ارتفاع عوائد سندات الخزانة يمكن أن يؤدّي الى مسارين متناقضين بحيث يمكن للمستثمرين أن يتوقّعوا نمواً اقتصادياً كبيراً في الولايات المتحدة بما يجعلهم يقبلون على شراء سندات الخزينة، أو أنهم قد يفسّرون ارتفاع أسعار الفائدة على أنه ناجم عن مخاطر عالية بما يدفعهم إلى عدم شراء السندات الأميركية والاستعاضة عنها بشراء الذهب الأكثر أمناً.
هذا ما يجعل العلاقة بين الذهب والسندات والدولار شديدة الأهمية. فإذا ارتفعت عوائد السندات بسبب تحسّن النمو، فقد يبقى الدولار قوياً ويتعرّض الذهب لضغوط. أما إذا ارتفعت العوائد في الوقت نفسه الذي يضعف فيه الدولار، فقد تكون الأسواق أمام ظاهرة مختلفة تماماً: ارتفاع العائد الاسمي لا يكفي لتعويض المخاوف المتزايدة بشأن المخاطر المالية والتضخّمية.
في مثل هذه الحالة، يتحوّل الذهب من مجرّد سلعة إلى احتياط آمن. فهو لا يعتمد على قدرة حكومة أو شركة على السداد، ولا يرتبط مباشرة بسياسة بنك مركزي بعينه. ولذلك يلجأ إليه المستثمرون عندما يشعرون بأنّ المخاطر السياسية أو المالية أو النقدية أصبحت أعلى من المعتاد.
ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية في ظلّ استمرار التوترات الجيوسياسية، بما فيها التصعيد الأميركي تجاه إيران والتهديد بفرض عقوبات جديدة على شركائها التجاريين. فالذهب عادة ما يستفيد من زيادة المخاطر الجيوسياسية، لأنّ المستثمرين يبحثون عن أصول يمكن أن تحتفظ بقيمتها في حال تعرّض الأسواق المالية لصدمات مفاجئة.
لكنّ الجدير بالذكر أنّ ارتفاع الذهب لا يعني بالضرورة أنّ المستثمرين فقدوا الثقة بالكامل بالدولار. فالدولار لا يزال العملة المركزية للنظام المالي العالمي، وسندات الخزانة لا تزال من أكثر أدوات الدين سيولة في العالم. لكن ما يتغيّر هو درجة التنويع في الاحتياطيات والاستثمارات. فكلما زادت المخاوف المتعلّقة بالدين الأميركي أو التضخّم أو السياسة المالية، ازدادت الرغبة في امتلاك أصول بديلة، وفي مقدّمتها الذهب.
اختبار جديد للسياسة النقدية الأميركية
من هنا تأتي أهمية الخطاب المرتقب لرئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش. فالأسواق لا تنتظر منه بالضرورة إعلاناً مباشراً بشأن الفائدة، بل تبحث عن إشارات حول الاتجاه العامّ للسياسة النقدية. فإذا تبنّى وارش لهجة متوازنة تترك المجال أمام خفض الفائدة، فقد يستمر ضعف الدولار وتراجع العوائد الحقيقية، ما يوفّر بيئة مواتية للذهب.
أما إذا شدّد على مخاطر التضخّم وضرورة إبقاء الفائدة مرتفعة، فقد يستعيد الدولار قوته وترتفع عوائد السندات، ما قد يؤدّي إلى تصحيح في أسعار الذهب بعد موجته الأخيرة. وسيراقب المستثمرون أيضاً منحنى عوائد الخزانة، والفارق بين العوائد الاسمية والحقيقية، وحجم الإصدارات الحكومية، والطلب الأجنبي على السندات الأميركية.
قد يكون التطوّر الأكثر أهمية هو أنّ حركة الذهب الحالية تأتي في سياق إعادة تقييم أوسع لمعادلة الأصول الأميركية، فلطالما كانت القاعدة الاستثمارية التقليدية تقول إنّ الدولار وسندات الخزانة يمثّلان ملاذاً آمناً، بينما يُنظر إلى الذهب باعتباره البديل الذي يرتفع عندما تتعرّض الثقة بالدولار للاهتزاز.
أما اليوم، فقد يصبح المشهد أكثر تعقيداً اذ قد ترتفع عوائد السندات، ويتراجع الدولار، ويصعد الذهب في الوقت نفسه. وإذا استمرت هذه الظاهرة، فإنها تعكس تحوّلاً مهماً في تفسير المستثمرين للمخاطر الأميركية. فالمشكلة لا تتمثّل في ارتفاع أو انخفاض أصل واحد، بل في العلاقة بين الأصول الثلاثة. فالدولار يعكس الثقة بالعملة الأميركية، والسندات تعكس الثقة بالقدرة المالية للحكومة الأميركية، بينما يعكس الذهب جزئياً الرغبة في امتلاك أصل لا يعتمد على أيّ منهما.
وبالتالي، فإنّ ارتفاع سعر الذهب إلى أكثر من 4,600 دولار للأونصة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرّد رقم قياسي جديد في سوق المعادن، بل هو يشكّل مؤشّراً على حالة الترقّب التي تعيشها الأسواق العالمية تجاه مستقبل السياسة النقدية الأميركية، ومسار التضخّم، وحجم الدين العامّ، واتجاه الدولار، وقدرة سوق الخزانة على استيعاب الاحتياجات التمويلية الأميركية المتزايدة.
وفي الأسابيع المقبلة، ستكون المعادلة واضحة ما بين تضخّم مرتفع وسياسة فدرالية متشدّدة ودولار قوي قد تضغط على الذهب، فيما سيؤدّي تضخّم أكثر اعتدالاً وفائدة أقلّ ودولار أضعف ومخاوف متزايدة حول سوق الخزانة الى مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب.
الميادين
لماذا عاود الذهب الارتفاع وما علاقته بأزمة الدولار وسندات الخزينة الأميركية؟ | الميادين