تحذيرات من شروط أميركية إسرائيلية معقّدة قد تُفرض على السلطة الفلسطينية في حال مشاركتها في “مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة، في ظل غياب أفق سياسي واضح ومخاطر تمس استقلالية القرار الفلسطيني ومستقبل القضية الفلسطينية.

نازحون فلسطينيون في شوارع غزّة (Getty Images)
تتزايد التحذيرات من تبعات سياسية خطيرة قد تترتب على مشاركة السلطة الفلسطينية في ما يُعرف بـ”مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة، في ظل مؤشرات على شروط أميركية إسرائيلية تمس جوهر القرار الفلسطيني واستقلاليته.
ويأتي ذلك في أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولي، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قرارًا أميركيًا يفتح الباب أمام إنشاء آلية دولية انتقالية لإدارة غزة، في إطار خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإنهاء الحرب على القطاع.
ويرى محللون أن الخطة الأميركية تفتقر لأي أفق سياسي واضح. ويربط خبراء بين هذا المسار وبين ضغوط سياسية متزايدة تُمارَس على السلطة، وسط مخاوف من تحويل دورها في غزة إلى دور إداري محدود، يخضع لإرادة خارجية.
وبحسب القرار، تُدار غزة عبر حكومة تكنوقراط فلسطينية انتقالية، تعمل تحت إشراف “مجلس سلام” تنفيذي، يقوده ترامب، وذلك وفق خطته التي أعلنها لوقف إطلاق النار وتتكوّن من 20 بندًا، ودخلت حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وفي 23 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بحث نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، في مدينة رام الله، تطورات الوضع في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
أهداف أميركية وإسرائيلية
في هذا السياق، قال مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية “مسارات”، هاني المصري، إن زيارة بلير إلى رام الله جاءت في سياق ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية للموافقة على الشروط الأميركية –الإسرائيلية المتعلقة بـ”مجلس السلام” في غزة.
وأضاف المصري أن هناك ترحيبًا إقليميًا بفكرة المجلس، وأن عددًا من الدول أبدى استعدادًا للمشاركة في قوة السلام في قطاع غزة.
واستدرك بالقول: “لكن هذا لا يعني أن كل وجهات النظر متساوية، فالإدارة الأميركية هي صاحبة اليد العليا، والرئيس الأميركي هو الذي يقرر في النهاية”.
واعتبر أن “مجلس السلام، رغم إقرار وجوده من مجلس الأمن إلا أن مرجعيته والتحكم بعمله ليس من مجلس الأمن، حتى أنه لا يرسل له تقارير حول عمله”.

وحذّر المصري من أنه “ما دام لا توجد مرجعية دولية مؤتمنة في مجلس الأمن، سيبقى هناك خطر تمديد فترة عمل المجلس، والنص يشير بوضوح إلى إمكانية التجديد، وبالتالي الفلسطينيون خارج حكم أنفسهم لفترة قد تطول، وهذا يضعفهم أكثر ويخدم المخططات الأميركية والإسرائيلية”.
شروط قاسية
وفي ما يتعلّق بطبيعة الشروط التي قد تُفرض على السلطة الفلسطينية، قال المصري: “هناك من يريد أن تكون لجنة التكنوقراط التي ستدير قطاع غزة تحت مجلس السلام هي الحكومة، وهناك من يريد أن يكون مجلس السلام هو الحكم مباشرة، وهناك من يريد دمج المسألتين وهذا الخلاف ليس بين قوى متساوية، الإدارة الأميركية هي صاحبة اليد العليا، وتقرر ما يخدم مصالح إسرائيل”.
وأضاف أن “قرار تشكيل مجلس السلام لا يحتوي على أي التزام بأفق سياسي حقيقي أو دولة فلسطينية، وإنما قد يلزم السلطة بالشروط الموضوعة لتشارك، وهذا قد يكون مجرد ذرّ للرماد في العيون، وإذا كانت الاتفاقات الواضحة لا تُنفذ، فكيف إذا كانت غير واضحة؟”.
وأشار إلى أن من بين الشروط المحتملة التي قد تُطرح أمام السلطة الفلسطينية في حال رغبت بدور في إدارة غزة: “وقف رواتب الأسرى، وتغيير المناهج، ووقف التحريض الإعلامي ضد إسرائيل، والاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ووقف ملاحقة تل أبيب في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، ووقف الاعترافات أحادية الجانب بالدولة الفلسطينية”.
وتابع: “موضوع مجلس السلام معقد جدًا، وليس مؤكدًا أن ينجح، والخطر كبير، لكن هناك فرص أيضًا والحل هو الاتفاق على رؤية واحدة وبرنامج واحد وشراكة فلسطينية موحدة، لأن هناك خطر مشترك لا يقبله طرف فلسطيني ويعارضه الآخر”.

وأضاف: “إذا نجح مجلس السلام في غزة يمكن أن يمتد تأثيره لاحقًا على الضفة الغربية، لذلك المخاطر كبيرة، لكن القضية الفلسطينية عادلة ولها دعم دولي واسع، إذ اعترفت 160 دولة بالدولة الفلسطينية، وهناك انتفاضة شعبية عالمية ضد إسرائيل، مما يوفر فرصة للرهان على المقاومة الدولية”.
الطرف الأضعف
من جانبه، قال مدير مركز “يبوس” للدراسات، سليمان بشارات، إن السلطة الفلسطينية “قد تكون الطرف الأضعف في معادلة إدارة قطاع غزة”. وأشار إلى أن عدة أطراف، لم يسمّها، “تحاول ممارسة ابتزاز سياسي مقابل إشراكها (السلطة) في إدارة القطاع مستقبلاً”.
وأوضح بشارات أن “ضعف موقع السلطة الفلسطينية يعود إلى غيابها عن قطاع غزة خلال السنوات الماضية (منذ سيطرة حركة حماس بالعام 2007)، ما جعل أي دور مستقبلي لها مشروطًا بسلسلة من المساومات السياسية، تتمثل في مجموعة من الاشتراطات المسبقة”.
ورأى أن أول هذه الاشتراطات “يتعلق بطبيعة وجود السلطة الفلسطينية في غزة، بحيث لا يكون وجودا سياسيا واضح المعالم، وإنما يقتصر على دور إداري وتنفيذي مرتبط بإدارة الجوانب الخدمية واللوجستية، دون امتلاك القرار السياسي المتعلق بمستقبل القطاع”.
وأضاف أن “اشتراطًا آخر قد يرتبط بمحاولات التراجع عن بعض المطالب الفلسطينية، لا سيما تلك المتعلقة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، في ظل الاعترافات الأخيرة التي قدمتها عدة دول أوروبية”.
واعتبر بشارات أن إسرائيل “تسعى إلى إبقاء المسمى السياسي للسلطة الفلسطينية ضمن إطار إدارة محلية، دون التحول إلى مسمى دولة”.
وأشار إلى أن “مرجعية أي لجنة إدارية أو حكومة محتملة لإدارة قطاع غزة لن تكون، وفق هذه الطروحات، خاضعة لقرار السلطة الفلسطينية، وإنما قد تكون تابعة لما يُعرف بمجلس السلام، ما يفقد السلطة استقلالية القرار”.

وأضاف: “هذه الاشتراطات تتقاطع مع مطالب سابقة تتعلق بإصلاح السلطة الفلسطينية، بما يشمل ملفات الانتخابات، والفساد المالي والإداري، وهيكلية السلطة، وربما الذهاب نحو انتخابات فلسطينية شاملة ضمن جدول زمني محدد”.
السلوك الإسرائيلي في الضفة
وتطرّق بشارات إلى اشتراطات أخرى “مرتبطة بالسلوك الإسرائيلي في الضفة الغربية، لا سيما في مخيمات الشمال”. وأوضح أن هذه الطروحات تشمل “تسليم إدارة المخيمات للسلطة الفلسطينية، بما يتضمن إزاحة صفة اللجوء عن سكانها”.
وأشار إلى أن ذلك “قد يترافق مع تغييرات في التعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين أو مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بما يمس جوهر حق العودة”.
وختم بشارات بالتحذير من أن “هذه المسارات مجتمعة تنذر بمحاولة تحويل القضية الفلسطينية في قطاع غزة إلى معادلة سياسية ـ أمنية بالدرجة الأولى، مع نزع الغطاء والمضمون السياسي، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على المكانة السياسية للسلطة الفلسطينية وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية”.
المصدر: عرب 48