You are currently viewing محافظات جديدة في العراق… مطالب محلية تصطدم بجدل قانوني

محافظات جديدة في العراق… مطالب محلية تصطدم بجدل قانوني

بين المطالب المحلية والاعتراضات القانونية، يبقى استحداث المحافظات ملفاً يتطلب معالجة تشريعية واضحة، توازن بين حق المناطق في المطالبة بإدارة أكثر كفاءة، ومتطلبات الدولة في الحفاظ على وحدة نظامها الإداري، وضمان سلامة الإجراءات القانونية والمالية.

تتسارع التحركات المحلية لاستحداث محافظات جديدة في العراق، مع طرح مشاريع في الصويرة والكوفة والمحمودية، وسط خلافات بشأن الأساس القانوني والإجراءات الدستورية اللازمة لإعادة رسم التقسيمات الإدارية للبلاد، في وقت يبرز غياب إطار تشريعي واضح ينظم آلية استحداث محافظة جديدة، وما يترتب على ذلك من تبعات إدارية ومالية وسياسية.

في أحدث هذه التحركات، اتجهت لجنة التقسيمات الإدارية في مجلس محافظة بغداد إلى إدراج مقترح استحداث محافظة المحمودية ضمن جدول أعمال المجلس، تمهيداً للتصويت عليه، استناداً إلى قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لعام 2008 وتعديلاته، فضلاً عن توجيهات وزارة التخطيط المتعلقة بآليات دراسة استحداث المحافظات.

ويأتي هذا التحرك بعد أيام من تصويت مجلس محافظة النجف، في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، على مقترح استحداث محافظة جديدة باسم “الكوفة المقدسة”، ضمن الحدود الإدارية الحالية لقضاء الكوفة ونواحيه، في خطوة وصفها رئيس المجلس حسين العيساوي بأنها بداية لمسار يتطلب استكمال الإجراءات الإدارية والفنية والحصول على الموافقات الاتحادية اللازمة.

دخول حلبجة ضمن قائمة المحافظات العراقية الرسمية ليرتفع عددها إلى 19 محافظة (أ ف ب)

وقال العيساوي إن 12 عضواً من أصل 15 عضواً في المجلس حضروا الجلسة وصوتوا بالإجماع على المقترح، في وقت شمل الاجتماع أيضاً التصويت على مقترحات لرفع المستوى الإداري لنواحي العباسية والحيدرية والحرية والقادسية إلى أقضية.

غير أن التصويت المحلي لم ينهِ الجدل بشأن المشروع، إذ برزت اعتراضات داخل مجلس محافظة النجف على جدواه الإدارية والاقتصادية، فضلاً عن المخاوف من انعكاساته على العلاقات بين النجف والكوفة، اللتين ترتبطان بتداخلات سكانية وخدمية واقتصادية.

وقال عضو مجلس محافظة النجف أكرم شربة في تصريح صحافي، إن استحداث محافظة داخل المحافظة الحالية قد يؤدي إلى إثارة حساسيات بين أبناء النجف والكوفة، محذراً من زيادة الأعباء المالية والإدارية من دون ضمان تحقيق فوائد تتناسب مع حجم المشروع. وأضاف شربة أن توزيع الصلاحيات والمناطق بين وحدتين إداريتين قد يفتح المجال أمام خلافات بشأن الخدمات والصيانة والموارد، مشيراً إلى أن توجيه الأموال نحو إعادة إعمار الكوفة وتطوير المناطق النائية في النجف قد يمثلان خياراً أكثر جدوى من الناحية الخدمية.
إدارة مستقلة

في المقابل، دافعت عضو مجلس المحافظة هبة الكوفي عن المقترح، معتبرة أن الكوفة تمتلك إرثاً تاريخياً ودينياً ومقومات تؤهلها للحصول على إدارة مستقلة تستجيب لاحتياجات سكانها بصورة أفضل، وأشارت إلى أن المشروع يستوفي “شروط الاستحداث باستثناء شرط المسافة” حيث ترى إمكانية معالجته من خلال استثناء تمنحه الجهات المختصة وفق الضوابط المعتمدة.
الصويرة… اعتراضات على الإجراءات

في محافظة واسط، سبق أن طرح مشروع استحداث محافظة الصويرة، لكنه واجه اعتراضات من رئيس مجلس المحافظة عادل محمد، الذي أعلن في الـ29 من سبتمبر (أيلول) الماضي رفضه التصويت على المشروع، مؤكداً عدم اكتمال الاشتراطات القانونية والفنية اللازمة، وأوضح محمد أن طلباً رسمياً قدمه أكثر من ثلث أعضاء المجلس، مما جعله ملزماً بعرض المقترح للتصويت، لكنه أشار إلى اتخاذه موقفاً رافضاً للمشروع، بالتنسيق مع أعضاء آخرين، وبيّن أن استحداث محافظة جديدة يتطلب دراسة جدوى اقتصادية وعمرانية وفنية متكاملة، تشمل الواقع السكاني والخدمي والمؤسسي، فضلاً عن استحصال الموافقات المطلوبة من الجهات الحكومية والوحدات الإدارية المعنية، وصولاً إلى استكمال الإجراءات الاتحادية والتشريع اللازم.

حدود صلاحيات الحكومات المحلية

ويعكس التباين بين تحركات مجالس المحافظات والمواقف المعترضة عليها اتساع النقاش بشأن حدود صلاحيات الحكومات المحلية، لا سيما أن التصويت على مقترح داخل مجلس المحافظة لا يحسم، في حد ذاته، جميع المتطلبات القانونية والإدارية والمالية المرتبطة بتحويل قضاء إلى محافظة مستقلة.

في قراءة للمشهد، أشار المحلل السياسي علاء الجبوري إلى أن الجدل الدائر بشأن استحداث محافظات جديدة يرتبط بإشكالية تشريعية تتعلق بعدم وجود قانون تفصيلي واضح ينظم إجراءات الاستحداث، على غرار القواعد التي حددها المشرع لتكوين الأقاليم أو استحداث الأقضية والنواحي. وأضاف الجبوري أن الدستور العراقي تناول آلية تكوين الأقاليم، في وقت نظّم قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات مجالس المحافظات في ما يتعلق باستحداث الأقضية والنواحي والقرى ودمجها، من دون أن يضع، وفق هذه القراءة، مساراً تشريعياً متكاملاً ومفصلاً لاستحداث محافظة جديدة، وأشار إلى أن هذا النقص التشريعي أسهم في ظهور تفسيرات مختلفة بشأن الجهة المخولة طرح المشروع، وطبيعة الموافقات المطلوبة، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه مجالس المحافظات ووزارة التخطيط ومجلس الوزراء ومجلس النواب.

وأوضح الجبوري أن تجربة استحداث محافظة حلبجة، التي أُقرت بقانون، تقدم نموذجاً مختلفاً عن التحركات التي تنطلق من تصويت محلي أو مقترح إداري، الأمر الذي يسلّط الضوء على أهمية توحيد الإجراءات القانونية وتحديد المسار التشريعي المعتمد لاستحداث المحافظات، ولفت إلى أن غياب تنظيم قانوني تفصيلي قد يعرّض بعض إجراءات الاستحداث للطعن أمام الجهات القضائية المختصة، إذا ثبتت مخالفتها القواعد الدستورية أو التشريعية النافذة، مؤكداً أن وضوح الاختصاصات والإجراءات يمثل ضرورة لتجنب النزاعات بين السلطات المحلية والاتحادية.

ونبّه من أن معالجة الإشكالية تقتضي وضع إطار تشريعي يحدد الجهات المخولة تقديم مقترحات الاستحداث، ونسب التصويت المطلوبة، والشروط السكانية والجغرافية والاقتصادية والإدارية، فضلاً عن آليات تقييم الجدوى وتحديد الالتزامات المالية المترتبة على إنشاء المحافظة الجديدة، وذكّر بأن استحداث محافظة لا يقتصر على تغيير اسم الوحدة الإدارية أو حدودها، بل يتطلب بناء مؤسسات إدارية وخدمية، وتحديد مصادر التمويل والتخصيصات المالية، وتنظيم العلاقة بين المحافظة الجديدة والمحافظة الأم، بما يضمن عدم تداخل الصلاحيات أو تعطيل تقديم الخدمات للمواطنين.
حلبجة تعيد ملف التقسيمات الإدارية إلى الواجهة

تتزامن هذه التحركات مع دخول حلبجة ضمن قائمة المحافظات العراقية الرسمية، ليرتفع عددها إلى 19 محافظة، بعد إقرار استحداثها بقانون، مما أعاد النقاش في شأن الأسس القانونية التي ينبغي اعتمادها في أي خطوة مماثلة مستقبلاً.

وأكد هذا التطور أهمية التمييز بين المطالب المحلية الرامية إلى تحسين الإدارة والخدمات، والإجراءات القانونية اللازمة لتغيير التقسيم الإداري للدولة، فالحاجة إلى تطوير المناطق أو تعزيز قدرتها على إدارة شؤونها لا تعني بالضرورة أن التصويت داخل مجلس المحافظة يكفي لاستحداث محافظة جديدة، ما لم يستند إلى مسار قانوني مكتمل.

وفي ظل استمرار طرح مشاريع الصويرة والكوفة والمحمودية، تتجه القضية إلى ما هو أبعد من رغبات المجالس المحلية، لتصبح مرتبطة بضرورة حسم الإطار القانوني الناظم لاستحداث المحافظات، وتحديد صلاحيات السلطات المحلية والاتحادية، وضمان أن تستند القرارات المتعلقة بالتقسيمات الإدارية إلى قواعد واضحة ودراسات فنية واقتصادية ومالية متكاملة.

وبين المطالب المحلية والاعتراضات القانونية، يبقى استحداث المحافظات ملفاً يتطلب معالجة تشريعية واضحة، توازن بين حق المناطق في المطالبة بإدارة أكثر كفاءة، ومتطلبات الدولة في الحفاظ على وحدة نظامها الإداري، وضمان سلامة الإجراءات القانونية والمالية.

الوثيقة

https://alwathika.com/article/?t=135008

شارك المقالة