كشفت مصادر برلمانية مصرية أن تأجيل التصويت على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات لدعم الدفاع عن السعودية يرتبط بإفساح المجال أمام التحركات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد.
وأوضحت المصادر في تصريحات اعلامية أن مجلس النواب أرجأ التصويت إلى الاثنين 26 أكتوبر بالتزامن مع تحركات مصرية لدفع المسار السياسي للأزمة اليمنية، مؤكدة أن الموقف المصري الداعم لأمن المملكة ثابت، وأن التأجيل لا يعني تراجعا عن الموقف.
وبحسب المصادر تسعى القاهرة إلى تهيئة الظروف أمام مبادرة تستهدف وقف الأعمال العدائية ضد السعودية ودول عربية أخرى، وضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية، إلى جانب إطلاق مسار سياسي يمهد للتفاوض على تسوية للأزمة اليمنية.
وقال مصدر مقرب من أحد أعضاء مجلس النواب المصري، بأن جلسة اليوم شهدت اعتراضات برلمانية واسعة ومفاجئة على طلب السيسي تفويضه بإرسال قوات مصرية إلى السعودية للمشاركة في الحرب على اليمن.
وبحسب المصدر، شهدت الجلسة السرية مشادات حادة وغير مسبوقة، وصلت إلى صراخ عدد من النواب واحتجاجهم بشدة على طبيعة المهمة العسكرية المطلوبة، ما أربك حسابات النظام المصري ودفع إلى تأجيل التصويت واستكمال المناقشات يومي الاثنين والثلاثاء، 19 و20 أكتوبر.
والمفاجأة الكبرى تتعلق بطبيعة التفويض نفسه.
فالسيسي يطلب موافقة البرلمان استناداً إلى المادة 152 من الدستور المصري، التي تجيز إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.
وهذا يعني أن السيسي يحتاج إلى 398 صوتاً من أصل 596 نائباً للحصول على التفويض، وأن عدم موافقة 199 نائباً يكفي لمنع تمريره.
لكن ما أثار غضب عدد من النواب، وفقاً للمصدر، هو التفاصيل التي كُشفت لهم عندما طالبوا بتوضيح طبيعة العمليات العسكرية المزمع تنفيذها.
فالمهمة، بحسب ما أُبلغ به النواب، لن تقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية، بل تشمل مشاركة قوات مصرية في عمليات قتالية برية داخل الأراضي اليمنية، تحت قيادة ضباط سعوديين.
هذه التفاصيل تحديداً أثارت احتجاجات شديدة داخل الجلسة، ودفعت عدداً من النواب إلى رفض منح السيسي تفويضاً قد يزج بالجيش المصري في حرب برية داخل اليمن، تحت قيادة عسكرية أجنبية.
وتتركز أبرز الاعتراضات في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي يمتلك 12 مقعداً، وقد أعلن رئيس هيئته البرلمانية محمود سامي الإمام رفض الحزب للتفويض. وبحسب المصدر، تمتد الاعتراضات أيضاً إلى نواب من حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، الذي يمتلك 5 مقاعد، وقوى سياسية وبرلمانية أخرى.
والأخطر أن بعض القوى المعارضة، وفقاً للمصدر، لوّحت بالتصعيد خارج البرلمان والنزول إلى الشارع وتنظيم مظاهرات ضد النظام المصري إذا أصر على إرسال الجيش للقتال في اليمن.
ويؤكد المصدر أن السيسي وأجهزة النظام فوجئوا بحجم المعارضة، وأن ضغوطاً مكثفة تُمارس لتغيير مواقف النواب قبل استكمال المناقشات والتصويت.
وأشارت المصادر إلى محادثات أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي على هامش اجتماع وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، قالت إنها تناولت سبل التواصل لتفعيل المبادرة، ولم تتوافر تفاصيل رسمية مستقلة بشأن بنودها أو آليات تنفيذها.
وأضافت المصادر أن مبادرة لشيخ الأزهر أحمد الطيب بشأن إنهاء النزاعات الراهنة تشهد مشاورات، في إطار تحركات تستهدف احتواء التوتر وفتح المجال أمام الحلول السياسية.
ودعا شيخ الأزهر في رسالة إنسانية إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة لنزع فتيل الصراعات وإنهاء الخلافات، مؤكدا أن الأزهر على أتم الاستعداد بأن يبذل أقصى ما يستطيع لدعم جهود هذه اللجنة لتجاوز الخلافات وطي صفحة الماضي، حقنا للدماء وحفظا لأرواح الأبرياء وتغليبا للمصلحة العامة.
وشددت المصادر على أن القاهرة ترى أن تعزيز القدرة على الردع قد يشكل عاملا مؤثرا في دعم المسار السياسي ومنع اتساع المواجهة، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية، حيث من المقرر أن يستأنف مجلس النواب مناقشة التفويض في الموعد المحدد، على أن يحدد المجلس موقفه من الطلب الرئاسي.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد دعا إلى عقد جلسة برلمانية طارئة للنظر في تفويضه باتخاذ ما يلزم لدعم الدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك، في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها.
وأكد مجلس الدفاع الوطني في مصر في بيان عقب اجتماعه برئاسة السيسي تضامن مصر مع المملكة واستعدادها لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمنها واستقرارها.
ويأتي التحرك المصري في ظل تصاعد المواجهة المرتبطة بالحوثيين في اليمن، وما تثيره الهجمات على منشآت سعودية وممرات الملاحة الإقليمية من مخاوف أمنية واقتصادية، حيث تكتسب سلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب أهمية خاصة لمصر، نظرا لارتباطها بحركة التجارة الدولية وإيرادات قناة السويس.
رأي اليوم