دائمًا ما يُطرح سؤال: ماذا فعلت الأحزاب العربية؟ بنبرة غاضبة أو مستهترة، وفي معظمها غير بريئة، وأحيانًا كأن الإجابة محسومة سلفًا: لم تفعل شيئًا.
استعنت بالذكاء الاصطناعي وسألته عن دور الأحزاب العربية في الكنيست، فأعطاني إجابة مع مراجع توثيقية من ملفات جلسات الكنيست ومصادر أجنبية مثل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى رأيي الشخصي في الحياة الحزبية.
السؤال مشروع وضروري حين يكون مدخلًا إلى المحاسبة، لكنه يحتاج إلى أكثر من الانطباع كي تصبح الإجابة عنه منصفة. فما الذي نريد قياسه: القوانين، أم الميزانيات، أم الدفاع عن الحقوق، أم قدرة الناس على التنظيم والتعبير عن مطالبهم؟ أم المساهمة في رفع الظلم التاريخي الذي يتعرض له شعبنا الفلسطيني؟
تبدأ المشكلة حين نختزل الحزب في أعضاء البرلمان، ونختزل هؤلاء في خطبهم ومقاعدهم، أو في جملة قالوها على منصة صحفية، أو في منافسة مشروعة بينهم على ترتيب المقاعد.
الحزب، في معناه المؤسسي، إطار يجمع الناس حول برنامج، ويحوّل مطالبهم المتفرقة إلى عمل منظم مستمر. ومن وظائفه أن يفتح أمام الشباب طريقًا إلى الحياة العامة، وأن يوفّر مساحة للقراءة والنقاش وفهم السياسات، وأن يُعدّ قيادات تستطيع تحمّل المسؤولية.
هذه وظائف ينبغي أن تُحاسَب الأحزاب على أدائها. فوجود مقر ولافتة وهيئات لا يعني تلقائيًا وجود حياة حزبية. والتثقيف السياسي لا يتحقق بتلقين الأعضاء أن قيادتهم على حق دائمًا، إنما بتعليمهم كيف يسألون، ويفحصون المعلومات، ويميّزون بين الصلاحية والوعد، ويعترضون على القرار، بما فيه قرار حزبهم.
التنظيم المستمر مهم خصوصًا حين تكون مشكلات الناس أكبر من قدرة الأفراد على مواجهتها. مثال ذلك ما حدث قبل شهر فقط، عندما جاء مستوطنون لإقامة بؤرة استيطانية جديدة على أرض تابعة لمنطقة نفوذ مجد الكروم. صحيح أن الناس هرعوا، لكنهم كانوا يحتاجون إلى التنظيم والتوجيه، وهنا رأينا دور النشطاء الحزبيين من البلدة ومن خارجها، يتصدرون المشهد في توجيه تحركات الناس بسبب خبراتهم ووعيهم وتجربتهم.
في تجربة الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل، توجد أمثلة ملموسة على هذه المتابعة، إلى جانب الإخفاقات والقيود التي تستحق النقد. ففي مجال التوظيف، بادر عزمي بشارة إلى مقترحات تتعلق بالتمثيل الملائم للعرب في الخدمة الحكومية ومجالس إدارة الشركات الحكومية، ضمن مسار تشريعي شاركت فيه أطراف أخرى. وأُقرّ عام 2000 تعديل يفرض التمثيل الملائم للعرب في مجالس إدارة الشركات الحكومية. وقد وفّر ذلك أساسًا قانونيًا للمطالبة بالتعيين ومساءلة الجهات التي تستبعد المرشحين العرب، وإن ظل التطبيق يعاني من فجوات.
ترأس أحمد الطيبي لجنة التحقيق البرلمانية بشأن استيعاب العرب في الخدمة العامة. وفي جلسة موثقة في آب 2011، ناقشت اللجنة تشغيل العرب في وزارة البنية التحتية والشركات التابعة لها، وطالبت بزيادة تشغيل الأكاديميين العرب في شركتي الكهرباء و”مكوروت”. هذا المثال يكمل مبادرات عزمي بشارة.
ترأست عايدة توما سليمان لجنة مكانة المرأة والمساواة الجندرية، وتناولت من خلالها قضايا العنف ضد النساء وأداء الجهات المسؤولة. وهناك نتيجة إجرائية محددة: استجابة لطلبها، وجّه رئيس الكنيست إلى إتاحة تقديم شكاوى التحرش الجنسي أيضًا لأعضاء الكنيست ومساعديهم وموظفي الكتل لدى المسؤولة المختصة في الكنيست.
في مجال الميزانيات، شارك نواب القائمة المشتركة في المفاوضات والمتابعة المتعلقة بالخطة الاقتصادية 922، إلى جانب رؤساء السلطات المحلية والجهات المهنية والحكومية.
وبحسب دراسة نشرها بنك إسرائيل في آذار 2024، بلغت مخصصات الخطة نحو 13 مليار شيكل، واستُخدم نحو 70 في المئة منها حتى تشرين الثاني 2021. وسجّلت الدراسة مساهمتها في التنمية وتقليص فجوات في مجالات شملتها، مع عقبات تنفيذ، خصوصًا في مشروعات السلطات المحلية. أما الخطة 550، التي أُقرّت عام 2021 بنحو 30 مليار شيكل، فكان الالتزام بإقرارها من بنود تفاوض الموحدة برئاسة منصور عباس مع الشركاء في الحكومة. وهنا أيضًا يجب التمييز بين تحصيل الالتزام، وإقرار الموازنة، وصرف الأموال، ووصول أثرها إلى الناس.
الجهود تكمل بعضها بعضًا، فنمو التوظيف في البلديات مثلًا يتصل أيضًا بازدياد عدد السكان واتساع الخدمات وعمل السلطات المحلية. كذلك فإن التقدم في التعليم والتشغيل ثمرة جهود أسر ومؤسسات ومهنيين وجمعيات، إلى جانب السياسات والميزانيات.
لم يقتصر نشاط النواب العرب على المؤسسات الإسرائيلية. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، زار يوسف جبارين وجمال زحالقة وعايدة توما سليمان ومسعود غنايم بروكسل وباريس، وعرضوا أمام جهات أوروبية ودولية قضايا التمييز ومشروع قانون القومية وهدم البيوت وأوضاع البدو في النقب. وبعد الزيارة بنحو أسبوعين، أعلنت كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي اعتراضها على مشروع قانون القومية، وحذّرت من تكريس التمييز. كان ذلك تفاعلًا سياسيًا أوروبيًا، وإن لم يكن قرارًا ملزمًا للاتحاد كله.
في أيلول 2018، التقى وفد من المشتركة مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، وطرح اعتراضاته على قانون القومية والتمييز الاجتماعي والاقتصادي وهدم المباني في النقب والتحريض ضد المواطنين العرب. كما عُرضت قضايا الأقلية العربية في جلسة للجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي شارك فيها يوسف جبارين. وهكذا انتقلت مطالب محلية إلى منابر دولية، وأصبح ممثلو المجتمع يعرضون روايتهم مباشرة أمام جهات خارجية.
كان للاتحاد الأوروبي موقف رسمي يدعو إسرائيل إلى معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأقلية العربية وحماية حقوقها وضمان المساواة، كما ورد في بيانه أمام مجلس الشراكة مع إسرائيل في تموز 2012. لكن وجود هذه المطالب، ووجود تحركات النواب، لا يكفي لإثبات أن كل موقف أوروبي أو قرار اقتصادي إسرائيلي جاء نتيجة مباشرة لتلك التحركات. الأدق أنها كانت أحد مسارات عرض القضية، إلى جانب عمل المؤسسات الحقوقية والبحثية.
تكشف تجربة التجمع جانبًا آخر من العلاقة بين الحزب والبرلمان. فقد أخفق في تجاوز نسبة الحسم عام 2022، لكنه واصل نشاطه وخاض الانتخابات البلدية المحلية عام 2024، وحصل على تمثيل في المواقع الاثني عشر التي نافس فيها آنذاك. وهذا مثال على إمكان استمرار التنظيم خارج البرلمان، وعلى أن قيمة الحزب لا تُختزل في المقعد الذي يشغله.
أما المحافظة على الهوية واللغة، فتؤدي الأحزاب فيها دور التعبير السياسي والدفاع العلني، ضمن جهد أوسع تحمله الأسرة والمدرسة والأدب والصحافة والمؤسسات الثقافية. فلا يملك حزب احتكار الهوية، مثلما لا يجوز إعفاء المؤسسات السياسية من مسؤولية الدفاع عن الحقوق الثقافية واللغوية.
هنا، من واجب الجمهور أن يرد على محاولات حظر اللغة العربية في الحيز العام، من خلال اليافطات على المحلات التجارية وورشات العمل والمؤسسات والمكاتب، بتثبيت اللغة العربية وعدم إغفالها. هذا واجب الجمهور، وليس أعضاء الكنيست.
لا يكتمل تقييم الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب بحصره في الميزانيات والتوظيف والخدمات.
ينبغي أن يشمل التقييم مواقف الأحزاب من الاحتلال والاستيطان والحرب على المدنيين، ومن حق شعبهم الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وكيف ترجمت هذه المواقف إلى نشاط سياسي وشعبي وبرلماني.
ماذا طرح النواب في النقاشات والاستجوابات؟ وكيف تابعوا قضايا حماية المدنيين والإغاثة وحقوق المعتقلين؟ وما الذي حملوه إلى لقاءاتهم الدولية؟ وما دور أحزابهم في تنظيم الاحتجاج والعمل الجماهيري؟ هذه أسئلة ضرورية لفحص أدائهم الوطني، مثلما نفحص أداءهم الاجتماعي والاقتصادي.
إعلان الاعتراض وتوثيق الانتهاكات ونقل أصوات المتضررين أعمال يمكن فحصها وتقديرها، لكن لا يجوز مساواتها بالقدرة على وقف الحرب أو إنهاء الاحتلال. الإنصاف يقتضي الاعتراف بقيمة ما أُنجز، ومساءلة ما كان ممكنًا ولم يُنجز، دون تحميل المنبر البرلماني قدرة لا يملكها.
توثّق أحداث العقدين الأخيرين أشكالًا متعددة لهذا النشاط، من البيانات والخطابات البرلمانية إلى التظاهر وزيارات التضامن والتحرك الدولي، مع اختلاف الأحزاب في خطابها ووسائل عملها.
في عام 2010، شاركت النائبة عن التجمع حنين زعبي في أسطول الحرية المتجه إلى غزة لكسر الحصار، وواجهت لاحقًا إجراءات ومطالبات بملاحقتها قانونيًا بسبب مشاركتها. وشارك باسل غطاس، عضو الكنيست عن التجمع، عام 2015 في أسطول الحرية الثالث.
خلال حرب غزة عام 2014، شاركت الأحزاب في الاحتجاجات، مع خلافات حول حدود التصعيد وأساليبه، فنظّمت الجبهة والتجمع تظاهرات تضامن. وزار الطيبي مصابين من غزة كانوا يتلقون العلاج في مستشفى المقاصد بالقدس.
في أعقاب اقتحام مخيم جنين في كانون الثاني 2023، أصدر التجمع بيانًا أدان فيه العملية ووصفها بأنها جريمة حرب، ودعا إلى تنسيق العمل الفلسطيني لمواجهة سياسات الاحتلال. وأعلنت الجبهة والحزب الشيوعي تنظيم وقفات احتجاجية في الناصرة وحيفا ضد العملية العسكرية. وهذه أمثلة تجمع بين إعلان الموقف والدعوة إلى نشاط جماهيري خارج البرلمان.
خلال الحرب على غزة التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعلنت الأحزاب العربية ضرورة وقف الحرب والعمليات العسكرية، وربطت ذلك بضرورة الحل السياسي وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
هذه الوقائع جزء ضروري من تقييم الأداء السياسي للأحزاب، إلى جانب سجلها الاجتماعي والاقتصادي. فهي توثّق حضور القضية الفلسطينية في نشاطها، لكنها تفتح أيضًا باب المساءلة عن استمرارية هذا النشاط ومداه وأثره. ومن الإنصاف التمييز بين إعلان الاعتراض، وتنظيم العمل من أجله، والقدرة الفعلية على تغيير سياسة الحكومة، فلكل منها قيمته وحدوده، ولا يغني أحدها عن فحص الآخرين.
ما جاء في هذا المقال هو جزء من قوانين أو اقتراحات قوانين ومواقف اجتماعية ووطنية بمبادرة الكتل العربية في الكنيست، فهناك تفاصيل كثيرة لا مجال لنشرها في مقالة واحدة.
في هذا العمل المتواصل والقابل للمحاسبة، يمكن البحث عن الإجابة الجدية لسؤال: ماذا فعلت وتفعل الأحزاب العربية في الكنيست؟
أما عن الوضع الحالي، ومع حكومة بن غفير وسموترتش ونتنياهو وغيرهم من غلاة المتطرفين المتلذذين بالتدمير والتخريب والعدوان، المنبوذين عالميًا، فإن إيصال أكبر عدد ممكن من النواب من خلال الأحزاب العربية يمكن أن يسهم في منعهم من العودة إلى السلطة، وليس حتمًا، رغم أن البديل الواقعي ليس ما نريده ونتمناه، ولكن درء الأكثر سوءًا والأشد عداءً وضررًا هو واجبنا جميعًا، وليس واجب الأحزاب فقط، بل على الجمهور الواسع أيضًا أن يتحمل مسؤوليته. على الأقل أن نحاول، وإذا كان هذا أضعف الإيمان، فلماذا لا نمارسه!
عرب٤٨