You are currently viewing حين ينسى ترمب عُقدة الـ 444.. سيوقّع الصفقة مع إيران

حين ينسى ترمب عُقدة الـ 444.. سيوقّع الصفقة مع إيران

بقلم : محجوب الزويري

 

في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الوساطات الباكستانية ثم القطرية عن نقل المبادرات بين واشنطن وطهران، حيث تبادل الطرفان خلال سبعة أشهر تسع مبادرات، وقّعا واحدة منها في إسلام آباد في الثامن عشر من يونيو/حزيران، ثم انهارت بعد أقل من 48 ساعة. وإذا ما أضيفت إليها شروط وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو الاثنا عشر في مايو/أيار 2018، فإن الحصيلة عشر مبادرات لم تنتج أي منها تسوية.

وفي حين تميل القراءات السائدة إلى تفسير هذا الإخفاق بتفاصيل البنود، كنسبة التخصيب أو آلية فتح مضيق هرمز أو حجم الأموال المجمدة، فإن هذه المقالة تنطلق من فرضية مختلفة، مفادها أن الجمود الدبلوماسي بين الطرفين لا تصنعه البنود بقدر ما تصنعه متلازمة تحكم العلاقة الأمريكية الإيرانية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

وهما في الواقع عقدتان متقابلتان: عقدة حصار السفارة والرهائن الأمريكيين التي تحكم الإدراك في واشنطن تجاه طهران، وعقدة الانسحاب من البرنامج النووي الإيراني عام 2018 التي تحكم الوعي الإيراني ضد سلوك الولايات المتحدة.

في العلاقات الدولية بين الدول قد تحدث عقد نفسية ومتلازمات بفعل أزمات عميقة تترك أثرها في الوعي والذاكرة السياسية، قد تعرقل جهود التقارب والتفاوض بين الدول، مثلما هو الحال -مع بعض التبسيط- في العلاقات الإنسانية بين الأفراد أو داخل الفرد نفسه..

تكشف قراءة المبادرات العشر أن كل مبادرة أمريكية تحمل بصمة عقدة السفارة، حيث إن خطة النقاط الخمس عشرة في الخامس والعشرين من مارس/آذار طالبت بتفكيك منشآت نطنز وأصفهان وفردو، وإنهاء التخصيب، وتعليق برنامج الصواريخ، والتخلي عن الحلفاء، مقابل وعود برفع العقوبات النووية لاحقا

عقدتان في جذور الإدراك المتبادل
لم تبدأ القطيعة بين البلدين عام 1979، بل تعود جذورها إلى أغسطس/آب 1953، حين أسقطت الولايات المتحدة وبريطانيا حكومة محمد مصدق الوطنية بعد تأميمها صناعة النفط عام 1951، وأعادتا الشاه إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين استقر في الوعي الإيراني أن واشنطن لا تقبل حكومة مستقلة في طهران، وأنها مستعدة لإسقاطها إذا ما تعارضت مع مصالحها.

من هنا فإن استقبال الولايات المتحدة للشاه للعلاج في أكتوبر/تشرين الأول 1979 قُرئ في طهران الثورية بوصفه تمهيدا لانقلاب ثانٍ، فاقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، واحتجزوا 52 أمريكيا طوال 444 يوما، وقُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ولم تُستأنف حتى اليوم.

وإذا كانت الحادثة في الرواية الإيرانية دفاعا عن الثورة، فإنها في الإدراك الأمريكي أسست لصورة إيران بوصفها دولةً ثورية لا تحترم الأعراف الدولية، ولا يُعتمد على كلمتها، ولا يُكافأ سلوكها قبل أن يتغير.

تلك هي عقدة السفارة، وهي لا تتعلق بالحادثة ذاتها بقدر ما تتعلق بالقاعدة التي أنتجتها في صناعة القرار الأمريكي، ومفادها أن على إيران أن تتنازل أولا، وأن يجري التحقق من تنازلها، قبل أن تحصل على أي مقابل. كما أن هذه القاعدة لم تتغير بتغير الإدارات، إذ يبدو أنها انتقلت من إدارة إلى أخرى بوصفها جزءا من الثقافة المؤسسية في واشنطن تجاه طهران.

في المقابل، تشكلت العقدة الإيرانية على مراحل، لكنها بلغت ذروتها في الثامن من مايو/أيار 2018، حين انسحب الرئيس دونالد ترمب من خطة العمل الشاملة المشتركة، رغم تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام طهران بها. وبعد أسبوعين فقط أعلن بومبيو شروطه الاثني عشر، التي تعلق ثمانية منها بالسلوك الإقليمي الإيراني في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وسوريا وأفغانستان، لا بالملف النووي. أي إن واشنطن لم تكتفِ بنقض اتفاق قائم، بل رفعت سقف شروطها لأي اتفاق قادم.

ثم تعمقت العقدة في يونيو/حزيران 2025، حين شاركت الولايات المتحدة في حرب الاثني عشر يوما، وضربت منشآت فردو ونطنز وأصفهان، في وقت كانت فيه جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة مقررة في مسقط، ثم بلغت مداها الأقصى بمشاركة واشنطن لإسرائيل في الحرب الحالية.

وعليه، ترسخت في الوعي الإيراني قناعة بأن التوقيع الأمريكي لا يضمن شيئا، وأن أي اتفاق قابل للنقض مع تغير الإدارة، بل إن التفاوض ذاته ربما يكون غطاءً للحرب لا بديلا عنها.

تلك هي عقدة الانسحاب، والقاعدة التي أنتجتها في صناعة القرار الإيراني هي أنه لا خطوة قبل ضمانات ملزمة، ولا تنازل قبل رفع الضغط. وهكذا تقف العقدتان على طرفي نقيض: الأولى تشترط الفعل الإيراني قبل المقابل الأمريكي، والثانية تشترط الضمان الأمريكي قبل الفعل الإيراني.

إن استقبال الولايات المتحدة للشاه للعلاج في أكتوبر/تشرين الأول 1979 قُرئ في طهران الثورية بوصفه تمهيدا لانقلاب ثانٍ، فاقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، واحتجزوا 52 أمريكيا طوال 444 يوما، وقُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ولم تُستأنف حتى اليوم

المبادرات العشر في مرآة العقدتين
تصميم خاص – إنفوغراف – المبادرات العشر في مرآة العقدتين

تكشف قراءة المبادرات العشر أن كل مبادرة أمريكية تحمل بصمة عقدة السفارة، حيث إن خطة النقاط الخمس عشرة في الخامس والعشرين من مارس/آذار طالبت بتفكيك منشآت نطنزحين تتخلص أمريكا من عقدة الـ444 قد تنتهي وأصفهان وفردو، وإنهاء التخصيب، وتعليق برنامج الصواريخ، والتخلي عن الحلفاء، مقابل وعود برفع العقوبات النووية لاحقا.

إعلان
وفي السياق نفس ، ربطت مسودة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في مايو/أيار الإفراج عن الأموال المجمدة بتعليق التخصيب أولا، كما اشترط الرد الأمريكي عبر الدوحة في الثلاثين من سبتمبر/أيلول تجميد التخصيب ودخول المفتشين طوال فترة التفاوض. فالثابت في المبادرات الأمريكية أن الفعل الإيراني يسبق المقابل، وأن التحقق يسبق الثقة.

وفي حين تتغير الأرقام في المبادرات الإيرانية، تبقى بصمة عقدة الانسحاب ثابتة فيها جميعا. فالرد بخمس نقاط في أواخر مارس/آذار طالب بضمانات بعدم تكرار الحرب، والنقاط العشر في السابع من أبريل/نيسان طالبت بقرار ملزم من مجلس الأمن يحصّن أي اتفاق من النقض، والنقاط الأربع عشرة في الثاني من مايو/أيار طالبت بتعهد بعدم الاعتداء يشمل إسرائيل، فيما اشترطت خطة الأيام السبعة رفع الحصار والعقوبات قبل فتح هرمز في اليوم السادس وبدء المفاوضات النووية في اليوم السابع. فالثابت في المبادرات الإيرانية أن الضمان يسبق الفعل، وأن رفع الضغط يسبق التنازل.

من هنا فإن المبادرات المتبادلة لم تكن حوارا بين مقترحين بقدر ما كانت حوارا بين عقدتين، حيث يصوغ كل طرف نصه ليحمي نفسه من تكرار تجربته التاريخية مع الآخر، لا ليلتقي بالآخر في منتصف الطريق. ولعل هذا ما يفسر تقلص المسافة في المضمون دون أن تتقلص المسافة في الثقة.

وتمثل مذكرة إسلام آباد الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، إذ كانت اللحظة الأقرب إلى التسوية لأنها صيغت لتطمئن العقدتين معا. فلطمأنة واشنطن، نصت على التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وجعلت رفع العقوبات وصندوق الإعمار البالغ 300 مليار دولار مشروطين بالاتفاق النهائي.

ولطمأنة طهران، نصت على إنهاء الأعمال العدائية، واحترام السيادة المتبادلة، وآلية لمراقبة التنفيذ، ومصادقة مجلس الأمن على الاتفاق النهائي، كما غابت الصواريخ الباليستية عن النص تماما.

بيد أن هذا التعايش لم يصمد، فقد علّقت طهران مشاركتها في جولة جنيف لغياب وقف إطلاق النار في لبنان، الذي كان مطلبا ثابتا في كل مبادرة إيرانية منذ مارس/آذار. وفي القراءة الإيرانية، أكد عجز واشنطن عن ضبط إسرائيل أن التوقيع الأمريكي لا يكفي، فاستعادت عقدة الانسحاب حضورها فورا، وعاد الطرفان إلى نقطة البداية.

وفي أواخر سبتمبر/أيلول، يبدو أن الخلاف انتقل نهائيا من المضمون إلى التسلسل، حيث تشير مصادر مطلعة إلى أنه بات يدور حول ترتيب الخطوات لا حول مضمونها، وأن الهدف المعلن صار العودة إلى نسخة معززة من مذكرة يونيو/حزيران. وهنا تتجلى العقدتان في أوضح صورهما؛ فواشنطن تريد فتح هرمز وتجميد التخصيب أولا لأنها لا تثق بإيران، وطهران تريد رفع الحصار أولا لأنها لا تثق بالولايات المتحدة.

خاتمة
تكشف المقارنة بين شروط بومبيو عام 2018 ومذكرة يونيو/حزيران 2026 أن المطالب الأمريكية تراجعت من إعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران إلى الملف النووي ومضيق هرمز، وأن المطالب الإيرانية انتقلت من تعويضات تدفعها واشنطن إلى صندوق استثمار مشروط تموله أطراف أخرى. أي إن المسافة بين الطرفين في المضمون تقلصت إلى حد كبير، وهو ما لم يكن متصورا قبل ثماني سنوات.

غير أن العقدتين لم تتقلصا، بل ربما تعمقتا بفعل الحرب. فالصراع في جوهره صراع إدراكات بين النخب السياسية في البلدين، والضغط الأمريكي المتواصل يعمّق الانقسام داخل النخبة الإيرانية، ويزيد ترددها في اتخاذ الخطوة الأولى، في حين ترى واشنطن في هذا التردد دليلا على أن الضغط يعمل وأن مزيدا منه سيؤتي ثماره. وهكذا تغذي كل عقدة الأخرى، حتى غدتا معا متلازمة واحدة، ويتحول الجمود الدبلوماسي من حالة عارضة إلى بنية مستقرة.

وعليه، فإن أي صيغة جديدة لترتيب الخطوات، مهما بلغت دقتها، ستبقى عاجزة عن كسر هذا الجمود ما لم تُعالِج العقدتين معا، وهو ما يتطلب طرفا ثالثا قادرا على ضمان الفعل والمقابل في آن واحد.

ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، يبقى احتمال أن تضيف الحرب محطة جديدة إلى ذاكرة كل طرف عن الآخر قائما، بما يعنيه ذلك من إطالة عمر عقدتين تجاوزتا أربعين عاما.

الجزيرة

حين ينسى ترمب عُقدة الـ 444.. سيوقّع الصفقة مع إيران | سياسة | الجزيرة نت

شارك المقالة