في السياسة، قد تكون الكلمات كثيرة، لكنّ الصدق فيها قليل. وعود تُطلق أمام الجمهور، وشعارات تُرفع في الخطب، ومواقف تُصاغ وفق اللحظة والظرف، ثم تأتي ساعة الاختبار لتكشف المسافة بين ما قيل وما فُعل.
في تجربة السيد الأمة الشهيد حسن نصر الله، كانت هذه المسافة شبه منعدمة. فمنذ توليه قيادة حزب الله عام 1992، ارتبط خطابه بالمواجهة مع “إسرائيل”، وبالالتزام بما يعلنه أمام جمهوره، وبالوفاء للحلفاء، وصولاً إلى خوض معارك إقليمية اعتبرها جزءاً من حماية مشروع المقاومة والمنطقة من التفكيك، ثم استشهاده في عدوان إسرائيلي في أيلول/سبتمبر 2024.
ولذلك، فإنّ الصدق في تجربة السيد نصر الله لم يكن مجرّد صفة شخصية يتداولها محبّوه، بل تحوّل إلى جزء من صورته السياسية: أنّ ما يقوله في العلن هو ما يلتزم به في الميدان، وأنّ الحليف يعرف موقعه منه، وأنّ الخصم يعرف أنّ التهديد الذي يطلقه ليس مجرّد خطاب.
ولعلّ أبرز ما جعل هذه الصورة تترسّخ هو أنّ السنوات التي قضاها في قيادة الحزب كانت سلسلة متواصلة من الاختبارات.
من الوعد بمواجهة “إسرائيل” إلى استشهاد القائد
كانت أولى “الاختبارات الإلهية” باستشهاد ولده البكر السيد هادي نصر الله، في 12 أيلول/سبتمبر عام 1997 عن عمر يناهز 18 عاماً، خلال مواجهة بطولية ومباشرة مع قوة إسرائيلية متقدّمة في جبل الرفيع في منطقة إقليم التفاح جنوب لبنان.
وظهر السيد نصر الله في خطاب علني بعد استشهاد نجله شاكراً الله على هذه النعمة، ومؤكّداً أنّ دماء أولاد القادة ليست أغلى من دماء بقية شباب المقاومة، وهو ما ترك صدى معنوياً وسياسياً كبيراً في لبنان.
ومنذ تسلّمه قيادة حزب الله، كان الصراع مع “إسرائيل” في قلب مشروعه السياسي والعسكري. وفي أيار/مايو 2000، انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم جنوب لبنان بعد سنوات من الاحتلال، في حدث اعتبره حزب الله وأنصاره محطة مفصلية في مسار المقاومة.
وفي خطاب الانسحاب الشهير، قال نصر الله إنّ “إسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت، وهي عبارة تحوّلت لاحقاً إلى واحدة من أكثر العبارات ارتباطاً باسمه وبخطابه تجاه الخصم الإسرائيلي. ولم يكن ذلك الخطاب نهاية المواجهة، بل استمر الصراع في مراحل لاحقة، وصولاً إلى حرب تموز/يوليو 2006.
وفي ملف الأسرى تحديداً، ظهر بوضوح الربط بين الوعد والتنفيذ. فقد ظل السيد نصر الله يضع تحرير الأسرى في صلب خطاب المقاومة، وانتهى هذا المسار إلى صفقتي تبادل عام 2004 و2008.
وقد يختلف اللبنانيون والعرب في تقييم حرب 2006، كما اختلفوا حول قرار أسر الجنديين الإسرائيليين وما ترتّب عليه. لكن من زاوية العلاقة بين الوعد والفعل، تبقى واقعة التبادل واحدة من أبرز الشواهد على أنّ ملف الأسرى الذي حمله السيد نصر الله لسنوات لم يبقَ شعاراً سياسياً.
الصدق عندما يصبح الموقف مكلفاً
لكنّ الاختبار الأكبر للسياسي ليس أن يقول ما يعتقده عندما يكون قوله قليل الكلفة، بل أن يتمسّك بما أعلنه عندما يصبح التراجع أكثر سهولة.
وهنا يمكن قراءة مسيرة السيد نصر الله في السنوات التي تلت 2000.
في سوريا، مثلاً، لم يبقَ الحزب في موقع المراقب عندما تحوّلت الأزمة إلى حرب تقودها جماعات إرهابية بدعم دولي. وفي عام 2013، خرج السيد نصر الله علناً ليؤكّد مشاركة مقاتلي الحزب في القتال إلى جانب القوات السورية، واضعاً ذلك في إطار الدفاع عن ما اعتبره العمق الاستراتيجي للمقاومة.
وقال السيد نصر الله حينها في أحد خطاباته، إنّ سوريا هي “ظهر المقاومة”، وإنّ المقاومة لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي بينما يتعرّض هذا الظهر للخطر.
وكان ذلك موقفاً شديد الكلفة سياسياً وعسكرياً، داخل لبنان وخارجه. لكنّ اللافت هنا أنّ السيد نصر الله لم يقدّمه على أنه موقف مؤقت أو سري، بل خرج للدفاع عنه علناً، وتحمّل تبعاته أمام جمهوره وخصومه.
وهذا هو جوهر فكرة الصدق التي يربطها أنصاره بتجربته: أنّ الموقف لا يصبح صادقاً لأنه جميل في الخطاب، بل لأنه يبقى قائماً عندما يصبح ثمنه مرتفعاً.
العراق.. الاستعداد لدفع الثمن
مع صعود تنظيم “داعش” في العراق عام 2014، لم يفصل السيد نصر الله المعركة العراقية عن منظومة المواجهة الإقليمية التي كان يراها مترابطة.
وتشير دراسات ومصادر بحثية إلى أنّ حزب الله قدّم دعماً وتدريباً لعناصر من فصائل عراقية قاتلت تنظيم “داعش”. وفي حزيران/يونيو 2014، أعلن السيد نصر الله استعداد الحزب لتقديم مزيد من المقاتلين إلى العراق، وقال إنّ الحزب مستعدّ لتقديم عدد كبير من الشهداء دفاعاً عن المقامات التي اعتبرها مهدّدة.
مرة أخرى، يمكن أن تكون قراءة هذا الدور مختلفة جذرياً بين مؤيّديه وخصومه. لكنّ الثابت أنّ الرجل لم يكن يتحدّث عن العراق بوصفه ملفاً بعيداً عن لبنان، بل وضعه ضمن رؤية إقليمية متكاملة للمواجهة مع التنظيمات التي اعتبرها تهديداً للمقاومة وحلفائها.
اليمن.. حين اتسع معنى المعركة
وفي اليمن، اتخذ السيد نصر الله موقفاً سياسياً واضحاً إلى جانب صنعاء، ودافع في خطاباته عن اليمنيين في مواجهة الحرب التي قادتها السعودية، وذلك على الرغم من إدراكه جيداً لتبعات ذلك.
وهنا أيضاً تظهر إحدى سمات خطابه: لم يحاول تقديم موقفه باعتباره موقفاً محايداً أو مبهماً، بل وضع اليمن ضمن معادلة “وحدة الساحات”.
وبذلك، توسّعت خريطة القضايا التي أعلن السيد نصر الله ارتباطه بها من جنوب لبنان إلى فلسطين وسوريا والعراق واليمن، حتى أصبح خطابه يتعامل مع هذه الساحات بوصفها حلقات مترابطة في وجه القوى الاستكبارية.
فلسطين.. “على طريق القدس”
لكنّ فلسطين بقيت في نهاية المطاف العنوان الذي عاد إليه السيد نصر الله باستمرار.
بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلن حزب الله فتح جبهة الإسناد من الجنوب اللبناني في مواجهة “إسرائيل”، وقال السيد نصر الله إنّ المعركة مرتبطة بالحرب على غزة.
واللافت أنّ السيد نصر الله اتخذ خطوة رمزية قبل استشهاده، حين أصدر رسالة بخط يده طالب فيها بأن يُطلق على عناصر الحزب الذين يستشهدون في المواجهات اسم “شهداء على طريق القدس”. وتناقلت وسائل إعلام هذه الرسالة بوصفها جزءاً من خطاب الحزب في الحرب الجديدة.
وهكذا، لم تكن عبارة “على طريق القدس” مجرّد عنوان إعلامي لمرحلة أخيرة من حياته، بل كرّست وفاءه وصدقه تجاه القضية التي استشهد في سبيلها.
وبعد أقلّ من عام، وتحديداً في الـ27 من أيلول 2024، استشهد السيد نصر الله داخل غرفة عمليات تابعة للمقاومة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث صبّت “إسرائيل” كلّ حقدها على بقعة جغرافية صغيرة حيث كان موجوداً.
هنا تتحوّل المسألة، بالنسبة إلى أنصاره، من صدق في القول إلى صدق في المصير، فالرجل الذي تحدّث عن الاستعداد للمواجهة لم يكن يتحدّث من موقع سياسي آمن بعيداً عن الخطر، بل كان يعرف أنّ موقعه يجعله هدفاً، واستمر في موقعه إلى أن استشهد.
الوفاء للحلفاء في لبنان
لكنّ الحديث عن صدق السيد نصر الله لا يكتمل إذا حُصر في علاقته بالخصم الخارجي. فجزء أساسي من تجربته السياسية كان في طريقة بناء التحالفات داخل لبنان.
ومن أبرز الأمثلة تفاهم مار مخايل الذي وقّعه حزب الله والتيار الوطني الحرّ في شباط/فبراير 2006، جاء الاتفاق في مرحلة كان فيها الانقسام السياسي اللبناني حاداً، وجمع بين طرفين ينتميان إلى بيئتين سياسيتين وطائفيتين مختلفتين.
وتضمّن التفاهم مقاربة لملفات شديدة الحساسية، بينها مكافحة الفساد، وقانون الانتخاب، والعلاقة مع سوريا، وسلاح حزب الله.
ولم يكن هذا التحالف عابراً؛ فقد استمر سنوات طويلة، وشكّل أحد أهم التحالفات السياسية الداخلية في لبنان.
وهنا يمكن فهم مفهوم الوفاء الذي يصف به أنصار السيد نصر الله علاقته بحلفائه: ليس باعتباره غياباً للخلاف، بل باعتباره عدم التخلّي عن الحليف لمجرّد تغيّر الظروف.
فالتحالفات السياسية عادةً تقوم على المصالح، لكن ما ميّز علاقة حزب الله بالتيار الوطني الحرّ، بحسب توصيفات مختلفة للاتفاق، أنها استمرت رغم تبدّل موازين القوى والانتقال من مرحلة المعارضة إلى السلطة، وصولاً إلى انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016.
قد تكون هناك قراءات مختلفة تماماً لهذا التحالف وأهدافه ونتائجه، لكنّ وجوده واستمراره ووزنه في الحياة السياسية اللبنانية حقائق لا تحتاج إلى تأويل.
الصدق الذي دفع صاحبه الثمن
في النهاية، ربما يكون أكثر ما يفسّر استمرار الحديث عن صدق السيد نصر الله لدى أنصاره هو أنّ هذه الصفة لم تُختبر في الظروف السهلة فقط.
فقد قاد السيد المقاومة في حرب 2006، وخاض الحزب مواجهات طويلة مع “إسرائيل”، وأعلن دعمه لحلفائه في سوريا، وساند فصائل عراقية في مواجهة “داعش”، واتخذ موقفاً داعماً لصنعاء، ثمّ جعل من جبهة الجنوب اللبناني جزءاً من معادلة إسناد غزة.
وفي كلّ محطة، كان هناك ثمن سياسي وعسكري وشعبي.
ولم يكن السيد نصر الله بعيداً عن هذا الثمن. فمنذ حرب 2006 عاش في ظل تهديد دائم بالاغتيال، وأصبح ظهوره العلني نادراً بسبب المخاطر الأمنية.
وتصف وكالة “أسوشيتد برس” مسيرته بأنها امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، تحوّل خلالها حزب الله إلى قوة سياسية وعسكرية إقليمية، بينما تشير تقارير إلى أنّ ملاحقته واستهدافه كانا من أولويات إسرائيلية لسنوات.
وهنا تصل فكرة الصدق إلى أقصى اختباراتها.
فأن تقول إنك مستعدّ للموت في سبيل ما تؤمن به شيء، وأن تعرف أنّ هذا الاحتمال يلاحقك لسنوات ثم تواصل السير في الطريق نفسه شيء آخر.
بالنسبة إلى بيئة المقاومة، لم تكن شهادته خاتمة منفصلة عن خطابه، بل اللحظة التي التقى فيها القول بالفعل: قائد رفع شعار مواجهة “إسرائيل”، وخاض على مدى عقود صراعاً معها، وانتهى شهيداً بعدوان إسرائيلي.
ما الذي بقي؟
بعد استشهاده، تصرّ بيئة المقاومة التي كانت تعتبر السيد نصر الله هو “الشجرة المعمّرة” التي يتظللون بظلها، على استكمال طريق الصدق والوفاء لنهجه والثأر من قاتله.
فهذه البيئة وهذا المجتمع الذي لطالما تعلّم من السيد الصدق بالقول والفعل، ترجم ذلك بالحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، حيث قدّم كلّ ما يملك من دم وحجارة.
قد يختلف الناس حول هذا الإرث، وقد يختلفون حول الحروب والخيارات والتحالفات التي صنعت هذا الإرث. لكن بالنسبة إلى الذين آمنوا بخطابه، تبقى القيمة الأساسية في أنّ الرجل لم يتعامل مع شعاراته بوصفها مادة للمزايدة السياسية.
رفع شعاراً، ثم دخل معركته.
أعلن وعداً، ثم سعى إلى تنفيذه.
اختار حليفاً، ثمّ دفع ثمن الوقوف معه.
قال إنّ فلسطين في قلب مشروعه، ثم سمّى أبناءه “شهداء على طريق القدس”، وارتقى فداء لأجلها.
لهذا، لا يستعيد أنصاره ذكرى استشهاده بوصفه مجرّد الأمين العامّ لحزب الله، بل بوصفه نموذجاً للقائد الذي، في نظرهم، لم يفصل بين صدق الكلمة، وصدق الانتماء، وصدق الالتزام، وصدق الاستعداد لدفع الثمن، بل كان هو “الوعد الصادق”.
وهذه، بالنسبة إلى جمهوره، هي المسافة التي صنعت الفرق بين سياسي يرفع شعاراً، وقائدٍ جعل من الشعار طريقاً سار فيه حتى نهايته.
الميادين
السيد نصر الله.. السياسي الصادق: من الكلمة إلى الشهادة | الميادين