عبد الباري عطوان
وقائع الأيام القليلة الماضية التي تضمنت أمرين رئيسيين، الأول: حرب الناقلات بين أمريكا وإيران، والرد الصاروخي الإيراني الذي أعلن عنه الحرس الثوري، وتمثل في قصف حاملة طائرات ومدمرتين أمريكيتين، والثاني: حالة الصمت الأمريكية وابتلاع ترامب لسان تهديداته، وعدم رده على هذه الردود الإيرانية العسكرية السريعة والقوية، وتدمير كامل لدولة اسمها إيران.
من الواضح أن السلطة الإيرانية تبنت استراتيجية جديدة حلت محل القديمة التي تتبنى ضبط النفس، والرد “المحسوب” بعناية تجنباً للتصعيد، والعنوان الأبرز لهذه الاستراتيجية هو الرد الانتقامي السريع جداً، وتوسيع دائرة الحرب، وإدخال صواريخ دقيقة جديدة إلى ميدان المعركة، مما يؤدي إلى حالة صدمة وبالتالي تراجع في الجانبين الأمريكي والإسرائيلي.
***
هناك عدة مؤشرات تؤكد هذه الحقيقة، وتسلط الأضواء على هذا الصمت والتراجع الأمريكيين والدوافع التي أدت إليه على المدى القصير على الأقل:
أولاً: إعلان الجنرال محسن رضائي، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، أمس أنه جرى قبل 48 ساعة ولأول مرة اختبار صاروخ إيراني مضاد للمدمرات فوق سفينة حربية أمريكية، مشدداً على أن هذا الصاروخ الذي يستخدم لأول مرة خلق جحيماً للأمريكيين الذين اختاروا الفرار.
ثانياً: كشف الجنرال رضائي لأول مرة عن أسباب عدم تنفيذ ترامب لتهديده بتدمير كامل لإيران إذا ردت على الهجوم الأمريكي على جزيرة “لارك” في مضيق هرمز، بأنه يرجع لضرب الصواريخ الإيرانية لقواعد أمريكية ضخمة في المنطقة مثل قاعدة “تتن” في الأردن، وأخريات مماثلة في أربيل عاصمة الإقليم الكردي شمال العراق، حيث تحتوي هذه القواعد على أعداد كبيرة من الجنود ومعدات عسكرية أمريكية متطورة.
ثالثاً: تهديد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض، بقصف شركات النفط والغاز الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة إذا تعرضت ناقلات النفط الإيرانية لهجمات أمريكية، في رد قوي على تهديد بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي أمس، الذي قال فيه إن بلاده ستُغرق وتدمر ناقلات النفط الإيرانية.
رابعاً: إعلان الجنرال رضائي إقامة منطقة محظورة خارج مضيق هرمز تشمل مناطق في الخليج الفارسي، وقصف أي سفن تدخل هذه المناطق.
خامساً: خروج بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، من مخبئه تحت الأرض، وتهديده “بتوجيه ضربة إلى إيران لا يمكن أن تتخيلها في حال ارتكابها خطأ مهاجمة إسرائيل.. ولهذا السبب أوقفت هجماتها”.
من خلال سرد هذه النقاط الخمس، وإجراء قراءة متعمقة لها، وإجراء مقارنة بينها وعناوين الاستراتيجية السابقة، يمكن القول وبكل ثقة، إن القيادة الإيرانية الجديدة انتقلت من الهجوم الحذر إلى الهجوم الموسع، واستخدام كل الأسلحة الجديدة التي لم تُستخدم في أي من المواجهات السابقة، تكريساً لسياسة الردع القائم على أخذ المبادرة بالهجوم الفوري والسريع على أهداف الخصم، وعدم انتظار الخصم وهجماته.
قاليباف قائد البرلمان الإيراني لخّص سياسة الردع الإيرانية الجديدة بالقول بأنه “لن تمر نقطة نفط واحدة عبر مضيق هرمز أو غيره في حالة أي تعطيل لصادرات النفط الإيرانية”، وهذا يعني الاستمرار في إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، وضرب آبار النفط والشركات النفطية الأمريكية في المنطقة كلها وليس القواعد الأمريكية فقط.
وربما يفيد التذكير بأن معظم، إن لم يكن جميع الدول النفطية في المنطقة العربية، والخليج خاصة، لم يدخل خزائنها دولار واحد من صادراتها من النفط والغاز طوال الأشهر الخمس الماضية، الأمر الذي أدى إلى حالات عجز قاتلة في ميزانياتها اضطرت إما للذهاب إلى احتياطاتها المالية في البنوك الغربية، أو اللجوء إلى قروض مالية لسد هذه العجوزات، كما لجأت معظم هذه الدول إلى ترشيد الإنفاق الداخلي واللجوء إلى سياسات تقشفية تحسباً لإطالة أمد هذه الحرب.
***
نتنياهو يهدد بقصف إيران بالأسلحة النووية، أو هكذا نفهم من تهديداته الأخيرة، فقد جرب استخدام طائرات “الشبح”، وراهن على ثورة شعبية داخلية تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني جنباً إلى جنب مع سياسة الاغتيالات البهلوانية، ونجح في جر أمريكا لمستنقع الحرب على أمل أن تحقق الاستسلام وتغيير النظام الإيراني الذي فشل فيه، وما لا يعلمه نتنياهو، أو يتجاهل العلم به، أنَّ لجوءَه إلى توجيه ضربة كبرى إلى إيران، سواء نووية، أو عسكرية تقليدية، قد يؤدي إلى زوال دولة اسمها إسرائيل في ساعات معدودة، فإيران ليست بعيدة عن إنتاج أسلحة نووية كوسيلة أخيرة للدفاع عن النفس، وما زالت تملك 465 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، علاوة على الأدمغة القادرة على تحويلها إلى عشر قنابل نووية إن لم يكن أكثر، وهذا ما يفسر رفض القيادة الإيرانية الدخول في أي مفاوضات تحرمها من هذا السلاح الاستراتيجي.
انسحاب نتنياهو من الشراكة الأمريكية في العدوان الأخير على إيران جاء خوفاً من الصواريخ الإيرانية الدقيقة، ومن صواريخ فصائل المقاومة في لبنان واليمن والعراق، وقد جرب العدوان على إيران ثلاث مرات في العامين الماضيين وكانت النتيجة دمار عدة مدن “إسرائيلية” ابتداءً من تل أبيب الكبرى، وحيفا وديمونا، وإيلات، وصفد، ونتحداه أن يسمح بنشر صور هذا الدمار.
إنها ليست إسرائيل التي أصبحت أقوى من أي وقت مضى، بل إيران التي دخلت التاريخ كأول دولة تجرؤ على قصف حاملات الطائرات الأمريكية سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها والمخفي أعظم.. والأيام بيننا.
رأي اليوم