You are currently viewing كيف نحوّل الانتخابات إلى معركة لإعادة بناء القوة؟

كيف نحوّل الانتخابات إلى معركة لإعادة بناء القوة؟

بقلم: عوض عبد الفتاح

 

يُلاحظ أنه كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية، يتراجع الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الفلسطيني (منطقة 48) بين أنصار المشاركة والمقاطعة. وهذا التراجع يستحق التوقف عنده؛ لأنه يعكس إدراكا شعبيا ونخبويّا متزايدا لجسامة اللحظة، وضيق منافذ العمل السياسي، وحجم الأخطار الوجودية التي تفرضها الحكومة الفاشية الحالية، إلى جانب إدراك أن الحملة الانتخابية يمكن أن تستعيد جزءا من الحصانة المجتمعية التي أنهكتها سنوات القمع والتحريض والملاحقة والجريمة المنظمة. ولكن هذا لا ينطبق على النهج السياسي والأخلاقي الذي ينقسم بين من يحفظ الحد الأدنى من الثوابت الوطنية والدينية، ومن يفرّط بالبوصلة عن عمد وسبق إصرار بادعاء التأثير. ويجتمع المشاركون والمقاطعون على إدانة هذا التفريط الذي لا يبدو أنه يقف عند قاع.

 

وطالما هناك أكثرية، كبيرة أو ضئيلة، (بين عموم الشعب الفلسطيني) ينبغي أن ينحصر الجدل في هذه اللحظة الخطيرة في سؤال: ما الهدف السياسي من المشاركة؟ وتحت أي شعارات تجري؟ وكيف يمكن تحويلها إلى أداة لتقوية المجتمع والعمل السياسي الفلسطيني، أو لاستعادة بعض من عافيته التي أضعفتها سنوات من القمع والإسكات، والنهب، والحرمان، وكذلك القصور الداخلي؟

المشاركة الانتخابية: بين صياغة الوعي التحرري ومخاطر الوهم السياسي

ليست الانتخابات مجرد عملية تقنية أو ورقة تُلقى في صندوق؛ إنها عملية سياسية تنطوي على صياغة الوعي، وتعبئة المجتمع، وتحديد الأولويات، وربط الناس بتاريخهم وذاكرتهم وواقعهم ومصالحهم. ويمكن أن تكون، في المقابل، وسيلة لتعميق مظاهر تشوه الوعي السياسي، ولإنتاج الأوهام، وتذويت الهزيمة والعجز، ودفع الناس إلى البحث عن خلاص فردي داخل منظومة استعمارية لا تمنحهم المساواة فحسب، بل تلقي بهم في قاع من التشوه والانحلال السياسي، يصعب بعده العودة منه.

لقد أثبتت التجربة السياسية الفلسطينية داخل منطقة الـ48، على مدار عقود، أن المشاركة البرلمانية، رغم ما تنطوي عليه من تناقض مؤلم، يمكن أن تكون ذات قيمة سياسية عندما تكون جزءا من مشروع وطني وشعبي أوسع، وعندما تكون مرتبطة بعدم التخلي عن ممارسة سياسة الشارع والعمل الشعبي وتنظيم المجتمع. فقد تمكنت أحزاب فلسطينية رئيسة، في مراحل مختلفة، وبشكل خاص منذ انتفاضة يوم الأرض عام 1976، من الجمع بين العمل البرلماني والعمل الشعبي، وتحويل المنبر البرلماني إلى مساحة للصراع السياسي والأيديولوجي ضد التمييز البنيوي والصهيونية، وإلى أداة للتثقيف السياسي، وقد برز حزب التجمع بعد أوسلو في طليعة هذا التحدي الأيديولوجي للصهيونية. ومع ذلك كان خيار المقاطعة جزءا من النقاش الشرعي والمنطقي في فترات مهمة، ولكن لم تقتنص القوى السياسية تلك الفرص لممارسة هذا الخيار، بحيث كان ممكنا إحداث هزة سياسية ذات جدوى.

لكن الظروف اليوم مختلفة؛ فقد دخلت إسرائيل مرحلة أكثر تطرفا وفاشية ووحشية، وتعمّقت فيها نزعة الإبادة إلى درجة لم تعد تكترث حتى بالادعاء التقليدي بالديمقراطية والمواطنة المتساوية. وفي هذه الظروف تحديدا، تصبح المشاركة ذات معنى فقط إذا ارتبطت بهدف سياسي واضح، يتحقق من خلاله إنهاض الحالة السياسية والاجتماعية الجماعية. نحدد الموقف على هذا الخيار استنادا إلى تقييم المشهد العام، في ظل المواجهة الفلسطينية-العربية والإقليمية ضد العدوان الإمبريالي، التي لم تنتج معادلة سياسية فلسطينية وإقليمية كافية لإحداث نقلة نوعية نحو الحل، وأن تأثير عزلة كيان الأبرتهايد وانكشاف تواطؤ الغرب سيحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتنظيم والتعبئة لتبدأ مفاعيله الحقيقية.

وهنا تبرز أهمية الجدل حول إسقاط حكومة نتنياهو، إذ تبرز أصوات تقول إن بقاء نتنياهو يساهم في تعميق عزلة إسرائيل والأجهزة على صورتها ومكانتها العالمية، مقابل الرغبة الشعبية الواسعة التي تريد إنزال العقاب بهذا المجرم وحلفائه بإسقاطهم من الحكم بغض النظر عمّن يأتي بعدهم، وهو جدل بدأ يتراجع لصالح التوجه الأخير.

ورغم أن الاستطلاعات تشير إلى تآكل التأييد لحزب “هليكود”، إلا أن ذلك لا يعني أن النتيجة باتت محسومة، فقد يتكتل اليمين الفاشي مجددا ويجدد حكمه، ويصح التحليل بأن مشاركة مكثفة للفلسطينيين في التصويت قد تقلب الأوراق وتسقطها من أيدي الائتلاف الحاكم. وربما تنشأ حالة لا غالب فيها ولا مغلوب، وتنتج أزمة داخل هذا الكيان الإبادي تؤدي إلى الدخول في دورة انتخابية جديدة أو أكثر.

إسقاط الفاشية كهدف تكتيكي: المساحات المتاحة وشروط المعركة المقابلة

طبعا لن يؤدي إسقاط الائتلاف الفاشي الذي يقوده نتنياهو إلى تغيير جوهري في طبيعة الدولة ومنظومة العنف، أو إلى نهاية المنظومة الكولونيالية والفصل العنصري، أو إلى قدوم حكومة أفضل. فالحكومة التي ستأتي بعده قد تكون أكثر حنكة في لغتها، وأكثر مراوغة في التعامل مع المجتمع الفلسطيني والعالم، وقد تغيّر أدواتها وتكتيكاتها الداخلية والخارجية دون أن تكون مختلفة في جوهرها الاستعماري. وبالتالي، لا يجوز الوقوع في الوهم بأن مجتمعا استيطانيا إباديا يمكن أن ينتج حكومة مختلفة جوهريا؛ لأن قبول هذا الوهم ينتج اتكالية وقعودا عن الاستعداد للمعارك القادمة، وقد تكون معارك وجودية.

ومع ذلك، فإن هذا لا يجعل إسقاط حكومة نتنياهو أمرا ثانويا؛ بل على العكس، قد يكون له وزن سياسي مهم لأنه يفتح مساحة جديدة للعمل السياسي الفلسطيني في مواجهة الحكومة القادمة. فاستمرار حكومة نتنياهو–بن غفير–سموتريتش، بكل ما تمثله من قمع وتحريض وتطرف وإبادة، وممارسة كل أشكال التوحش ضد الأسرى الفلسطينيين، والتطهير العرقي في النقب، فضبا عن العدوان في المحيط العربي والإقليم، لا يقود بالضرورة إلى اقتراب الانفجار أو الثورة.

إن استمرار هذه العصابة في الحكم، في ظل الظروف الفلسطينية والإقليمية والعربية والعالمية الحالية، يقود إلى نتيجة مختلفة تماما: مزيد من إغلاق منافذ العمل السياسي، والإيغال في تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتعميق الفردانية واللامبالاة، وإرهاق المجتمع وإدخاله في حالة من العجز السياسي الطويل.

لذلك لا ينبغي النظر إلى إسقاط هذه العصابة بوصفه انتصارا إستراتيجيا، بل باعتباره انتصارا تكتيكيا يمكن أن يحسّن ظروف الصراع وشروطه. فالحكومة القادمة ستحتاج إلى إعادة ترتيب خطابها وأدواتها، وقد تضطر إلى تخفيف بعض مظاهر القمع أو إعادة بناء صورتها الداخلية والخارجية. وهذه المساحة، مهما كانت محدودة، يمكن استثمارها لإعادة بناء العمل السياسي والشعبي الفلسطيني، وتنظيم المجتمع، واستعادة الثقة بالفعل الجماعي.

ومن يعتقد بقدرة المعارضة إن شكلت الحكومة القادمة على إصلاح صورتها العالمية، وإعادة الرأي العام العالمي (على الأقل في مستواه الشعبي)، فإن تحليلات لمراكز دراسات وآراء أميركية وإسرائيلية تقول إن الضرر الذي حصل على صورة إسرائيل لا يمكن إصلاحه. بالتأكيد إن حكومة من المعارضة ستكون أكثر قبولا لدى حكومات الغرب، وتشكل مخططاتها لإصلاح صورة إسرائيل تحديات جديدة أمام حركات التضامن العالمية مع فلسطين وأمام حركة المقاطعة، ولكن ذلك هو جزء من المعركة المستمرة والتاريخية مع النظام الكولونيالي في فلسطين.

من هنا، فإن السؤال ليس: هل ستكون الحكومة القادمة حكومة سلام أو عدالة؟ فلا يوجد أي سبب لهذا الافتراض، بل السؤال هو: أي حكومة نريد أن نواجه، وتحت أي شروط سياسية، وبأي أحزاب سياسية، وبأي حالة مجتمعية، وكيف نتهيأ لكل السيناريوهات؟

قد تكون مواجهة حكومة استعمارية بديلة عن القائمة، وتختلف في تكتيكاتها عن حكومة نتنياهو، أكثر فائدة للعمل الوطني من مواجهة ائتلاف شديد التطرف، يغلق معظم الأبواب دفعة واحدة ويخنق كل صوت جدي للتحدي. وهذا لا يعني منح الحكومة القادمة شرعية أو الثقة بها، بل يعني التعامل بواقعية مع الفروق بين الظروف السياسية، واستثمار كل مساحة يتيحها الصراع الداخلي الإسرائيلي لإعادة بناء القوة الفلسطينية.

لكن هذا يتطلب شروطا واضحة للمشاركة:

أولها: أن تكون معركة سياسية لا معركة انتخابية إجرائية، أي مرتبطة ببرنامج وطني واجتماعي واضح.

وثانيها: أن يكون إسقاط حكومة نتنياهو الفاشية هدفا تكتيكيا، لا بديلا عن مهمة إعادة بناء الجسم السياسي والتمثيلي الفلسطيني داخل الخط الأخضر، ولا عن المشروع التحرري الفلسطيني الشامل.

وثالثها: أن تُستخدم الحملة الانتخابية لاستعادة عناصر القوة الداخلية، ولإعادة بناء الوعي والحصانة المجتمعية، لا لتكريس التبعية للمؤسسة الإسرائيلية والذوبان في مستنقعها.

ورابعها: أن يكون واضحا أن إسقاط الحكومة الحالية لا يعني دعم الحكومة القادمة، بل الاستعداد لمواجهتها سياسيا وشعبيا، مهما اختلفت أساليبها.

لقد أثبتت الحملات الانتخابية، في فترات النهوض والوضوح السياسي، قدرتها على تحويل الأسابيع القليلة التي تسبق الاقتراع إلى ورشة واسعة من النقاش والتثقيف والتعبئة. لكن قيمة ذلك تتوقف على الشعارات والمضمون، فإذا اقتصرت الحملة على وعود الخدمات والمصالح الفردية وبأي ثمن، فإنها ستعمق التبعية وتفتح الباب لمزيد من الانهيار الأخلاقي والسياسي. أما إذا ربطت المشاركة بإسقاط حكومة الإبادة، وحماية المجتمع، واستعادة العمل السياسي، وإعادة بناء القوة الوطنية فإن الانتخابات يمكن أن تصبح محطة في مسار كفاحي أطول.

إن هذه المعركة السياسية تساهم، ويجب أن تساهم، في شحن المجتمع بطاقة جديدة، وتهيئته، وكذلك تنظيماته السياسية والوطنية، لمواجهة الحكومة القادمة ومشاريعها، كما تساهم في فضح من يلتحق بها من إسلاميين وغير إسلاميين ممن يساهمون في إغراق المجتمع الفلسطيني في متاهات قاتلة وطنيا وأخلاقيا ودينيا.

باختصار، يمكن أن تجعل القوى السياسية المعركة الانتخابية الراهنة معركة لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتمكينه لمواجهة الحكومة المراوغة القادمة، ومن يتبعها من المنحرفين.

المشاركة، إذن، ليست غاية، وإسقاط نتنياهو ليس نهاية الطريق، بل كلاهما ينبغي أن يكونا جزءا من معركة أوسع: إسقاط الحكومة الأكثر تطرفا لفتح مساحة سياسية، ثم استخدام هذه المساحة لمواجهة الحكومة التالية، مهما اختلفت تكتيكاتها، ومواصلة إعادة بناء الأدوات السياسية والتمثيلية، وربط كل ذلك بقضية فلسطين الكبرى.

عرب48

كيف نحوّل الانتخابات إلى معركة لإعادة بناء القوة؟

شارك المقالة