توصلت المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا إلى توقيع اتفاقية للدفاع المشترك في مدينة مكة، في 7 آب/ أغسطس 2026، وذلك في ظل ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد تواجهها منطقة الخليج والشرق الأوسط، نتيجة الحروب العدوانية التي شنتها إسرائيل بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبلغت ذروتها في الحرب على إيران، التي وقعت في جولتين، الأولى في حزيران/ يونيو 2025 والثانية في شباط/ فبراير 2026، وردّت إيران عليها بإغلاق مضيق هرمز، وتقييد صادرات الطاقة عبره، في خطوة للضغط على الولايات المتحدة الأميركية للتوصل إلى تسوية تراعي مصالحها.
أبرز بنود الاتفاقية وأبعادها
تقوم الاتفاقية، بحسب البيان المشترك الذي صدر بعد القمة التي جمعت قادة الدول الثلاث في مدينة مكة، على ثلاثة مرتكزات أساسية يتمحور أولها حول “الردع”؛ إذ أشار البيان إلى أن هدف الاتفاقية هو “تعزيز الردع المشترك ضد أيّ اعتداء”، يمكن أن تتعرض له الدول الثلاث. أما المرتكز الثاني، فيتمحور حول مفهوم الأمن الجماعي؛ إذ أشار البيان إلى “أن أيّ هجوم مسلح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”. في حين ينص المرتكز الثالث، وهو الأكثر واقعية، على “تطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي” بين الدول الأعضاء[1].
وتُعدّ اتفاقية مكة للدفاع المشترك أول إطارَ أمنٍ جماعي يشمل دولًا عربية وغير عربية منذ إنشاء “حلف بغداد”، في شباط/ فبراير 1955، الذي ضم، إلى جانب العراق، كلًّا من تركيا وباكستان وإيران وبريطانيا[2]. وهي أيضًا أول اتفاقية دفاع مشترك توقّعها السعودية خارج إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ إذ دأبت الرياض على معارضة الاتفاقيات الدفاعية خارج هذا الإطار، ورفضت المشاركة في مبادرة إسطنبول للتعاون الأمني ICI، التي أُطلقت في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، المنعقدة في إسطنبول عام 2004، بهدف تعزيز التعاون الدفاعي بين الحلف ودول منطقة الخليج العربي على أساس التعاون الثنائي. وقد انضمت إلى المبادرة حينئذ كل من الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، في حين امتنعت السعودية عن المشاركة[3]. وبهذا المعنى، تُعدّ اتفاقية مكة بمنزلة إقرار من السعودية بعدم قدرة مجلس التعاون، بوصفه إطارًا للأمن الجماعي، على مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية التي زادت حدّتها بعد انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في 8 أيار/ مايو 2018، من “خطة العمل الشاملة المشتركة”، أو ما يعرف إعلاميًا بـ “الاتفاق النووي الإيراني، الذي جرى التوصل إليه بين إيران ومجموعة دول “5+1″، عام 2015، وبلغت ذروتها في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
اتفاقية الرياض 2025
شكّلت اتفاقية مكة مرحلة ثانية في توجّه السعودية الذي يهدف إلى تنويع شراكاتها الأمنية والدفاعية، بدلًا من الاستمرار في الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وقد تمثّلت المرحلة الأولى من هذا التوجه في اتفاقية الرياض التي وُقّعت بين السعودية وباكستان. ففي 17 أيلول/ سبتمبر 2025، توصلت الرياض وإسلام أباد إلى “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك”، التي نصت على تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أيّ اعتداء، واعتبار أن “أيّ اعتداء على أيّ من البلدين هو اعتداء على كليهما”[4]. وجاءت الاتفاقية السعودية – الباكستانية بعد أسبوع من مهاجمة إسرائيل، أول مرة، دولة عضوًا في مجلس التعاون، في 9 أيلول/ سبتمبر 2025، عندما حاولت اغتيال الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” في مفاوضات وقف الحرب على غزة[5]. وكانت هذه المرة الأولى، أيضًا، التي تهاجم فيها إسرائيل دولة مرتبطة بالولايات المتحدة باتفاقية شراكة استراتيجية، وتحظى بمكانة حليف رئيس من خارج حلف الناتو. وفي إثر ذلك، وقّعت السعودية اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان، في مؤشر إضافي دالّ على ضعف الثقة بالتزام الولايات المتحدة بأمن دول المنطقة، خاصة في ظل إدارة ترمب. وكانت أزمة الثقة في العلاقات السعودية – الأميركية قد بدأت عندما تجاهلت إدارة الرئيس ترمب الأولى (2017-2021) الهجوم على منشآت شركة “أرامكو” السعودية في أيلول/ سبتمبر 2019، الذي أدى إلى تعطيل نصف إنتاج النفط السعودي[6]. وقد أجاب ترمب عن السؤال بشأن ما ينبغي للولايات المتحدة فعله لمساندة السعودية، في عقب الهجوم الذي نفذته جماعات حليفة لإيران على منشآتها النفطية، بأن “هذا هجوم على السعودية، وليس على الولايات المتحدة الأميركية”[7]. واستند موقفه، في ذلك الوقت، إلى “استراتيجية الأمن القومي الأميركي”، التي أعلنتها إدارته عام 2017، ورفضت التورط في أيّ حرب جديدة لا تتصل مباشرة بالمصالح الأميركية، واستند كذلك إلى شعار حملته الانتخابية الذي تمحور حول فكرة “أميركا أولًا”. وازدادت حاجة السعودية إلى شراكات أمنية إضافية بعد أن تبيّن حجم الرد الإيراني على العدوان المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير 2026. وخلافًا للتوقعات، أظهر العدوان حدود ما يمكن أن تحققه القوة الأميركية، بعد أن تحوّل الصراع إلى حرب استنزاف ممتدة مع إيران – من دون مراعاة مصالح دول الخليج – مؤثِّرة بشدة في مصالح هذه الدول واقتصاداتها. فقد أدت الحرب إلى تعطيل تصدير النفط السعودي عبر الخليج، ما دفع الرياض إلى استخدام موانئها على البحر الأحمر منفذًا بديلًا لتصدير النفط. لكن تفاقم التوتر مع الحوثيين، بعد محاولة السعودية منع هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء في تموز/ يوليو 2026[8]، أدى أيضًا إلى تهديد منشآت تصدير النفط السعودية على البحر الأحمر نتيجةً لاستهدافها بهجمات من الحوثيين[9]. وضمن هذا السياق الإقليمي المضطرب أمنيًا وسياسيًا، سعت الرياض للتوصل إلى اتفاقية مكة بعد فترة من التردد بشأن مشاركة تركيا.
العلاقة بين أطراف الاتفاقية
ترتبط السعودية بعلاقات وثيقة مع باكستان منذ انفصالها عن الهند عام 1947. وقد تعمقت هذه العلاقات على نحو خاص خلال فترة الحرب الباردة، ولا سيما في عهد رئاسة الجنرال محمد ضياء الحق (1978-1988). وأدى الطرفان دورًا مهمًّا في التصدي للغزو السوفياتي لأفغانستان (1979-1989)؛ إذ قدّمت السعودية دعمًا كبيرًا لباكستان في إطار تحالف ضمّ، إلى جانبهما، الولايات المتحدة ومصر والمغرب، بهدف هزيمة الاتحاد السوفياتي في سياق تنافسات الحرب الباردة[10]. ويُعتقد أن السعودية أدّت أيضًا دورًا مهمًّا في دعم البرنامج النووي الباكستاني، الذي بلغ ذروته بإعلان باكستان امتلاكها سلاحًا نوويًا في أيار/ مايو 1998[11]. لكن العلاقات السعودية – الباكستانية تراجعت بعد انتهاء الحرب الباردة، وخصوصًا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، وتنامي الروابط التجارية والسياسية بين السعودية والهند، التي بلغت ذروتها بتوقيع السعودية اتفاقية إنشاء المعبر الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي، خلال قمة مجموعة العشرين التي استضافتها نيودلهي في أيلول/ سبتمبر 2023. وقد رعت الولايات المتحدة هذا الترتيب في مواجهة مشروع “الحزام والطريق” Belt and Road Initiative، الذي أطلقته الصين في عام 2013، وتُعدّ باكستان جزءًا رئيسًا منه من خلال الممر الصيني – الباكستاني CPEC، الذي يربط إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، في غرب الصين، بميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب، عبر سلسلة من الطرق والسكك الحديدية ومشاريع الطاقة[12]. لكن تغيّر الوضع الاستراتيجي في المنطقة بعد عملية طوفان الأقصى أدّى إلى تغيّر أولويات السياسة السعودية، ودفع في اتجاه توثيق العلاقات مع باكستان، وقد أفضى ذلك إلى توقيع “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك”، في أيلول/ سبتمبر 2025، ثم اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي انضمت إليها تركيا. وأعلنت الرياض، في مؤشر على التزامها بتعزيز علاقاتها مع باكستان، في منتصف نيسان/ أبريل 2026، حزمة دعمٍ مالي لباكستان بإجمالي التزامات بلغ ثمانية مليارات دولار، شملت تقديم وديعة إضافية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وتمديد أجل وديعة سابقة بقيمة خمسة مليارات دولار؛ ما ساعد إسلام أباد على سداد التزامات وديعة إماراتية مستحقة بقيمة 3.45 مليارات دولار، طلبت أبوظبي استردادها احتجاجًا على ما اعتبرته موقفًا باكستانيًا “ضعيفًا” من الهجمات الإيرانية التي استهدفتها[13].
وعلى غرار ذلك، تعرّضت العلاقات السعودية – التركية لتقلّبات مختلفة خلال العقدين الماضيين؛ إذ شهدت تقاربًا خلال السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، الذي وصل إلى الحكم عام 2002، وبلغ هذا التقارب ذروته بتوقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين تركيا ومجلس التعاون في جدة عام 2008[14]. لكن العلاقات السعودية – التركية ما لبثت أن توترت نتيجةً لخلافٍ بشأن الموقف من ثورات الربيع العربي، خصوصًا في مصر. وبلغت العلاقات مستوى غير مسبوق من التراجع خلال أزمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. ثم عادت العلاقات إلى التحسن، وصولًا إلى إنشاء إطار تشاوري رباعي تبلور خلال عام 2025، وضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، وأفضى إلى إعلان اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
أما باكستان وتركيا، فقد كانت علاقاتهما قوية منذ خمسينيات القرن العشرين؛ إذ كان البلدان جزءًا من مبادرة “الحزام الشمالي” Northern Tier، التي أطلقتها الولايات المتحدة في مطلع الخمسينيات بهدف منع التغلغل السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط، وضمت تركيا وباكستان وإيران والعراق[15]، ثمّ دخلت هذه الدول الأربع مع بريطانيا في المعاهدة التي أدت إلى نشوء حلف بغداد عام 1955. وارتبطت تركيا وباكستان، في إطار تحالفات الحرب الباردة، بعلاقات عسكرية ودفاعية قوية استمرت بعد انتهائها، وصولًا إلى توقيع اتفاقية مكة.
أهمية الاتفاقية ومستقبلها
تضم اتفاقية مكة للدفاع المشترك ثلاث دول ذات مكانة إقليمية كبيرة وإمكانات مهمّة، لكن اختلاف الأولويات والرؤى ومصادر التهديد يحدّ من قدرتها على التحول إلى إطار دفاعي فاعل، ويدفع في اتجاه بقائها ضمن حدود تحالف سياسي – أمني يرتكز، في الدرجة الأولى، على تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، والتصنيع الدفاعي المشترك. فالمعضلة الأمنية السعودية تتمحور أساسًا حول إيران، وهي نظرة لا تشاطرها إياها الدولتان الأخريان. فباكستان، التي تضم أقلية شيعية كبيرة، تمثّل نحو 10 في المئة من عدد السكان البالغ 240 مليون نسمة[16]، لا تبدو مستعدة للدخول في علاقات عدائية مع إيران، التي تتشاركها أيضًا الموقف من الجماعات الانفصالية في إقليم سيستان وبلوشستان المشترك بين البلدين. أما تركيا، فقد أجهضت، من خلال اتصالاتها بالرئيس ترمب، خططًا إسرائيلية لاستخدام القوى الكردية الإيرانية “رأس حربة” في إطاحة النظام الإيراني خلال الأيام الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران[17]. وفي حين تبقى الهند مصدر التهديد الرئيس في العقيدة الدفاعية الباكستانية، تتحرك تركيا ضمن بيئة أمنية تواجه فيها تحديات من جانب إسرائيل واليونان خصوصًا. وفي الحالتين، لا تتشارك السعودية النظرة نفسها؛ إذ ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية كبيرة مع الهند، التي تمثّل ثاني أكبر شريك تجاري لها بعد الصين، بقيمة إجمالية بلغت 50 مليار دولار عام 2025[18]. وترتبط السعودية كذلك بعلاقات قوية مع اليونان، وتوجد قوات عسكرية يونانية في السعودية، أرسلتها اليونان لدعمها خلال حرب إيران، واعترضت صواريخ أطلقها الحوثيون في تموز/ يوليو 2026[19].
خاتمة
تُشكّل اتفاقية مكة للدفاع المشترك مركزَ ثقلٍ سياسيٍ إقليمي من حيث الأهمية والتأثير في منطقتَي الخليج والشرق الأوسط؛ فأطرافها الثلاثة ذات قدرات مالية ومكانة مميّزة في سوق الطاقة العالمية (السعودية)، وقاعدة صناعية دفاعية متطورة (تركيا)، وجيش كبير ذي خبرة عملياتية طويلة، مدعوم بترسانة نووية (باكستان). لكن اختلاف الأولويات الأمنية والمصالح والرؤى، وتفاوت قدرات الانتشار العسكري بين الأطراف، ووجود التزامات دفاعية في الجوار المباشر بالنسبة إلى كل طرف، يرجّح كلّه أن تبقى الاتفاقية في إطار تحالف سياسي – أمني يهدف إلى الردع ومنع الحروب، بدلًا من خوضها والانتصار فيها.
عرب48