عبد الباري عطوان
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان الى وقت قريب يتباهى بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي التي يتربع على عرش قيادتها هي الدولة الديمقراطية التي تمثل الحضارة الغربية في منطقة الشرق الأوسط الغارقة في الديكتاتورية والعنصرية وانتهاك حقوق الانسان، خرج علينا في عدة مقابلات تلفزيونية بحملات من السخرية ذات الطابع العنصري، ضد دول مثل بريطانيا التي لعبت دورا رئيسيا في ارتكاب اكبر إثم في تاريخها في اصدار وعد بلفور الذي يمنح الحركة الصهيونية الإرهابية كيانا على الأرض الفلسطينية على حساب الشعب الفلسطيني في أبشع مثال على نكران “الجميل”.
ووصل تطاول نتنياهو على بريطانيا وسخريته من وجود قاعدة من المواطنين البريطانيين المسلمين على ارضها، بالقول “ان احدهم يتوقع ان اول جمهورية إسلامية تملك اسلحة نووية ستكون جمهورية بريطانية الإسلامية”.
وفي مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الامريكية سخر نتنياهو من بريطانيا وحكمها وشعبها، عندما قال “سئل احدهم: لماذا تتعلم اللغة العربية فأجاب: لأني أريد ان أتمكن من الذهاب الى لندن وباريس”.
***
انه قمة الهذيان والإرهاب العنصري، فمنذ ان وصلت شخصيات بريطانية وامريكية من أصول إسلامية، وعبر صناديق الاقتراع الى مراكز عليا في بلدانهم التي هاجروا اليها مثل عشرات الملايين الآخرين، ودخلوها بطرق شرعية، مثل صديق خان عمدة لندن، وزهران ممداني كرئيس لبلدية نيويورك، وقبلهما الهان عمر ورشيدة طليب، كعضوتان في الكونغرس الأمريكي (حققت النائبة الديمقراطية إلهان عمر اليوم فوزًا واسعًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا، بعدما حصلت على أكثر من 80% من أصوات الناخبين)، والحملات الصهيونية وعلى اعلى المستويات في قمة ذروتها ضد المسلمين، فلا مانع ان يصل العنصريون الصهاينة الى المناصب العليا في العالم الغربي، فهم من الجنس النقي، اما غيرهم من المسلمين والعرب والافارقة ممنوعة عليهم لانهم لا يستحقونها.
منطقة “ايباك” زعيمة اللوبي الصهيوني في أمريكا رصدت ما يقرب من 50 مليون دولار لإسقاط الدكتور عند الرحمن السيد الأمريكي من أصل مصري، ومنعه من الفوز بالترشح لخوض انتخابات مجلس الشيوخ والحصول على مقعد الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان لمصلحة مرشحة صهيونية تنافسه على هذا المقعد، ان يصل الصهاينة الى المراكز العليا في أمريكا وعلى رأسها وزارة الخارجية فهذا امر عادي، اما ان يفوز امريكي او بريطاني من اصل إسلامي بقيادة مجلس بلدي فهذا ممنوع.
عندما جئت الى بريطانيا للعمل كصحافي وبعقد رسمي كانت البلاد تزهر بحرية التعبير وحقوق الانسان، والمساواة في الحقوق والواجبات، وكانت وسائل الاعلام تبحث عن “الرأي الآخر” وتقاوم التفرقة العنصرية على أساس الدين والعرق واللون، ولكن الصورة الجميلة هذه تشوهت، وانقرضت بسبب سيطرة اللوبي الصهيوني عليها، وايصال عملائه الى المفاصل المؤثرة فيها، فأي تعاطف مع ضحايا حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة لا مكان له في هذه الوسائل، ولم يخطر على بالي مطلقا ان نجما ومعلقا رياضيا مثل غاري لينيكر يطرد من تقديم برنامجه الانجح في تاريخ بريطانيا (مباراة اليوم) الذي قدمه لأكثر من 26 عاما على شاشة الـ”بي بي سي” الرسمية التي تأتي ميزانيتها من جيوب دافعي الضرائب، والذنب الذي ارتكبه لينيكر هو التعاطف مع شهداء قطاع غزة، والأطفال منهم على وجه الخصوص.
***
عمر الكذب والخداع قصير جدا، فها هو الشعب الأمريكي او معظمه يفيق من غفوته ويمزق الغطاء عن عيونه ويتصدى، ويضع حدا لهذه الغطرسة الاسرائيلية بشكل متسارع، فوجود شخص شجاع مثل زهران ممداني، لم يجرؤ نتنياهو على زيارة نيويورك، مدينته المفضلة، خوفا من الاعتقال، وها هو تاكر كارلسون الصحافي الجريء الذي تصدى للرئيس دونالد ترامب، وتحداه، ووقف ضد العدوان الذي يشنه على ايران بطلب من نتنياهو ورهطه، وقال انها حرب إسرائيلية لا ناقة لنا فيها او بعير، وأيده اكثر من 82 بالمئة من الشعب الأمريكي.
بريطانيا يجب ان تكفر عن ذنبها الذي اقترفته في حق الشعب الفلسطيني، ووعد بلفور، ان تلجم هذا اللوبي الصهيوني الذي هيمن على اعلامها وثقافتها ودائرة صنع القرار فيها، والشيء نفسه نقوله للولايات المتحدة التي كانت نخبتها السياسية تدعي انها زعيمة العالم الحر والحارس الحازم للديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، والكذبة الكبرى التي فضحتها مجازر الإبادة في قطاع غزة.
رأي اليوم