– بينما يتحدث مجلس السلام الخاص بقطاع غزة عن إجراءات بدأت تُنفذ على الأرض في قطاع غزة، تبدو الصورة أكثر تعقيدا في ظل تباين واضح بين ما تعلنه القيادة السياسية الإسرائيلية، وما تنقله المؤسسة الأمنية، وما يجري فعليا في القطاع.
ففي الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة- رفضه لوثيقة النقاط الـ15، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية والعسكرية واصلت العمل وفق بعض ترتيبات التفاهمات، بالتزامن مع توقف عمليات الاغتيال خلال الأيام الأخيرة.
ويوم الاثنين الماضي، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول في مجلس السلام -لم تسمّه- أن الخطة المتعلقة بالقطاع لا تزال سارية و”فعالة إلى حد كبير”، رغم إعلان نتنياهو رفضها، مضيفا أن خريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة هي بين مجلس السلام وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأن المناقشات متواصلة مع إسرائيل.
كما زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر مركز التنسيق المدني العسكري في كريات غات، وأكد التزام الولايات المتحدة باتفاق وقف إطلاق النار والعمل على تنفيذه وفق التفاهمات. وفي المقابل، يقول مجلس السلام إن إسرائيل تنفذ بالفعل بنود الخطة وإن وقف إطلاق النار قائم.
وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومجلس السلام الخاص بغزة التوصل إلى خريطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب. بينما أصدر “مجلس السلام” وثيقة بعنوان “خريطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة ترمب تتألف من 15 نقطة تؤكد فيها الأطراف بموجبها التزامها بخطة ترمب الشاملة لتحقيق السلام، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، وتمكين إدارة فلسطينية مستقلة للقطاع، وسعي الأطراف لتهيئة مسار سياسي موثوق يحقق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية”.
واقع المشهد
ويعزو المتخصص في الشؤون الإسرائيلية مؤمن مقداد جانبا من هذا التباين إلى ضبابية التصريحات الرسمية الإسرائيلية وشحها، مقابل ما يتسرب من المؤسسة الأمنية والعسكرية ووسائل الإعلام الإسرائيلية.
إعلان
وبين هذه الروايات المتباينة، ترصد الجزيرة نت ما تغير فعليا على الأرض في قطاع غزة، وما بقي على حاله، وما إن كانت الإجراءات التي يتحدث عنها مجلس السلام تمثل بداية للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، أم أن الهدوء الحالي لا يزال في حدود التمهيد والمشاورات.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى توقف الغارات الجوية والاغتيالات بصورة شبه كاملة منذ 9 أيام وحتى مساء أمس الأربعاء، حيث شن الاحتلال غارة على شمالي غزة أدت إلى ارتقاء شهيد، باستثناء إطلاق النار والقذائف وعمليات النسف المستمرة داخل الخط الأصفر وعلى نقاط التماس القريبة منه، خصوصا في المناطق الشرقية للقطاع.
ويقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل -في حديث للجزيرة نت- إن آخر استهداف سجلته الطواقم وقع مساء الاثنين 3 أغسطس/آب الجاري في شارع الرشيد، حين استهدفت غارة إسرائيلية مركبة كان يستقلها شخصان، ومنذ ذلك الحين لم تسجل الطواقم أعمالا مماثلة.
وتؤكد وزارة الصحة في غزة -للجزيرة نت- عدم تسجيل شهداء جدد جراء عمليات استهداف إسرائيلية خلال هذه الفترة، باستثناء حالة واحدة في دير البلح يوم السبت 8 أغسطس/آب، حيث استشهد المواطن مهند غياض برصاص عشوائي أطلقته الآليات الإسرائيلية المتمركزة شرق المدينة.
لكن توقف الغارات والاغتيالات لا يعني أن المرحلة الثانية من الاتفاق دخلت حيز التنفيذ؛ فما تحقق حتى الآن يقتصر على الهدوء العسكري النسبي، بينما لم يتحقق الانسحاب الإسرائيلي أو التغيير المطلوب في مسار إدخال المساعدات، وهما من أبرز الاستحقاقات العملية للمرحلة التالية.
لا انسحاب
على الأرض تحققت الجزيرة نت -عبر التواصل مع مصادر ميدانية خاصة على امتداد الشريط الحدودي الشرقي من شمال قطاع غزة إلى وسطه- من عدم تسجيل أي انسحاب للقوات الإسرائيلية من مواقعها المتقدمة إلى حدود ما يسمى “الخط الأصفر” خلال الأيام الأخيرة.
جباليا: لم تتراجع القوات من مواقع انتشارها، ولا تزال متمركزة في محيط مستشفى كمال عدوان، في حين كان يُفترض -وفق ترتيبات وقف إطلاق النار- أن يكون حدّها عند المستشفى الإندونيسي، مع استمرار لعمليات إطلاق النار وعمليات النسف في المنطقة.
حي التفاح: لا يزال “الخط الأصفر” عند منطقة السنافور دون تغير، بينما تشهد منطقة الزيتون تحركات وإعادة انتشار قرب مفترق دولة، لكنها لا تمثل تراجعًا عن المواقع القائمة.
دير البلح: أفاد شاهد عيان -للجزيرة نت- بأن القوات الإسرائيلية لم تنسحب من مواقعها خلال الأيام الأخيرة، بل ظهرت مؤشرات على تعزيز وجودها من خلال إقامة سواتر ترابية وأبراج مراقبة، بما يوحي بتثبيت مواقعها بدلًا من الانسحاب منها.
وبذلك، لا تظهر في هذه المناطق مؤشرات على انسحاب إسرائيلي يعيد القوات إلى حدود “الخط الأصفر”، رغم أن مساحة السيطرة الإسرائيلية كانت قد اتسعت تدريجيا إلى نحو 70% من مساحة القطاع، مقارنة بنحو 53% التي كان يُفترض أن تحدد نطاق انتشار هذه السيطرة، وفق ترتيبات وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
في حي الزيتون يقول محمد أحمد الذي يقيم بالقرب من شارع صلاح الدين: “لم يتغير علينا شيء منذ الإعلان الذي سمعنا عنه. المكعب الأصفر القريب من مكان نزوحنا لم يتغير، ويوميا نتعرض لإطلاق النار من المواقع الإسرائيلية القريبة من المكان”.
أما في شرق جباليا، فيقول حسنين عودة -من مخيم إيواء حلاوة- إن السكان يعيشون تحت وطأة الطلقات التي يصفها بالعشوائية، والتي تتسبب في إصابات متكررة. ويضيف “الوضع يزداد سوءا، والعالم يتعامل معنا على أن الحرب انتهت لكن واقعنا كل يوم أسوأ من ذي قبل”.
الضغط الأمريكي
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن مؤشرات بدأت تظهر خلال اليومين الأخيرين على وجود ترتيبات للانتقال نحو تنفيذ بعض بنود الخطة، بينها التحرك الأمريكي الأخير، لكنه يرى أن هذه الخطوات لا تزال بطيئة، وأن نتنياهو قادر على عرقلتها أو تأخيرها بصورة غير مباشرة، خصوصا أن الانتقال من الحرب إلى المسار السياسي سيضعه أمام حسابات داخلية وانتخابية، في ظل انتقادات إسرائيلية له بعدم تحقيق ما تصفه حكومته بـ”النصر المطلق”.
ويؤكد إبراهيم أن قدرة مجلس السلام على دفع الخطة إلى الأمام ترتبط أساسا بمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها للضغط على إسرائيل، معتبرا أن هذا الضغط لم يصل حتى الآن إلى مستوى يُلزم نتنياهو بالتنفيذ، وأن دور المدير التنفيذي للمجلس نيكولاي ملادينوف لا يبدو -حتى الآن- ضاغطا بما يكفي على الجانب الإسرائيلي.
ويحذر المحلل السياسي من أن استمرار هذا البطء يُبقي المرحلة العسكرية مفتوحة، ويمنح إسرائيل فرصة لتثبيت واقع ميداني جديد، خصوصا في ظل الغموض المحيط بحدود الانسحاب وتوقيته. ويتساءل: إذا كانت إسرائيل تقول إن المشكلة هي نزع السلاح فمَنْ المفترض أن ينفذ هذه المهمة إذا كانت هي تمنع الجهات المكلفة بها من الدخول؟
ويكشف هذا الطرح جوهر العقدة التي تحول دون الانتقال من الهدوء العسكري إلى تنفيذ الاستحقاقات الفعلية للاتفاق؛ إذ تبقى الخطوات العملية معلقة بين التزامات تقول الأطراف الفلسطينية إنها نفذتها، وبين إجراءات يُفترض أن تترجمها إسرائيل والجهات الراعية للاتفاق على الأرض.
حماس: إسرائيل تماطل
وفي السياق، تحمّل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسرائيل مسؤولية المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق، مطالبة مجلس السلام والوسطاء باتخاذ موقف واضح من الطرف الذي ترى أنه يعطل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وقال القيادي في حماس محمود مرداوي -للجزيرة نت- إن الحركة نفذت التزاماتها ووافقت على وثيقة النقاط الـ15 كاملة دون تعديل، معتبرا أن الولايات المتحدة -بوصفها الطرف الراعي للاتفاق والقادر على إلزام إسرائيل بالتنفيذ- مطالَبة بالبدء في تنفيذ الخطوات العملية التي نص عليها الاتفاق، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية.
واتهم مرداوي إسرائيل بمحاولة “تفريغ الاتفاق من أهميته” عبر المماطلة في تنفيذ بنوده، مضيفا أن ما تعهد به مجلس السلام والوسطاء يحظى بدعم دولي واسع لتنفيذ الخطة.
كما دعا مرداوي مدير المجلس ملادينوف إلى اتخاذ موقف علني واضح من الطرف الذي يرفض تنفيذ الاتفاق بدلا من تبرير موقفه، مشيرا إلى أن ملادينوف كان منخرطا بصورة مركزية في المفاوضات وتفاصيلها.
المصدر: الجزيرة
ماذا تحقق فعليا من خطة مجلس السلام في غزة؟ | سياسة | الجزيرة نت