بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ترى مجلة نيوزويك أن طهران أظهرت أن امتلاك سلاح نووي قد لا يكون أقوى أدواتها، إذ برزت قدرتها على استخدام موقعها الجغرافي للضغط على العالم من خلال مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت الحرب وهي تركز على البرنامج النووي الإيراني، الذي تؤكد طهران باستمرار أنه مخصص للأغراض السلمية وتنفي سعيها إلى إنتاج قنبلة نووية. إلا أن التطورات الميدانية أظهرت، بحسب المجلة، أن التأثير الأكبر خلال الحرب جاء من قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما تسبب في اضطرابات واسعة في تجارة الطاقة العالمية.
وأضاف أن تداعيات هذا الوضع امتدت إلى العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث يتزايد استياء المستهلكين من ارتفاع تكاليف الطاقة، ومن التدخل العسكري الذي يواجه معارضة داخلية.
كما لفت إلى أن ترامب ألغى جولة جديدة من الضربات العسكرية كان قد وصفها بأنها “أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية”، في خطوة تعكس، وفق المجلة، حجم التأثير الذي تمثله سيطرة إيران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما قد يجعلها أداة ضغط أكثر فاعلية من السلاح النووي نفسه.
ونقلت نيوزويك عن جوشوا تاليس، المسؤول السابق في البحرية الأمريكية والمدير الحالي لبرنامج شؤون أمن الحلفاء والشركاء في مركز التحليلات البحرية، قوله إن “قدرة إيران على إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي تُعد، من بعض النواحي، سلاحًا أقوى من القنبلة النووية”.
وأوضح أن إيران لطالما لوّحت بإغلاق مضيق هرمز في حال تعرضت لمواجهة عسكرية واسعة، وهي تهديدات تعود إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، التي أسهمت في تشكيل العقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية، قبل أن تعود بقوة إلى الواجهة مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، خصوصًا بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 خلال ولايته الأولى
ويضيف أن ما كان يُعد سابقًا مجرد تهديد أصبح اليوم واقعًا، فيما بدأت تداعياته بعيدة المدى تظهر تدريجيًا.
ورغم أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط لا يوفر لإيران مستوى الردع العسكري الذي تمنحه الأسلحة النووية للدول المالكة لها، فإن فكرة الحصانة المطلقة التي توفرها الأسلحة النووية بدأت تتراجع. ويستشهد بما تواجهه الولايات المتحدة من هجمات متكررة على قواعدها في الشرق الأوسط ضمن أساليب الحرب غير المتكافئة التي تعتمدها إيران، على غرار الهجمات اليومية التي تتعرّض لها روسيا من أوكرانيا.
نيوزويك: تعطيل التجارة العالمية عبر أحد أهم الممرات البحرية أصبح بالنسبة لطهران وسيلة أكثر عملية وربما أكثر فاعلية من امتلاك السلاح النووي، إذ تستطيع استخدامها دون أن تواجه مستوى الإدانة الدولية الذي يرافق استخدام أسلحة الدمار الشامل
ويشير إلى أن تعطيل التجارة العالمية عبر أحد أهم الممرات البحرية أصبح بالنسبة لطهران وسيلة أكثر عملية وربما أكثر فاعلية من امتلاك السلاح النووي، إذ تستطيع استخدامها دون أن تواجه مستوى الإدانة الدولية الذي يرافق استخدام أسلحة الدمار الشامل.
وبحسب نيوزويك، فإن هذه الاستراتيجية تمثل وسيلة منخفضة الكلفة لكنها شديدة التأثير، إذ بدأت تستنزف مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر المتطورة مرتفعة الثمن، في وقت تشير فيه تقارير إلى أن إيران تعيد بناء قدراتها العسكرية الأقل تكلفة بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
وقال تاليس إن الهجمات الإيرانية على السفن التجارية باستخدام عدد محدود من الأسلحة منخفضة الكلفة تتسبب في سلسلة من التداعيات على التجارة العالمية، إذ تدفع شركات الشحن والتأمين وأطقم السفن إلى إعادة تقييم مخاطر المرور عبر المنطقة.
وأضاف أن محدودية الأضرار المباشرة، مقابل اتساع آثارها الاقتصادية عالميًا، تمنح إيران مكاسب استراتيجية كبيرة بكلفة سياسية منخفضة، وهو ما يجعل استخدام نفوذها على حركة الملاحة في مضيق هرمز أكثر قبولًا سياسيًا من اللجوء إلى السلاح النووي، كما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة الردّ عسكريًا بصورة متناسبة.
تاليس: مجرد نجاح إيران في تحويل محور الصراع إلى مستقبل مضيق هرمز يمثل تحديًا كبيرًا لسمعة الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة
وتقول نيوزويك إن ما تعتبره طهران نجاحًا في استخدام ورقة مضيق هرمز زاد من تعقيد الجهود الأمريكية لإحياء المفاوضات. فبينما عاد البيت الأبيض للحديث عن المسار الدبلوماسي، ولوّح ترامب مجددًا بقرب التوصل إلى اتفاق، نفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود خطط لإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة.
وأوضح بقائي أن المسؤولين الإيرانيين يجرون بدلًا من ذلك محادثات مباشرة مع سلطنة عُمان للتوصل إلى تفاهم بشأن آلية تضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وأشارت نيوزويك إلى أن سلطنة عُمان، التي تطل على المضيق عبر شبه جزيرة مسندم، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في جهود التسوية، إذ اقترحت نظامًا طوعيًا لرسوم عبور مماثلًا للمعمول به في مضيق ملقا ومضيق سنغافورة، بحيث تسهم الدول المستفيدة في تمويل أمن واستدامة الملاحة في المضيق.
ويرى تاليس أن مجرد نجاح إيران في تحويل محور الصراع إلى مستقبل مضيق هرمز يمثل تحديًا كبيرًا لسمعة الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة.
وأضافت المجلة أن هذا التحدي يتضاعف مع تحركات جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، الحليف البارز لإيران، والتي أظهرت قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قدرتها على تعطيل حركة التجارة البحرية عبر هجماتها في البحر الأحمر، ما أدى إلى تراجع حركة الملاحة في قناة السويس بنحو الثلثين، واضطرار السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر تكلفة.
نيوزويك: استمرار التصعيد في غياب اتفاق قد يزيد من شكوك السعودية وشركاء واشنطن الآخرين في المنطقة بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنهم
وبعد هدنة مع الولايات المتحدة العام الماضي، استأنفت الجماعة الشهر الماضي هجماتها في البحر الأحمر، مستهدفة سفنًا سعودية، مبررة ذلك بما وصفته بالحصار السعودي لليمن والغارات على مطار صنعاء.
وحذّرت نيوزويك من أن استمرار التصعيد في غياب اتفاق قد يزيد من شكوك السعودية وشركاء واشنطن الآخرين في المنطقة بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنهم.
ونقلت عن المحلل الأمني الإيراني مصطفى نجفي قوله إن التهديد باستخدام القوة العسكرية الأمريكية كان يشكل حتى وقت قريب أداة ردع فعالة، إلا أن التطورات الأخيرة أضعفت هذه الصورة، مضيفًا أن إيران والعديد من القوى الإقليمية والدولية لم تعد تنظر إلى فعالية القوة العسكرية الأمريكية بالطريقة نفسها، وهو ما قلل من القيمة الردعية للتهديدات العسكرية مقارنة بالماضي.
ويخلص التقرير إلى أن التوصل إلى اتفاق جديد لن يكون مهمة سهلة، في ظل انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تم التوصل إليها في يونيو/ حزيران، وهو ما عمّق حالة انعدام الثقة بين الجانبين.
القدس العربي