ثمة اتفاق واسع عابر للاصطفافات الحزبية في “إسرائيل”، على أنها تقف أمام واقع أمني وسياسي واقتصادي جديد، وعلى أن المعركة مع إيران ومحور المقاومة، والتغيرات في “الشرق الأوسط”، والضغوط على الساحة الدولية، والتحديات الداخلية، تطرح أمام صناع القرار أسئلة جديدة بشأن مستقبل “إسرائيل”، وبشأن الشكل الذي ستكون عليه خلال العقد المقبل.
وعلى هذه الخلفية، نظمت مجموعة “يديعوت أحرونوت”، بالتعاون مع معهد دراسات الأمن القومي، مؤتمر الأمن القومي، قبل أيام (27/07/2026) بمشاركة سياسيين، وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية والعسكرية، وباحثين، وخبراء، لبحث الواقع الأمني المتغير في “إسرائيل” وخريطة التهديدات الآخذة في التطور.
وفي صلب المؤتمر، عُرضت للمرة الأولى نتائج مؤشر التهديدات التي تواجهها “إسرائيل” الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي، وهو دراسة واسعة النطاق تجمع بين استطلاع للرأي العام على مستوى “إسرائيل”، إلى جانب دراسة معمقة شارك فيها أكثر من 100 خبير في مجالات الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والمجتمع.
وترسم الدراسة خريطة لتصورات الجمهور وتقديرات الخبراء بشأن أبرز التهديدات التي تواجه “إسرائيل”، وفي مقدمتها إيران، والساحة الفلسطينية، والمكانة الدولية لـ”إسرائيل”، والصمود الوطني، والتحديات الاقتصادية.
منظمو المؤتمر أشاروا إلى أن المؤتمر ينعقد “في توقيت بالغ الدقة، لكن المفارقة والحقيقة أن إسرائيل والإسرائيليين يعيشون هذا التوقيت نفسه منذ ثلاث سنوات. وخلال هذه الفترة، انضم إلى المشهد الأمني المتوتر جولة جديدة متوقعة من تبادل الضربات مع إيران، يُضاف إلى ذلك الجبهة الشمالية (في مواجهة حزب الله) التي يخفي هدوؤها توترًا متصاعدًا، والتقارير عن تعاظم قوة حركة حماس في قطاع غزة، والتوتر المتزايد في الضفة الغربية، وتهديدات اليمن، والدور التركي، ثم ضعوا فوق كل ذلك انتخابات يصفها الجميع بأنها مصيرية. ومن الواضح أن الهدوء لن يكون حاضرًا في منطقتنا في المستقبل القريب”.
تهديدات جديدة.. وأخرى قديمة تغيرت طبيعتها
بدأ المؤتمر أعماله بالإجابة عن السؤال الآتي: “كيف تبدو خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل عام 2026؟”. ولهذه الغاية، عُرضت نتائح ما يُسمى “مؤشر التهديدات” التي تواجهها “إسرائيل”، الذي انطلق من واقع يفيد أنه خلال السنوات الأخيرة واجهت سلسلة غير مسبوقة من الأزمات، بدأت بالصراع الداخلي حول هوية “الدولة”، مرورًا بهجوم مباغت في السابع من أكتوبر، وصولًا إلى ما يقارب ثلاث سنوات من حرب متعددة الجبهات، وما تبعها من اضطرابات إقليمية. وخلال هذه الفترة ظهرت تهديدات جديدة، وتغيرت طبيعة تهديدات قديمة، كما أصبحت العلاقات بينها أكثر تعقيدًا.
وفي محاولة رسم خريطة دقيقة لهذه المنظومة المعقدة من التهديدات، أجرى معهد دراسات الأمن القومي دراسة شاملة شارك فيها نحو ألف إسرائيلي، إضافة إلى نحو 150 خبيرًا وخبيرة، طُلب منهم تقييم 14 سيناريو مختلفًا، ليس فقط من حيث خطورة التهديد، بل أيضًا من حيث احتمال وقوعه، وحجم الضرر الذي قد يسببه.
وطُلب من المشاركين اختيار 4 سيناريوهات من بين 14 سيناريو في المجالات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، لتحديد السيناريوهات التي تُشكل أكبر تهديد لـ”إسرائيل” خلال السنوات الخمس المقبلة. ومن خلال هذه الدراسة، حاول الباحثون الإجابة عن سؤال واحد: كيف تبدو خريطة التهديدات التي تواجه “إسرائيل” عام 2026؟
وفقاً لمنظمي المؤتمر، جاءت الإجابة أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى. فبدلًا من وجود تهديد واحد مهيمن، كشفت الدراسة عن منظومة مترابطة من التهديدات، يغذي بعضها بعضاً ويزيد من حدته.
وتصدرت القائمة 4 تهديدات رئيسية:
اندلاع مواجهات عنيفة بين فئات “المجتمع” الإسرائيلي (39%).
امتلاك إيران للسلاح النووي (39%).
هجوم صاروخي واسع النطاق على الجبهة الداخلية (35%).
تقويض الطابع الديمقراطي للدولة (31%).
اثنان من هذه التهديدات مصدرهما خارج “إسرائيل”، واثنان ينبعان من داخلها، لكن خطورة التهديد ليست سوى جزء من الصورة، ذلك أنه لفهم خريطة التهديدات لا يكفي السؤال عن: ما هو أخطر تهديد؟ بل يجب أيضًا السؤال عن مدى احتمال تحققه؟ وما حجم الثمن الذي ستدفعه “إسرائيل” إذا تحقق؟ الجمع بين هذه المعايير الثلاثة وحده يتيح فهم الصورة الكاملة، كما أشار القيمون على الدراسة.
ويرى معدو الدراسة أنه من بين جميع التهديدات، تبرز ثلاثة أمثلة توضح أن “الأمن القومي” الإسرائيلي لم يعد يعتمد على بعد واحد فقط. فإيران النووية تؤكد أن التهديد العسكري التقليدي لا يزال في صدارة الاهتمام؛ إذ صنف 39% من الجمهور هذا السيناريو ضمن أخطر ثلاثة تهديدات، بينما يرى 43% أنه قد يتحقق، ويعتقد 67% أن الأضرار التي سيلحقها بـ”إسرائيل” ستكون جسيمة، لكن الأمن القومي لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، فاحتمال فقدان الدعم الأميركي يوضح إلى أي مدى تُعد العلاقة مع واشنطن رصيدًا استراتيجيًا من الدرجة الأولى بالنسبة إلى “إسرائيل”.
وخلال أشهر قليلة فقط، تضاعفت نسبة الإسرائيليين الذين يعتقدون بإمكانية تحقق هذا السيناريو، لترتفع من 13% إلى 26%. كما يرى نحو ثلثي الجمهور الإسرائيلي (بحسب العينة) أن الضرر الذي سيلحق بـ”إسرائيل” في حال حدوث ذلك سيكون بالغ الخطورة، غير أن الأمن القومي لا يتوقف عند هذا الحد أيضًا، فالمساس بالطابع “الديمقراطي للدولة”، وفق تعبير معدي الدراسة، يذكّر بأن تماسك “إسرائيل” الداخلي يشكل ركيزة أساسية من ركائز أمنها، فقد صنف نحو ثلث الإسرائيليين هذا السيناريو ضمن أخطر 3 تهديدات، ويرى 68% أن نتائجه ستكون خطيرة، بينما يعتقد 76% أن “الدولة” ليست مستعدة بما يكفي للتعامل معه.
وعند مقارنة ما إذا كان الجمهور الإسرائيلي والخبراء ينظرون إلى الواقع بالطريقة نفسها، تبين أن الجمهور يركز في المقام الأول على التهديدات الأمنية المباشرة، في حين يمنح الخبراء وزنًا أكبر للتهديدات بعيدة المدى التي تمس المجتمع، ونظام الحكم، والمكانة الدولية لـ”إسرائيل”.
خارطة تهديدات تواجه “إسرائيل”
وخلص معدو الدراسة إلى القول: “اعتدنا لسنوات طرح سؤال واحد: ما أكبر تهديد يواجه إسرائيل؟ لكن يبدو أن هذا لم يعد السؤال الصحيح. فالسؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث إذا تحققت عدة تهديدات في الوقت نفسه؟ هذه ليست مجرد قائمة بالتهديدات، بل هي خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل”.
المسؤول الرئيس عن إجراء الدراسة، العميد احتياط يوفال أيالون، وهو باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي، أجمل الوضع بالقول: “صورة التهديدات هذه هي بالفعل صورة معقدة؛ إنها ليست تهديدًا واحدًا، بل هي مجموع التهديدات كلها. وما يقلق الجمهور كثيرًا هو التهديدات الداخلية وفقدان الدعم الدولي لدولة إسرائيل”.
الميادين
مؤشر تهديدات الأمن القومي في “إسرائيل”: الصورة معقدة والتهديد الداخلي أولاً | الميادين