ما هو الوضع الإنساني في قطاع غزة الآن؟ كيف تسير الحياة بين المحاصرين والمجوعين والمهددين؟ ما هي الأخطار المستجدة التي يعيشها السكان هذه الأيام وكيف يتعاملون معها؟ ما معنى تخلي حركة حماس عن إدارتها المدنية للقطاع؟ وهل هذا القرار سيقرب الناس من الحرية أم يزيد من مآسيهم؟ كيف يمكن تسريع الجهود الرامية إلى تحسين الظروف المعيشية لسكان غزة، ولا سيما في مجالي توفير المياه الآمنة وإدارة النفايات الصلبة، باعتبارهما من أكثر الملفات إلحاحاً في ظل استمرار الأزمة الإنسانية؟
إن حجم الاحتياجات الإنسانية في غزة لا يوصف، لا كما ولا نوعا، ولا يسمح بانتظار إحراز تقدم في المسارات السياسية أو الأمنية، وأن الاستجابة الإنسانية يجب أن تستمر بصورة عاجلة بالتوازي مع أي جهود دبلوماسية، نظراً للظروف الصعبة التي يواجهها السكان المدنيون.
سكان القطاع الآن الذين يتجاوزون المليونين محشورون في شريط ضيق لا يزيد عن 30 في المئة من مساحة القطاع الأصلية، أي نحو 110 كليومترات مربعة، فيكون معدل الاكتظاظ نحو 19 ألف شخص للكيلومتر المربع الواحد. ولك أن تتخيل حجم المعاناة الإنسانية اليومية لهذا الحشد من الناس الذين يستظلون بخيم أو بيوت قصديرية أو مبان مهدمة دون مياه نظيفة أو وسائل صرف صحي، بلا كهرباء في معظم الحالات. وتخيل أيضا معاناة النساء في تسيير أمور حياتهن اليومية واحتياجاتهن البيولوجية والعناية بأطفالهن أو من تبقى منهم أو بآبائهن إن كانوا على قيد الحياة. وتخيل أيضا معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة وذوي الأمراض المزمنة والجرحى والمصابين بجروح بليغة. لننظر في مرآة غزة المهشمة قليلا لنطلع على الذين يموتون لأسباب غير مباشرة لحرب تجاوزت الألف يوم.
التحديات الكبرى بعيدا عن الإعلام
دعني أتوقف عند مجموعة من ضحايا الحرب المهمشين ورزمة المخاطر التي لا تلتقطها وسائل الإعلام المهتمة بعدد الشهداء والجرحى، وكميات المواد الغذائية التي تدخل القطاع وعدد المعابر المغلقة والمخابز المفتوحة وكميات الدواء التي وصلت للقطاع وتقارير منسق مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، المعين من قبل نتنياهو لاستكمال أهداف الحرب التي عجز عن تحقيقها في الميدان فأوكل له ولتوني بلير تلك المهمة.
• من أكثر الفئات معاناة هم ذوو الاحتياجات الخاصة الذين فقدوا بيوتهم ووسائل عيشهم وعددا من أهاليهم. تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو ثلاثة وأربعين ألفا من المصابين في غزة تعرضوا لإصابات مغيرة للحياة منذ أكتوبر 2023، وأن أكثر من خمسين ألف إصابة مرتبطة بالحرب تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد. تشمل هذه الإصابات بتر أطراف، وإصابات في العمود الفقري، وحروقا شديدة، وإصابات دماغية وكسورا معقدة. وتقول المنظمة إن مرافق التأهيل في غزة لا تعمل بكامل طاقتها، وإن المعدات والأجهزة المساعدة لا تدخل بما يكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
• الأمراض المعدية منتشرة بشكل غير مسبوق. وتنتشر أسبوعيا بشكل واسع. قدّم الشركاء العاملون في القطاع الصحي أكثر من 243000 استشارة طبية عبر أكثر من 200 نقطة خدمات في غزة خلال أسبوع واحد. وتظل الأمراض التنفسية الحادة وأمراض الجلد أكثر الحالات المُبلغ عنها شيوعًا، بينما تستمر الأمراض المنتقلة عن طريق المياه في الارتفاع، خاصة في خان يونس. كما تم تسجيل أكثر من 18000 حالة جديدة من جدري الماء، والطفيليات الخارجية، والجدري القيحي – وهو عدوى بكتيرية بالجلد.
• ما زال عدد من الغزيين يسقطون كل يوم نتيجة الذخائر غير المنفجرة. وهناك جهود أممية تعمل بشكل متواصل لتقييم المخاطر الواسعة نتيجة انتشار هذه الذخائر والحد منها. إن هذه المخلفات لا تزال تمثل أحد أبرز المخاطر التي تهدد حياة المدنيين وتعيق عمليات الإغاثة وإعادة تأهيل المناطق المتضررة. فلا يكاد يمضي يوم واحد دون وقاع إصابات بين قتيل وجريح بسبب هذه المواد المنتشرة في الطرق والمباني المهدمة.
• النفايات الصلبة تشكل إحدى العوامل الخطيرة التي تعيق الحياة في غزة لكثرتها وانتشارها بشكل عشوائي وتنكد حياة الغزيين بطريقة لا يحس بها إلا هم. لقد فقدت الطواقم البلدية إمكانية الوصول إلى مكبي النفايات الرئيسيين الواقعين قرب المنطقة الشرقية من قطاع غزة. وهناك مشروع ينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مكّن، منذ شهر نيسان/أبريل 2026، من نقل نحو 300 ألف طن متري من النفايات الصلبة من الموقع المؤقت في سوق فراس إلى موقع آخر يقع بعيداً عن المناطق التي يلجأ إليها المدنيون والنازحون. هذه الجهود تهدف إلى الحد من المخاطر البيئية والصحية التي يسببها تراكم النفايات داخل المناطق السكنية ومراكز الإيواء، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أن الوصول إلى مكبات النفايات الصحية الواقعة شرق ما يعرف بـ«الخط الأصفر» لا يزال محظوراً، الأمر الذي يحد من قدرة الجهات الإنسانية والبلديات على تنفيذ حلول مستدامة لإدارة النفايات.
• انتشار القوارض والطفيليات خرج عن السيطرة، وهي مشكلة قالت الأمم المتحدة إنها تتابعها بصورة مستمرة نظراً لما تشكله من مخاطر صحية متزايدة على السكان في ظل الظروف الحالية. وانتشرت القوارض بشكل غير مسبوق في المناطق القريبة من النفايات والمياه العادمة، ما أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية بشكل غير مسبوق. وتمكنت الطواقم الطبية الدولية من معالجة أكثر هذه الحالات في 2000 موقع منذ منتصف أيار/مايو، غير أن الأمراض الجلدية والعدوى الطفيلية الخارجية لا تزال في ارتفاع. وتربط المنظمات الأممية ذلك بمحدودية الوصول إلى المياه الآمنة والصرف الصحي والعلاج، وباستمرار القيود على الوصول إلى مكبات النفايات، ما يؤدي إلى تراكم المخلفات داخل المناطق المأهولة.
• ملف الإجلاء الطبي للمرضى من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أو إلى الخارج لا يزال مغلقاً، وهو ما يعرقل توسيع عمليات الإجلاء الطبي للمرضى الذين يحتاجون إلى خدمات علاجية غير متوفرة داخل القطاع. وأكدت منظمة الصحة العالمية أن نحو 2100 مريض تمكنوا من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، إلا أن آلاف المرضى الآخرين ما زالوا بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة لا تتوفر حالياً داخل قطاع غزة، وهو ما يجعل توسيع عمليات الإجلاء الطبي أولوية إنسانية ملحة بالنسبة للأمم المتحدة وشركائها. كما أن العديد من المرضى يقضون قبل الموافقة على إخراجهم من القطاع للعلاج.
• في غزة يوجد 11000 مصاب بداء السرطان، يتوفى منهم ثلاثة يوميا بسبب نفص العلاج أو غياب الأجهزة المتخصصة أو الأطباء المشرفين على العلاج. كثير منهم مدرجون على قوائم الإجلاء الطبي والتي تتعرض لتعطيل متعمد من قبل السلطات الإسرائيلية ما يسرع من موت العديد من ذوي الحالات المستعصية.
• كل الناس في غزة بحاجة إلى استشارات نفسية وخاصة الأطفال، حيث يحتاج أكثر من مليون طفل في غزة إلى الدعمين النفسي والاجتماعي، فيما يشعر 96 في المئة منهم بأن الموت وشيك. وفي خضم هذه المعاناة، تتزايد المخاطر التي تواجه الفتيات، مع عودة ظاهرة تزويج القاصرات وارتفاع معدلات الحمل المبكر، في ظل انهيار الخدمات الأساسية وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وقد أفاد شركاء الأمم المتحدة الذين يديرون خطا ساخنا مجانيا، بزيادة جلسات الاستشارات النفسية عن بُعد بنسبة 14 في المئة بين شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، لتصل إلى أكثر من 9600 جلسة. وارتفعت حالات التفكير في الانتحار بنسبة 90 في المئة. كما سُجلت زيادة بنسبة 46 في المئة في الاستشارات المتعلقة بالعنف الجسدي القائم على النوع الاجتماعي، وزيادة بنسبة 34 في المئة في الاستشارات المتعلقة بالقلق والخوف.
أفضل من وصف أوضاع غزة توم فليتشر، منسق الشؤون الإنسانية وإغاثة الطوارئ، بعد زيارة ميدانية، حيث قال مخاطبا مجلس الأمن الدولي: «غزة لا تزال أخطر مكان في العالم لإيصال المساعدات الإنسانية، حيث قُتل ما يقرب من 600 عامل إغاثة خلال ما يقارب ثلاث سنوات. وأن 70 في المئة من السكان يحتاجون إلى مأوى مناسب، وأنه لا يوجد مستشفى يعمل بكامل طاقته، بينما يواجه 1.1 مليون طفل حالة من عدم اليقين بشأن المياه، مع تدهور مستمر في أوضاع الصرف الصحي وارتفاع حالات عضّ من الفئران والقوارض الأخرى». وقال: «لا يكفي إسكات الأسلحة، بل يجب استعادة الكرامة».
ومع كل هذه المعاناة التي تواجه في ساعات ودقائق وثواني كل أهالي غزة، إلا أن 41 ألف طالب وطالبة من أبناء قطاع غزة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، معتبرين أن استمرار العملية التعليمية، رغم الظروف الاستثنائية، يمثل مؤشراً مهماً على صمود المجتمع الفلسطيني وفشل مخططات الإبادة والتهجير والاقتلاع الدائم. فهل هناك شعب أكثر صلابة وصمودا من هؤلاء؟
القدس العربي