You are currently viewing حين يسقط الإسمنت الفاسد: البنى التحتية في العراق بين النهب المنظم والانهيار المتكرر

حين يسقط الإسمنت الفاسد: البنى التحتية في العراق بين النهب المنظم والانهيار المتكرر

في أبريل 2026، انتشرت صور صادمة لملتقى نهري دجلة وديالى جنوب شرقي بغداد — نهر أسود كالحبر وآخر طيني كالوحل.

وأكدت أمانة بغداد أن اللون الأسود يعود إلى تسرب مياه الصرف الصحي من مجاري الرستمية إلى مجرى نهر ديالى، فيما وثّقت العدسات نفوق أطنان من الأسماك في مشاريع عائمة امتدت من الصويرة حتى شمالي الكوت، نتيجة التلوث المتدفق من النهرين. لم تكن الحادثة عارضة ولا مفاجأة؛ كانت حصيلة طبيعية لمنظومة فساد راسخة، تقضم البنى التحتية العراقية قضمة قضمة، حتى باتت المدن تطفح بالمجاري وتعطش في الوقت ذاته.

وتعاني مناطق سكنية عديدة في العراق، بما فيها بغداد، من غياب شبكات الصرف الصحي النظامية، ما يضطر السكان إلى اللجوء لحلول بدائية كحفر خزانات منزلية تُفرَّغ دورياً، مضيفةً أعباءً مالية وصحية ثقيلة. ويحذر متخصصون من مخاطر صحية جسيمة مرتبطة بهذه الخزانات، كتلوث المياه الجوفية وانتشار الأمراض، في ظل غياب الرقابة على سيارات التفريغ التي تزيد التلوث البيئي.

في حي جنوبي بغداد أُنشئ حديثاً — يُفترض أن يكون نموذجاً للتطوير — يروي أحد السكان معاناته: لا شبكة موجودة ولا خطة زمنية، والوعود الانتخابية تتكرر كالطقوس الفارغة منذ سنوات. ويلفت ناشطون بيئيون إلى أن بعض سيارات الصهاريج تفرّغ حمولتها في أراضٍ مفتوحة أو مجارٍ قريبة دون أي محاسبة، في انتهاك صريح للمعايير البيئية.

هذه المشهدية ليست استثناءً، بل هي القاعدة في مدن يُعاد تدشين مشاريع البنى التحتية فيها من دون إتمامها، أو تُستلم وهي ناقصة، أو تنهار في أثناء الاستخدام الأول.

وأكد وزير الإعمار والإسكان العراقي أن البلاد بحاجة إلى أكثر من 30 مليار دولار لسد الفجوة في مشاريع المياه والصرف الصحي وحدها، و15 مليار دولار إضافية لتطوير شبكة الطرق. غير أنه رغم تخصيص 4 تريليونات دينار لمشاريع عام 2024، لم يُصرف فعلياً سوى 1.6 تريليون.

والفجوة بين المخصص والمنفق ليست قصوراً تقنياً، بل هي نافذة مفتوحة على عالم العقود المتلاعب بها. تشير التقديرات الرقابية والبحثية إلى أن العراق خسر ما يزيد على 600 مليار دولار خلال عقدين بسبب الفساد الإداري والمالي، وإذا ما اعتُمد المعدل السنوي نفسه البالغ نحو 35 مليار دولار، فإن إجمالي الخسائر المتراكمة قد يتجاوز اليوم 775 مليار دولار، أي ما يعادل خمس موازنات كاملة وفق أرقام 2024.

تذهب تقديرات اقتصادية مستقلة إلى أن هذا الرقم كان يكفي لبناء 10 آلاف مدرسة حديثة، و1000 مستشفى، و5000 مجمع سكني متكامل، وإنشاء منظومة كهرباء وطنية مكتفية ذاتياً، فضلاً عن شبكات مياه وصرف صحي تغطي جميع المحافظات — بيد أنها اختفت في دوامة العقود الوهمية والصفقات الرديئة والمحاصصة السياسية.

وكشف النائب مضر الكروي أن الفساد وضعف الرقابة الفنية ما زالا يشكلان التحدي الأكبر أمام تنفيذ مشاريع خدمية رصينة ومستدامة، مشدداً على أهمية عدم منح المشاريع لشركات حديثة أو مدعومة من جهات متنفذة على حساب الشركات ذات الخبرة والرصيد المهني.

وتُمنح العقود لشركات وليدة مدعومة بنفوذ سياسي لا بخبرة هندسية، وكثيراً ما تُحال إلى مقاولين من الباطن يتنازلون عن نسبة للوسيط ويبدأون بمواد دون المواصفات.

والمشكلة الاخرى في “حلقة الاستلام”، حيث تُسلَّم المشاريع ناقصة أو معيبة بسبب تراخي لجان الفحص أو تواطؤها. والثالثة هي “حلقة الصمت”، حيث لا تمثل الحوادث المكشوفة سوى قمة جبل الجليد، بينما يبقى الجزء الأكبر مطمور تحت غطاء من الإفلات من المحاسبة.

وعجزت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد 2003 عن بناء رؤية اقتصادية وطنية قادرة على استثمار الموارد المالية في مشاريع التنمية والإعمار، إذ جرى توجيه القسم الأكبر من الإيرادات نحو النفقات التشغيلية والاستهلاكية، في حين تعرضت مبالغ ضخمة للهدر والفساد والتهريب.

والمفارقة المرّة أن العراق يمتلك من الثروة النفطية ما يكفي لإعادة بناء بنيته التحتية من الصفر، بل وبناء دولة مكتملة المؤسسات. غير أن المنظومة الفاسدة أثبتت قدرة استثنائية على الاستمرار والتجدد، متجاوزةً كل الحكومات والخطط الإصلاحية. في كل مرة تنهار فيها شبكة مجارٍ أو تغرق فيها شارع أو يُسمَّم فيها نهر، يسقط معها جزء آخر من عقد ضمني بين الدولة والمواطن — عقد لم يُكتب يوماً بصورة واضحة، لكن انهياره يُشعَر به في كل بيت يطفح بالمجاري وفي كل سمكة نافقة تطفو على السطح.

المسلة

https://almasalah.com/archives/137623

شارك المقالة