كانت تصريحات نائب الرئيس الأمريكيّ، جي.دي. فانس، التي أشار فيها إلى عدم شعبية إسرائيل عالميًا، هي الأكثر إثارةً للدهشة، إذْ قال في مؤتمرٍ صحافيٍّ: “ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم بأسره الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة بالذات، ولو كنتُ في حكومة إسرائيل، لما هاجمتُ الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع.”
ثم عاد فانس مرارًا وتكرارًا إلى فكرة أنّه على إسرائيل أنْ تتوخى الحذر، مؤكِّدًا مدى اعتماد إسرائيل على الأسلحة الأمريكيّة، وإلى ضرورة أنْ “يُدرك بعض القادة الإسرائيليين حقيقة الوضع الذي تعيشه بلادهم”.
كما حثّ فانس إسرائيل على الاعتراف بأنّ الولايات المتحدة كانت “شريكًا لا يُستهان به”، وأشار إلى كيف حمت منظومات الصواريخ الأمريكيّة الإسرائيليين، وقال إنّ “ثلثي الأسلحة الإسرائيليّة ممولة من دافعي الضرائب الأمريكيين، وأنتم دولةً يبلغ تعداد سكانها 9 ملايين نسمة ولا يُمكنكم حلّ جميع مشاكل الأمن القوميّ بالقوّة العسكريّة.”
وتنبع أهمية هذه التصريحات من كونها صادرةً عن نائب الرئيس الجمهوريّ، الذي يعرف أنّ أقواله ستجِد آذانًا صاغيةً في الولايات المُتحدّة، وسترفع أوتوماتيكيًا عدد المعارضين لمواصلة الدعم الأمريكيّ لدولة الاحتلال، وبالتالي فإنّ هذه التصريحات نزلت كالصاعقة على صُنّاع القرار في تل أبيب، الذين يعرفون أنّهم ليسوا قادرين على شنّ حربٍ دون دعم واشنطن، ولو ليومٍ واحدٍ.
في غضون ذلك، تُعزز إسرائيل جهودها لتعزيز نفوذها في الولايات المتحدة في محاولةٍ لوقف تراجع شعبيتها بين اليمين المحافظ، وبحسب تحقيقٍ لصحيفة (هآرتس) العبريّة فإنّ حكومة الاحتلال ستدفع أكثر من 40 مليون دولار لحملة تأثيرٍ تستهدف الجمهور الجمهوريّ المسيحيّ، أيْ ثلاثة أضعاف الميزانية الأصلية المخصصة لها.
وتابعت الصحيفة: “انطلقت الحملة أواخر العام الماضي، وهي الآن تتوسّع وتُركِّز رسائلها على محاولة تبرير الحرب على إيران. كما تُظهر وثائق مُقدمة إلى وزارة العدل الأمريكيّة أنّ الحكومة الإسرائيليّة أبرمت عقدًا جديدًا مع شركة إنتاجٍ في نيويورك لإنتاج حملة (سردٍ قصصيٍّ رقميٍّ) مؤيدةٍ لإسرائيل بتكلفة تقارب مليون دولار”.
وأوضحت الصحيفة: “يأتي هذا في ظلّ تراجع الدعم لإسرائيل منذ حرب غزة، حتى بين الجمهور الذي يُعتبر تقليديًا متعاطفًا معها. وتمّ توقيع العقد الرئيسيّ، الذي تبلغ قيمته ستة ملايين دولار، مع شركة علاقاتٍ عامّةٍ يملكها براد بارسكيل، الذي أدار الحملة الانتخابية الرقميّة لدونالد ترامب في عامي 2016 و2020”.
كما كشفت الصحيفة عن بعض المنتجات التي تقدمها شركة بارسكيل، والتي تتمحور حول شبكةٍ من مواقع إلكترونيّةٍ دعائيّةٍ ذات محتوىً مؤيّدٍ لإسرائيل ومعادٍ للفلسطينيين، مصممةً بطريقةٍ يُفترض أنّها محايدة وموضوعيّة.
وأكّدت أنّ “الهدف الرئيسيّ لهذه المواقع هو التأثير على نتائج محركات البحث والمحادثات القائمة على الذكاء الاصطناعيّ، ومنذ ذلك الحين، تدهورت مكانة إسرائيل لدى اليمين الأمريكيّ بشكلٍ أكبر”.
وبحسب الصحيفة فإنّ “استطلاعات الرأي التي أُجريت في آذار (مارس) الماضي، في خضم الحرب مع إيران، تُظهر أنّ هذا التوجه قويٌّ بشكلٍ خاصٍّ بين الجمهوريين الشباب”.
ووفقًا لاستطلاع أجراه مركز (بيو) للأبحاث، فإن حوالي 41 بالمائة من الجمهوريين و57 بالمائة من الجمهوريين الشباب (أقل من 50 عامًا) لديهم رأيٌ سلبيٌّ تجاه إسرائيل، وبشكلٍ عامٍّ، يحمل نحو 60 بالمائة من الأمريكيين رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل. كما يتراجع مستوى ثقة الأمريكيين برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: إذ لا يثق نحو 60 بالمائة من الجمهور الأمريكيّ بقرارات نتنياهو على الساحة الدوليّة.
كما أوضح التقرير أنّ “وثائق قدّمتها شركة بارسكيل مؤخرًا، تشير إلى تحديث وتوسيع اتفاقيتها مع الحكومة الإسرائيليّة، بحيث ستدفع الدولة الآن 4.5 مليون دولار شهريًا للحملة، بدلًا من 1.5 مليون دولار، وإجمالي 40.5 مليون دولار للإعلانات الرقميّة على مدار عامٍ”.
وأردف التقرير: “خلال العدوان الإسرائيليّ ضدّ غزة، انصبّ اهتمام مواقع الحملة الإلكترونيّة بشكلٍ رئيسيٍّ على ترسيخ سرديةٍ معاديةٍ للفلسطينيين، بينما التركيز تحوّل الآن إلى محاولة تبرير الحرب على إيران. ويبدو أنّ هذا ردّ فعلٍ على تزايد الاتهامات في الولايات المتحدة، بما في ذلك من اليمين الأمريكيّ، بأنّ نتنياهو وإسرائيل جرّا ترامب إلى حربٍ غيرُ مبررةٍ”.
بالإضافة إلى ذلك، يُواصِل الموقع الإلكتروني الجديد، (الحقيقة حول إيران) بالأنجليزيّة، نهج المواقع السابقة، ويدّعي تزويد القراء بالحقائق، ويقوم الموقع بتصوير إيران كتهديدٍ مباشرٍ للولايات المتحدة، ويبدو أنّه أُنشئ لمحاولة تبرير الحرب الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة أنّ “هذا يأتي في وقتٍ تُظهر فيه استطلاعات الرأي أنّ أغلبيةً واضحةً من الأمريكيين يعتقدون أنّ بلادهم ما كان ينبغي لها المشاركة في العدوان الأخير ضدّ إيران”.
وتقول الصفحة الرئيسية للموقع: “بعد حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) 2025، سرّعت إيران برنامجها النوويّ، ونقلت منشآتها إلى أعماق الأرض، واستخدمت المفاوضات لكسب الوقت”، على الرغم من أنّ عملية النقل إلى أعماق الأرض حدثت قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، وفق المصادر التي اعتمدت عليها الصحيفة العبريّة.
وإلى جانب محاولة التأثير على محركات الذكاء الاصطناعي، تُظهر الوثائق الجديدة أنّ إسرائيل تستثمر أيضًا في الإعلانات التقليدية على شكل إعلاناتٍ ولافتاتٍ، وإحدى هذه اللافتات تُظهر ترامب ونتنياهو جنبًا إلى جنب مع عبارة فوقهما: “إسرائيل والولايات المتحدة تريدان السلام”.
وبناءً على ما ذُكِرَ هل نحن أمام تغييراتٍ جوهريّةٍ في الرأي العام الأمريكيّ ضدّ إسرائيل، أوْ بصيغةٍ أخرى: هل بدأت الانتفاضة الأمريكيّة ضدّ دولة الاحتلال لأنّ المواطن بدأ يشعر أنّ الضرائب التي يدفعها تُستغِّل من قبل الإدارة في واشنطن لدعم حروب إسرائيل؟
رأي اليوم