تناقش دراسة الباحث الحواس تقية، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان “أمريكا أولًا: صدع بنيوي في الاستثناء الإسرائيلي”، التحولات المتسارعة التي طرأت على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وتذهب إلى أن ما يجري لا يمثل خلافات عابرة أو توترات سياسية مؤقتة، بل يعكس تحولات بنيوية عميقة داخل المجتمع الأمريكي من جهة، وداخل المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى. وترى الدراسة أن هذه التحولات بدأت تنعكس على الخطاب السياسي الأمريكي، وعلى مواقف الرأي العام، وعلى أداء المؤسسات السياسية والحزبية، بما يهدد ما تصفه الدراسة بـ”الاستثناء الإسرائيلي” الذي حكم العلاقة بين البلدين لعقود طويلة.
مؤشرات التباعد
تبدأ الدراسة برصد سلسلة من المؤشرات السياسية التي تكشف اتساع مسافة التباعد بين واشنطن وتل أبيب.
ومن أبرز هذه المؤشرات تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس التي وجه فيها انتقادات مباشرة للمسؤولين الإسرائيليين بعد مهاجمتهم الرئيس دونالد ترمب بسبب توقيعه مذكرة تفاهم مع إيران. وقد ذكَّر فانس المسؤولين الإسرائيليين بأن ترمب هو أكثر الرؤساء الأمريكيين تعاطفًا مع إسرائيل، وأن جزءًا كبيرًا من القوة العسكرية التي حمت إسرائيل خلال الحرب مصدره الولايات المتحدة.
وتعتبر الدراسة أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في مضمونها فقط، بل في صدورها عن نائب رئيس الولايات المتحدة، وفي تأكيدها أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متطابقة دائمًا.
كما شدد فانس على أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية لا يعني العداء لليهود، وهو ما تراه الدراسة تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي الأمريكي الرسمي؛ إذ يمنح شرعية أكبر لانتقاد السياسات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول لم يقتصر على الإدارة الأمريكية، بل امتد إلى الكونغرس أيضًا، حيث وافقت أغلبية المصوتين في يونيو/حزيران 2026 على إنهاء الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من انضمام أربعة نواب جمهوريين إلى التصويت، وهو ما تفسره الدراسة باعتباره مؤشرًا على بداية تمرد داخل الحزب الجمهوري نفسه، نتيجة إدراك بعض النواب أن قواعدهم الانتخابية باتت تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها حربًا تخدم إسرائيل أكثر مما تخدم الولايات المتحدة.
تراجع نفوذ إيباك
تخصص الدراسة مساحة مهمة لتحليل وضع منظمة إيباك، التي تعد أهم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. وترى أن السنوات الأخيرة أظهرت مؤشرات واضحة على تراجع فاعلية المنظمة مقارنة بما كان عليه الحال في العقود السابقة.
وتستعرض الدراسة حالات انتخابية خسر فيها مرشحون دعمتهم إيباك بملايين الدولارات، بينما فاز منافسوهم رغم الحملة المالية والإعلامية الكبيرة التي وُجهت ضدهم. وتكشف هذه النتائج، وفق الدراسة، أن المال السياسي لم يعد قادرًا دائمًا على حسم المعارك الانتخابية كما كان يحدث في السابق، وأن الناخب الأمريكي أصبح أكثر استعدادًا للتصويت ضد المرشحين المدعومين من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
وتدعم الدراسة هذا الاستنتاج بنتائج استطلاعات رأي أظهرت تراجع الصورة الإيجابية للمنظمة بين الأمريكيين. فقد أصبحت نسبة الذين ينظرون إلى إيباك نظرة سلبية أعلى من نسبة الذين يحملون تجاهها انطباعًا إيجابيًا، وهو ما يعكس تحولات أوسع في المزاج العام الأمريكي تجاه المؤسسات المرتبطة بالدفاع عن السياسات الإسرائيلية.
تحولات الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل
ترى الدراسة أن التغير الأكثر أهمية يتمثل في التحول التدريجي الذي أصاب نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل نفسها. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي استعرضتها الدراسة أن غالبية الأمريكيين باتوا يحملون انطباعات غير إيجابية عن إسرائيل، في تطور غير مسبوق مقارنة بما كان سائدًا لعقود طويلة.
كما تشير الدراسة إلى تغير موازٍ في خريطة التعاطف داخل المجتمع الأمريكي. فبعد أن كان التعاطف مع الإسرائيليين يتفوق بوضوح على التعاطف مع الفلسطينيين، بدأت الكفة تميل تدريجيًا لصالح الفلسطينيين، خاصة داخل القاعدة الديمقراطية وبين الشباب والناخبين التقدميين والعرب والمسلمين الأمريكيين. وترى الدراسة أن هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في الحسابات الانتخابية للمرشحين والأحزاب.
وتلفت الدراسة الانتباه إلى أهمية العامل العمري في تفسير هذه التحولات؛ إذ إن الفئات الأقل من خمسين عامًا تبدي مستويات مرتفعة من النظرة السلبية تجاه إسرائيل. وتعتبر الدراسة أن هذا المؤشر بالغ الأهمية لأن هذه الفئات تمثل القيادات السياسية والإدارية المستقبلية، وبالتالي فإن مواقفها الحالية قد تتحول مستقبلاً إلى سياسات ومواقف رسمية داخل مؤسسات الدولة الأمريكية.
تحولات بنيوية صعود تيار “أمريكا أولًا”
ترى دراسة الحواس تقية، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، أن العامل الأكثر تأثيرًا في هذه التحولات هو صعود تيار “أمريكا أولًا”. فهذا التيار لا ينطلق من الموقف من إسرائيل وحدها، بل من إعادة تعريف أولويات السياسة الأمريكية بصورة عامة.
ويقوم هذا الاتجاه على إعطاء الأولوية للمشكلات الداخلية الأمريكية، مثل الاقتصاد والهجرة وفرص العمل ومستوى المعيشة، بدل الانخراط في النزاعات الخارجية المكلفة. وقد نجح دونالد ترمب في استثمار هذه النزعة الشعبية خلال حملتيه الانتخابيتين، محولًا إياها إلى قاعدة سياسية واسعة امتدت داخل الحزب الجمهوري وخارجه.
وتوضح الدراسة أن مؤيدي هذا التيار ينظرون إلى الحروب الخارجية والالتزامات الأمنية الدولية باعتبارها أعباء تستنزف الموارد الأمريكية دون أن تحقق مكاسب ملموسة للمواطن الأمريكي. ولذلك أصبح تقليص التدخلات الخارجية جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي السائد لدى قطاعات واسعة من الناخبين.
الأزمة الاقتصادية والديون
تربط الدراسة بين صعود هذا المزاج الانعزالي وبين المشكلات الاقتصادية المتراكمة داخل الولايات المتحدة. فانتقال قطاعات صناعية واسعة إلى آسيا، واتساع العجز التجاري، وارتفاع حجم الدين العام، كلها عوامل ساهمت في توليد شعور متزايد بأن الولايات المتحدة تدفع أثمانًا باهظة لالتزاماتها الخارجية.
وتشير الدراسة إلى أن خدمة الدين الفيدرالي تقترب من تريليون دولار سنويًا، بينما تتزايد ديون الأسر الأمريكية بصورة مستمرة. وفي ظل هذه الظروف، يتنامى الاعتقاد بأن الأموال التي تنفق على الحروب والتحالفات الخارجية كان يمكن توجيهها لتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية داخل الولايات المتحدة.
وتعتبر الدراسة أن هذه الظروف الاقتصادية تمنح خطاب “أمريكا أولًا” قوة إضافية، لأنها تربط بين السياسة الخارجية ومستوى معيشة المواطن الأمريكي بصورة مباشرة. ولذلك أصبح من السهل على السياسيين توظيف هذا الخطاب في مواجهة أي مطالب بزيادة الدعم العسكري أو المالي للحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل.
المزاج الإسرائيلي المؤيد لاستمرار الصراع
تنتقل دراسة الباحث الحواس تقية، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، إلى الجانب الإسرائيلي لفهم ما إذا كانت التحولات الجارية داخل إسرائيل تسير في الاتجاه نفسه الذي تشهده الولايات المتحدة أم في اتجاه معاكس. وتخلص الدراسة إلى أن المشهد الإسرائيلي يتحرك في مسار مختلف تمامًا، بل ومتعارض مع التحولات الأمريكية.
وتشير الدراسة إلى أن قطاعات واسعة من الإسرائيليين لا تنظر إلى إنهاء الحروب بوصفه خيارًا مرغوبًا أو متوافقًا مع المصالح الأمنية للدولة. وتستند في ذلك إلى استطلاعات رأي أظهرت تأييدًا ملحوظًا لاستمرار المواجهة مع إيران ولبنان، ورفضًا لإنهاء العمليات العسكرية وفق الشروط المطروحة. وتعتبر الدراسة أن هذا المزاج العام لا يعبر عن موقف ظرفي فرضته حرب معينة، بل يعكس رؤية أوسع للأمن الإسرائيلي تقوم على الاعتماد المستمر على القوة العسكرية.
وترى الدراسة أن هذه النتيجة تكشف مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تتزايد فيه الأصوات الأمريكية المطالبة بالابتعاد عن الحروب الخارجية، تتنامى داخل إسرائيل نزعة ترى أن الأمن والاستقرار يتحققان عبر استمرار العمليات العسكرية والاحتفاظ بالتفوق العسكري والتوسع الجغرافي.
تراجع فرص التسوية السياسية
تخصص الدراسة مساحة واسعة لتحليل التحولات السياسية داخل إسرائيل، معتبرة أن واحدة من أهم الظواهر البنيوية تتمثل في تراجع فرص الحلول السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتوضح أن الكنيست الإسرائيلي أقر مواقف وتشريعات تعكس رفضًا متزايدًا لفكرة الدولة الفلسطينية، كما عزز من خلال “قانون الدولة القومية” الطابع اليهودي للدولة بصورة أكثر وضوحًا. وترى الدراسة أن هذه التطورات لا تمثل مجرد قرارات سياسية عابرة، بل تعكس تحولًا في البنية الفكرية والسياسية للدولة الإسرائيلية نفسها.
وبحسب الدراسة، فإن تضييق المجال أمام التسويات السياسية يعني عمليًا الإبقاء على الصراع مفتوحًا، ودفع مختلف الأطراف نحو مسارات أكثر تصادمية. ومن ثم فإن احتمالات الاستقرار تتراجع مقابل تصاعد احتمالات اللجوء إلى القوة العسكرية وسيلة رئيسية لإدارة الصراع.
صعود التيارات الدينية والقومية
ترى الدراسة أن العامل البنيوي الأكثر أهمية داخل إسرائيل يتمثل في التحولات الديمغرافية والاجتماعية التي تصب في مصلحة التيارات الدينية والقومية المتشددة.
وتوضح أن الحريديم والقوميين المتدينين أصبحوا يشكلون كتلة سكانية وسياسية متنامية، وأن تأثيرهم لم يعد مقتصرًا على المجال الديني أو الاجتماعي، بل أصبح يمتد إلى صنع القرار السياسي وتحديد أولويات الدولة. كما أن هذه التيارات تتبنى رؤية أيديولوجية تعتبر كامل الأرض الفلسطينية جزءًا من الحق التاريخي أو التوراتي لليهود، وهو ما يجعلها أكثر تشددًا في قضايا التسوية والانسحاب والتفاوض.
وتبرز الدراسة أن أهمية هذه القوى لا ترتبط بعددها فقط، وإنما بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي الذي يمنح الأحزاب الصغيرة قدرة كبيرة على التأثير في تشكيل الحكومات. ولذلك أصبح بإمكان الأحزاب الدينية والقومية أن تفرض شروطها على رؤساء الحكومات مقابل توفير الأغلبية البرلمانية اللازمة للاستمرار في الحكم.
وتستشهد الدراسة بحالة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش اللذين نجحا في الحصول على مواقع مؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية مقابل دعمهما لاستمرار ائتلاف بنيامين نتنياهو. وترى أن هذه الظاهرة تعكس حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به التيارات الأكثر تشددًا داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
العامل الديمغرافي ومستقبل إسرائيل
لا تكتفي الدراسة بتحليل الواقع الراهن، بل تمتد إلى استشراف المستقبل من خلال قراءة الاتجاهات الديمغرافية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتشير إلى أن الفئات الدينية المتشددة هي الأسرع نموًا من بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يعني أن وزنها النسبي مرشح للارتفاع خلال العقود المقبلة. ومع ازدياد أعداد هذه الفئات، سيزداد تأثيرها الانتخابي والسياسي، وستصبح أكثر قدرة على فرض رؤيتها على السياسات العامة للدولة.
وترى الدراسة أن هذا التحول الديمغرافي يحمل دلالات بعيدة المدى، لأن صعود هذه الفئات يعني ترسيخ توجهات أكثر تمسكًا بالمشروعات التوسعية وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات سياسية. وبالتالي فإن السياسات الإسرائيلية المستقبلية قد تصبح أكثر تشددًا مما هي عليه اليوم.
الشرخ المتسع اتجاهان متعاكسان
تصل دراسة الحواس تقية إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تشهدان تحولات بنيوية تسير في اتجاهين مختلفين. ففي الولايات المتحدة تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى رفض الإنفاق على الالتزامات الخارجية والمطالبة بإعطاء الأولوية للشأن الداخلي.
أما في إسرائيل، فإن التطورات السياسية والديمغرافية تسير نحو تعزيز نفوذ القوى الدينية والقومية التي ترى في استمرار الصراع والحفاظ على السيطرة والتوسع جزءًا من مشروعها السياسي والأيديولوجي. ومن ثم فإن أحد الطرفين يتجه نحو تقليص الانخراط الخارجي، بينما يتجه الطرف الآخر نحو تعميق اعتماده على القوة العسكرية وعلى الدعم الخارجي، وخاصة الأمريكي.
توضح الدراسة أن هذا التناقض يضع إسرائيل أمام معضلة متزايدة التعقيد. فمن جهة، تحتاج السياسات الإسرائيلية القائمة على التفوق العسكري والاستمرار في الصراعات الإقليمية إلى دعم أمريكي سياسي وعسكري ومالي متواصل. ومن جهة أخرى، تتراجع داخل الولايات المتحدة القاعدة الشعبية والسياسية المستعدة لتبرير هذا الدعم غير المشروط.
وترى الدراسة أن القوى المدافعة عن العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب ستجد نفسها أمام مهمة أصعب مما كانت عليه في العقود السابقة، لأنها ستكون مطالبة بإقناع الأمريكيين بتمويل ودعم سياسات إسرائيلية يراها كثيرون متعارضة مع أولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية. كما أن ازدياد نفوذ التيارات الدينية المتشددة في إسرائيل يجعل الدفاع عنها أكثر صعوبة داخل الأوساط الليبرالية الأمريكية.
نهاية الإجماع التقليدي
وتنتهي الدراسة إلى أن أهم تحول تشهده العلاقة الأمريكية الإسرائيلية يتمثل في تراجع حالة الإجماع التقليدي التي أحاطت بإسرائيل داخل الولايات المتحدة لعقود طويلة.
فبعد أن كان دعم إسرائيل محل توافق واسع بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبين النخب السياسية والإعلامية، أصبح موضوعًا للخلاف والجدل والاستقطاب. ولم تعد إسرائيل تحظى بالمكانة الاستثنائية نفسها التي تمتعت بها سابقًا، بل أصبحت جزءًا من الصراع السياسي الداخلي الأمريكي.
ويرى الباحث أن هذا التحول يحمل آثارًا تاريخية تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين، لأنه قد ينعكس مستقبلاً على شكل النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، وعلى طبيعة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى موازين القوى الإقليمية عمومًا. ولذلك تخلص الدراسة إلى أن ما يجري ليس أزمة عابرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بل بداية تصدع بنيوي في الأسس التي قامت عليها هذه العلاقة الخاصة منذ عقود .
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات